الانتخابات في الإعلام المصري: رؤية محدودة تحكمها الأجندة السياسية

الإعلام المصري يفتقد للموازنة بين المهنية وتحديات المرحلة، ومجلس الإعلام لم يلتزم بالحياد الذي طالب به.
الخميس 2018/03/29
المنظور الوحيد للإعلام المصري

القاهرة - طغت الرغبة السياسية في حشد المواطنين للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المصرية على التغطية الواسعة التي قدمتها قنوات فضائية وصحف ومواقع إلكترونية مختلفة، وقد عملت على التركيز على الجوانب الإيجابية التي تشجع المواطنين على الذهاب إلى صناديق الاقتراع والإدلاء بأصواتهم.

وحاولت وسائل إعلام كثيرة نقل صورة الانتخابات من زاوية واحدة وهي التركيز على المشاركة الكثيفة للمواطنين، وتعمدت إبراز الجانب الاحتفالي الذي ظهر أمام اللجان الانتخابية، من دون أن تكون هناك إشارة إلى أي سلبيات شهدتها الانتخابات، أو ذكر بأن هناك لجانا لم تشهد إقبالا من المواطنين.

ورفعت وسائل إعلام مصرية شعار “انزل شارك” خلال تغطيتها للانتخابات الرئاسية التي انطلقت الاثنين، ويدلّ هذا الشعار على أنها حاولت الحفاظ على خيط رفيع بين الحشد من أجل النزول تحقيقا لهدف سياسي تسعى إليه الحكومة، وبين توعية المواطنين للمشاركة.

ورأى متابعون أن المبالغة في الدعوات التي وجهها مقدمو برامج الـ”توك شو” الليلية، عقب انتهاء التصويت في اليوم الأول ارتبطت برغبة معلنة من قبل أجهزة الدولة حيث قالت إن المشاركة الكثيفة هي تعويض عن غياب المنافسة في الانتخابات التي تحوّلت إلى ما يشبه الاستفتاء على شعبية الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وهو ما اعتبره البعض خروجا عن الضوابط المهنية التي وضعتها الهيئات المشرفة على أداء الإعلام قبل بدء الانتخابات، وفي مقدمتها عدم نشر توقعات بنتائج الانتخابات أو نسبة المشاركة فيها، إلا من خلال بيانات صادرة بشكل رسمي وبأرقام محددة تحددها الهيئة الوطنية للانتخابات، وهي هيئة قضائية مستقلة تتولى الإشراف على الانتخابات.

ولم تلتزم وسائل الإعلام المصرية بهذا المعيار، وأعلنت منذ اليوم الأول أن هناك مشاركة كثيفة في الانتخابات دون أن تمتلك بيانات معلنة تبرهن على نسبة المشاركة.

الطريقة التي اعتمدت عليها وسائل الإعلام في التغطية حوّلتها إلى أبواق وطنية تهدف إلى حشد الجماهير، وبذلك فإنها أخلّت بالمبادئ الأساسية التي وضعتها الجمعية الأميركية للصحافة عام 1907. وتحدد تلك القواعد الملزمة مسؤوليات الإعلام ودوره، وأهمها القيام بدور الرقيب على مؤسسات الدولة ونقل الحقيقة إلى عموم الناس دون توجيه أو ترغيب، الأمر الذي فشلت فيه وسائل الإعلام المصرية التي تحوّلت إلى هيئات تابعة للحكومة تسعى إلى الحفاظ على هيبتها.

جزء كبير من أزمة حيادية الإعلام المصري لها علاقة بهجمات خارجية توجهها منصات تابعة لجماعة الإخوان إلى الدولة 

وحمّل عدد من الخبراء الهيئات الإعلامية الحالية مسؤولية الأداء الحالي، واعتبروا أن السياسية التي تنتهجها وسائل الإعلام عبرت عن استراتيجية عامة ساهم في وضعها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، والذي طالب في بيان رسمي صدر عشية بدء الانتخابات الموطنين بالمشاركة الواسعة في الانتخابات، واعتبرها ضرورة سياسية من شأنها أن تحفظ استقرار مصر.

