الانتخابات في تونس بين الأمل والخوف

السبت 2014/10/25

ثمّة اختلافات بين التونسيين في قراءة ظاهرة الانتخابات المزمع تنظيمها يوم الأحد 26 أكتوبر 2014. ويمكن القول إنّ اختلاف القراءات أمر طبيعيّ في بلد لم يتعوّد خلال العقود الستة الأخيرة على الانتخابات مثلما نراها في المجتمعات الأوروبيّة والأميركيّة.

فعلا، فالانتخابات النزيهة والشفّافة ظاهرة طارئة على المجتمع التونسي بل قل على التونسيين جميعا. فمنذ السنة الأولى للاستقلال (1956) صدر قرار سياسي ضمنيّ بـأن لا تكون الانتخابات نزيهة وديمقراطية. فليس مبالغة القول إنّ مختلف الانتخابات التي عرفتها تونس في الفترة الفاصلة بين 1956 و2011 كانت كلّها مزوّرة ولا تعكس، من بعيد أو من قريب، تطوّر المجتمع التونسي وطبيعة قوّاه السياسيّة والاجتماعية والثقافيّة ولا تعبّر عن تطلّعات التونسيين في حرية الفكر وحريّة التعبير حتّى وإن كانت نسبة الأميّة مرتفعة تصل، حسب دراسات موثّقة، في النصف الأول من ستّينات القرن العشرين إلى تسعين بالمئة من مجمل السكّان المقدّرين بـثلاثة مليون نسمة.

لذلك تأتي الانتخابات التشريعيّة الجديدة تعبيرا عن مرحلة جديدة من تاريخ تونس المعاصر من جهة، وشاهدا مهمّا ينضاف إلى شواهد أخرى حول النجاح النسبي للمرحلة الانتقالية على الرغم من كثافة الصعوبات الاقتصاديّة وارتفاع المديونيّة الخارجيّة و”تسونامي” المطالب الاحتجاجيّة والنقابية والمهنيّة التي عمّت الجغرافيا التونسيّة من أقصاها إلى أقصاها إلى حدّ أنها سجّلت الرقم القياسي العالمي خلال سنتي (2012 و2013) مثلما أكد لي ذلك خبير الأمم المتحدة في التحولات الديمقراطيّة.

وهي، في جوهرها، تعبّر عن هذه الرغبة الواضحة والجليّة لدى التونسيين في إيجاد قطيعة سياسيّة وتاريخيّة مع العقود الستّة الأخيرة بكلّ ما شابها من استبداد واستفراد بالرأي وفساد وغياب المحاسبة القانونيّة والسياسيّة لكل الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تورط فيها عدد من المسؤولين الذين شاركوا في الحكومات المتعاقبة التي تداولت على السلطة في الفترة الفاصلة بين 1956 و2010.

إنّ التونسيين يجمعون اليوم على ضرورة أن تكون هذه الانتخابات انطلاقة ديمقراطية وسياسيّة حقيقيّة في مجتمع لطالما تعطّلت الديمقراطية فيه، الأمر الذي أفضى إلى حالات غريبة من الانسداد السياسي ومن سوء توزيع الثروة ومشاعر متناميّة من الإحباط واليأس واللجوء إلى الانتحار حرقا، علما وأنّ مثل هذا السلوك غريب تماما عن المجتمع التونسي طوال العقود الثلاثة الأخيرة.

إنّ مثل هذه الآمال والانتظارات صادقة لدى التونسيين بدليل ما نلمسه في مختلف مؤسسات المجتمع التونسي وهياكل الحياة اليوميّة من خوف عميق على مسار الانتقال الديمقراطي، ومن حذر شديد من تأثيرات الوضع الإقليمي والدولي في تونس. فليس خافيا على أحد أنّ الوضع الإقليمي الملاصق لتونس متأزّم ويعكس صعوبات وتحدّيات عديدة قد لا تقدر تونس على مجابهتها بمفردها. ولعلّ ذلك ما يفسّر هذا الاقتران المفارقي والعجيب بين الأمل والخوف من جهة وبين التّرقب والحذر من جهة أخرى. فالتونسي اليوم كما نراه في مختلف مجالات الحياة كتلة من المشاعر المتناقضة ومن التوجّسات المتصارعة ومن الإقدام والخوف ومن الجرأة والتّردد. فهو يراهن على الانتخابات القادمة من أجل تحقيق الاستقرار والأمن ومغادرة الحالة المؤقّتة والسيطرة على غلاء المعيشة وارتفاع التضخّم المالي، ولكّنه يستشعر مخاطر محدقة بمجتمعه مثل الإرهاب الموجّه والمموّل من الخارج وتدفّق السلاح جرّاء التهريب في بيئة إقليميّة مرتبكة بل قل شديدة التوتر. فهو متفائل بالانتخابات، ولكنّه لا يرى الطبقة السياسيّة التي تخطب يوميّا في وسائل الإعلام قادرة على مواجهة كلّ هذه التحدّيات وعلى إخراج البلد من صعوباته ومن تعقيداته.

كما يتعمّق هذا التفاؤل الحذر والأمل غير المؤكدّ حينما يرى أحزابا سياسيّة وشخصيات مستقلّة لا تعرض برامج اقتصاديّة وتنمويّة واجتماعيّة مقنعة وقادرة على مجابهة الأزمات، فهي خطب يطغى عليها الحماس والتحميس والتعبئة وتأجيل الاستحقاقات التنمويّة في بلد لم يعد يقبل فيه التونسيّون تأجيل مطالب التنمية العادلة وترشيد توزيع الثروة وتحقيق العدالة والمساواة بين الجهات والمناطق. يريد التونسيّ اليوم برامج واضحة ذات قابليّة عالية للتحقق في الميدان بدل شعارات تستهدف الحماس الظرفي والتعبئة المؤقتة والمماطلة التي لا تفضي غالبا إلى النجاعة وإلى نقلة نوعيّة في المعيش الحياتي اليومي للتونسيين. ولذلك فالتونسيّ هو اليوم بركان مشاعريّ يجمع بين الحيرة والقلق ولكن أيضا بين الأمل والثقة الحذرة.

7