الانتخابات في جمهورية الكذب

الجمعة 2014/06/06

لا يمكن وصف حدث الانتخابات الرئاسية التي جرت على الأراضي السورية وخارجها بأنه حدث اعتباطي، وذلك لأسباب عدة تتمحور، أولاً وأخيراً، حول ماهية هذا النظام وتماهيه الشكلي مع خطابه. وإن ذلك لا ينافي غايته من كل هذه المهزلة، التي قد تقوم أيضاً على إرسال رسائل سياسية لخصومه في الداخل والخارج تفيد بعدم اكتراثه بمسار الملف السوري، وبالقرارات المتخذة بشأنه على طاولة أصحاب القرار في المجتمع الدولي. فالانتخابات جزء من صورة أوسع تلخص شكل علاقة النظام مع رعاياه الأوفياء.

صفة الوفاء هنا، يجب أن يتحلى بها كل «مواطن» صالح، ولو ظاهريا. النظام الذي عمد، ومازال يتعمد، على أن يبقى النافذة الوحيدة لرعاياه على فهم العالم والوطنية والديمقراطية، والحقيقة أيضاً، بل وإعادة تعريفاتها بما تقتضيه مصالحه المرحلية.

لم تسع ماكينات النظام الأسدي وشقيقاتها المقاومة أبداً إلى حذف أو مَنْتَجَة لقطة ما قد تشكك في شرعية الانتخابات. فمجمل الصور الهزلية تفضح الزيف والقسرية والتملق، كما يجمعها رياء الرعية التي أرادت السلطة أن تظهره على العلن بوصفه الخلطة السحرية الأنجع، والمعروفة لدى كثير ممن أظهروا العداء لها. وذلك بدءاً من الجزء الأول لهزلية الانتخابات على الأراضي اللبنانية، وصولاً إلى إدلاء المواطنين الأوفياء بأصواتهم لأكثر من مرة، وليس انتهاءً بالاقتراع بوساطة “الواتس آب”.

يختصر مشهد الرعايا العائدين للمشاركة في هذا العرس الوطني، بما فيهم عشرات من المغتربين وقلة من اللاجئين على الأراضي اللبنانية وفي المدن السورية، شكل علاقة الشعب بالسلطة الذي يرضى عنه النظام السوري. فهذا النظام لا يحلم بأكثر من أفراد مهزومين يتزلفون للحاكم بوصفه مانحاً، راعياً، ومنتصراً لا يقهر. فهو الراضي عن شكل العلاقة السابقة ودال عليها. وفي نفس السياق السابق، يحضر إلى الذهن حديث رائد الفضاء السوري محمد فارس عام 1987 الذي أبلغ حافظ الأسد من المركبة الفضائية السوفيتية تحياته القلبية وأن معنوياته قد زادت إشراقاً بالحديث مع قائده المفدى. كما أنه لم ينس أن يخبر القائد الخالد مكرراً: إني مسرور جداً وسعيد جداً، إني أرى جولاننا الحبيب يا سيادة الرئيس.

بقيت مشاهدات فارس، بدلالاتها المباشرة ابنة شرعية لواقع زائف، فالأكاذيب التي قام عليها النظام هي التي شكلت الواقع الذي لا ينبغي على أهله الانصياع لتسلطه فقط، بل يتوجب عليهم الاحتفاء بعطاياه. خارجياً، لا يعمل الأسد ونظام الجريمة على صب جهوده لعداء حقيقي لمن يحاول أن يدحض أكاذيبه أو يشكك بها، لأنها ليست أكثر من مجرد أساطير يخاطب بها رعاياه المخلصين فقط. لعل جوقة المصفقين والمداحين بجلسة الشعب الأولى عقب اندلاع الثورة السورية في درعا هي التي جلبت الطمأنينة لنفس بشار الأسد، وهي التي قلبت قلقه الظاهر إلى ضحكات هستيرية متواصلة. الواقع السابق الذي أوجده الأسد الأب معززاً حضوره الدائم فيه، مثبتاً لجماهيره بذلك، مع ابنه، بأنهما الحاضران دائماً؛ في الشوارع والمدارس والكتب والأغاني، وفي الفضاء أيضاً.

إن الانتخابات ليست إلا حقيقة موضوعية في جمهورية الكذب، وإن تحديثها بفكرة التنافس بين الأسد ومرشحين هزليين لا يصب إلا في خانة واحدة: لا أحد يقدر على تسيير هذه البلاد إلا الأسد؛ وهذا ما لم يتوقف الأسد مع حلفائه عن ترديده منذ سنوات.


كاتب سوري مقيم في باريس

8