بل إن المجلس ذاته لم يلتزم بالحياد الذي طالب به وسائل الإعلام، وروّج مكرم محمد أحمد رئيس المجلس في بيان رسمي، للرئيس عبدالفتاح السيسي وطالب المواطنين بانتخابه، لافتا إلى توافد المواطنين على لجان الاقتراع يمثل أهمية لاستكمال ما بدأه من مشاريع تنموية.

وقال جمال عبدالرحيم عضو مجلس نقابة الصحافيين إن الالتزام بالمعايير المهنية “أمر مستحيل، بعد أن شاركت غالبية القيادات الإعلامية في مؤتمرات شعبية تدعم الرئيس المصري، كما أن الوضع الحالي الذي تسيطر فيه أجهزة أمنية على وسائل الإعلام يدفعها إلى السير في طريق واحد، ويلغي وجهات النظر الأخرى”.

وأضاف لـ”العرب”، إن التركيز على جانب واحد يعبر عن توجه عام يسير في ركاب الدولة المصرية، بالتالي فالإعلام المصري يرى أن التركيز على اللجان الخالية من المقترعين أو على أي مشكلة تشوب العملية الانتخابية يدعم المعارضة التي دعت إلى مقاطعتها.

في المقابل، ذهب مراقبون إلى أن اتخاذ الإعلام لموقف داعم للسيسي يتماشى مع رغبة الحكومة، الذي يرتبط بالرد على المنصات الإعلامية التي تدعمها جماعة الإخوان، وحاولت التركيز على عدم استجابة المواطنين لدعوات المشاركة في الانتخابات والبرهنة على عدم وجود شعبية للرئيس عبدالفتاح السيسي.

ومنذ أن بدأت انتخابات المصريين بالخارج في منتصف الشهر الجاري، عملت قنوات تابعة لجماعة الإخوان، على الترويج لانحسار نسبة المشاركة، واستغلت الحادث الإرهابي الذي وقع بمحافظة الإسكندرية قبل يومين من بدء الانتخابات في الداخل، لمطالبة الناخبين بعدم الاقتراع خوفا على أرواحهم.

وساهم استطلاع للرأي أجرته قناة الجزيرة القطرية عشية وقوع حادث الإسكندرية الإرهابي والذي راح ضحيته اثنان من عناصر الشرطة وإصابة خمسة آخرين، في زيادة نبرة الحشد السياسي للإعلام المصري خلال الانتخابات الحالية.

ونشرت الجزيرة سؤالا على صفحتها بموقع فيسبوك قالت فيه، “هل يتجه الإخوان المسلمون إلى العنف بعد أن اكتشفوا أن سلميتهم ليست أقوى من السلاح؟”، وهو ما اعتبره مهتمون بالشأن الإعلامي تحريضا مباشرا للعناصر الإخوانية الموجودة داخل البلاد على إفساد الانتخابات، وفي اليوم التالي شهدت الإسكندرية حادثا إرهابيا كان يستهدف مدير أمن ثاني أكبر محافظة مصرية بعد القاهرة.

وقالت نجوى كامل أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، إن جزءا كبيرا من أزمة حيادية الإعلام المصري لها علاقة بالهجمات الخارجية التي توجهها منصات تابعة لجماعة الإخوان إلى الدولة المصرية، وكان الحل لدى القائمين على وسائل الإعلام في الرد العكسي، لتفنيد ما يتم ترويجه من أكاذيب، وهو ما دفع إلى المبالغة في جميع القضايا التي تبناها الإعلام.

وأضافت لـ”العرب”، أن التركيز على إقبال الناخبين جاء في سياق الرغبة في تحقيق انتصارات سياسية على الجانب الآخر الذي يدعو إلى المقاطعة ويطعن في شرعية الانتخابات لتحقيق هدف أساسي يرتبط بعزوف الناخبين عنها، غير أن ذلك لا يعدّ أسلوبا مهنيا في التعامل مع تغطية حدث مفترض أن ينقل الصورة كاملة وليس جزءا منها.

وأوضحت أن استخدام عبارات مبالغ فيها للتعبير عن كثافة الحشود إلى الحد الذي وصل إلى تأكيد إحدى الصحف الحكومية بأن “الإقبال غير مسبوق”، قد يأتي بنتائج عكسية بالنسبة للمواطنين الذين سيفقدون الثقة في صحة الرسائل الإعلامية الموجهة إليهم، وهو ما يعاني منه عدد كبير من وسائل الإعلام في مصر حاليا.

18