الانتخابات في العراق: لعبة ثانوية لإعادة إنتاج التوازنات

الاثنين 2014/05/05

أفرزت الانتخابات العراقية نتائج تمثلت بفوز القوى التقليدية المهيمنة على المشهد العراقي منذ ما سمي بتسليم السلطة للعراقيين من قبل الحاكم المدني الأميركي في يونيو 2004. الأمر ليس مفاجئاً، رغم أنه كان كذلك بالنسبة إلى بعض الشرائح والنخب المدنية، التي حلمت بتغيير مشتهى ومنطقي بعد فشل القوى والأحزاب الطائفية الحاكمة منذ عشر سنوات، في كافة الملفات المتعلقة بالخدمات والأمن والاقتصاد، والعلاقات مع دول الجوار.

ما حصل بدا مخالفا لحركة التاريخ كما ترسمها الديمقراطية التعددية، حيث يسقط الفاشلون في الانتخابات، ويستبدلون بآخرين يمتلكون برامج وأفكارا ومنهجيات مختلفة. هذا ما تخبرنا به الديمقراطيات التعددية، ولاسيما بعد تبلور تيارات وتحالفات سياسية جديدة في العراق، ذات طابع مدني ديمقراطي ببرامج تغيير توسم بها العراقيون خيرا. وخصوصا في ضوء التذمر الشعبي الواسع جدا على أداء الحكومات المتعاقبة والقوى التي شكلتها والذي وصل إلى حد الثورة في مناطق واسعة من البلاد.

حقيقة النظام السياسي القائم في العراق لا يعدو عن كونه مجرد إطار ينظم العلاقات بين القوة السياسية الطائفية التي دخلت العراق مع الاحتلال الأميركي عام 2003، والتي أوكلت إليها مهمة بناء النظام السياسي على أنقاض النظام القديم، بشكل يضمن التوازن للمصالح الدولية والإقليمية، التي كان لها الدور الرئيس في هدم الدولة واحتلال العراق، فكانت النتيجة ما عنوانه اليوم “العملية السياسية”.

ربما يعكس هذا العنوان الجوهر الحقيقي للنظام السياسي العراقي، فهو بالفعل مجرد عملية سياسية أبطالها أحزاب وفرق هيمنت على المجتمع والثروة. وتقوم أميركا وإيران اللاعبان الأبرزان في المشهد العراقي بلعب دور ضابط الإيقاع. هكذا، فما من نظام سياسي يدير جهاز الدولة المستقلة التي تمثل بدورها عقدا اجتماعيا ينظم العلاقات في المجتمع وفق مصلحة السكان، ويمارس تداول السلطة بشكل طبيعي كما في الديمقراطيات المعروفة. بل إن وجود دولة ربما يعرقل بشكل أو بآخر عملية السيطرة على البلاد، لذلك كان قرار هدمها واستبدالها بسلطة طائفية هزيلة وضعيفة أمرا ضروريا بالنسبة إلى الاحتلال الأميركي وحلفائه الإقليميين.

ولعل ما حدث بعد انتخابات 2010 يعد بمثابة الحلقة الثانية من حلقات محاولات اقتناص المكاسب بين الطرفين الأميركي والإيراني، حيث فاز ائتلاف العراقية ذو الغالبية السنية الذي يقوده إياد علاوي الحليف الأقوى لأميركا بأكبر عدد من مقاعد البرلمان، بما يخوله تشكيل حكومة والظفر بمنصب رئاسة الوزراء. وأحدث فوز علاوي خللا كبيرا في التوازنات السياسية المتوافق عليها وأدخل البلاد في أزمة سياسية بدت مستعصية هددت بتفجير صراع دموي بين المكونات السياسية.

لكن انعقاد مؤتمر اربيل أخيرا أعاد التوافق الأميركي الإيراني من جديد إلى الواجهة، وتم تكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة لولاية ثانية سميت حكومة شراكة وطنية، وظفرت فيها قائمة علاوي برئاسة البرلمان وعدد من الحقائب الوزارية، وحافظ فيه التحالف الكردستاني على منصب رئاسة الجمهورية.

وتأتي الانتخابات الأخيرة التي جرت في 30 أبريل الفائت، بعد أجواء سياسية واجتماعية عاصفة في البلاد، ربما لتعيد ترتيب الوجوه من جديد. إذ تبدو إيران كما لو أنها تتلمس غدرا أميركيا بالتوافق المعمول به معها. لعل هذا ما يفسر إصرار نوري المالكي على الولاية الثالثة، وتشديده على أنه صمام الأمان للعملية السياسية وتلويحه بورقة انهيارها عبر حديثه عن الإرهاب واجتياحه لبغداد تارة، وتارة أخرى عبر حديثه عن حكومة أغلبية سياسية تطيح بالشراكة الوطنية لصالح تحالف شيعي مزمع ترتيبه في البيت الإيراني ربما.

ما أظهرته النتائج الأولية للانتخابات، وتقدم قائمة ائتلاف دولة القانون الذي يقوده المالكي بفارق طفيف عن منافساتها، ربما سيعيدنا إلى أربيل مجددا، أو إلى أي منتجع سياحي آخر يتم فيه التوافق على الأشخاص الذين سيديرون العملية السياسية. أشخاص من نفس الكيانات والأحزاب الموجودة بكل تأكيد.

تبدو فرص المالكي بالحفاظ على المنصب ضعيفة. إذ لم يعد شخصية توافقية على ما يبدو، خاصة في ظل الاستياء الشعبي وحالة الاحتجاج الحاصلة في مناطق واسعة ضد سياساته. وهو ما سيولد ضرورة إيجاد شخصية توافقية أخرى من حزب الدعوة، أو ربما من تيار شيعي آخر، يوهم الشارع بتغيير ما.

المواطن العراقي سيجد نفسه مرة أخرى أمام برلمان وحكومة طائفية هزيلة وضعيفة، ترعى مصالح الأطراف الدولية والإقليمية وتبقيه حبيسا لاستعصاء تغييري مزمن بين أركان العملية السياسية الراهنة، ولكن ربما يجد ضالته خارج جدرانها، ويبقى العراق مفتوحا على جميع الاحتمالات.

7