الانتخابات قبل المصالحة، السبيل الوحيد لوقف الانقسام الفلسطيني

فتح وحماس لا تريدان الانتخابات لأنهما تخشيان المواجهة وانكشاف وزن كل منهما في الشارع الفلسطيني.
الجمعة 2018/08/24
اتفاقات المصالح الضيقة

يتكاثر الحديث عن القضية الفلسطينية، ومتوقع أن يزداد الفترة المقبلة، بعدما عادت التصريحات الأميركية للواجهة بشأن طرح “صفقة القرن” في صيغة معدلة نسبيا، ما يضفي المزيد من البريق على الحالة الفلسطينية بكل تعقيداتها، من التهدئة بين حماس وإسرائيل إلى رفع الحصار عن غزة وحتى إنهاء الانقسام والمصالحة بين فتح وحماس.

وصلت العلاقة بين الحركتين إلى مرحلة قاتمة من التجاذبات حول من يتولّى قيادة الوفد الذي يتفاوض للوصول لاتفاق التهدئة وما إلى ذلك من ملفات خلافية. وستتفاقم الأزمة عندما يحين الجلوس للتسوية السياسية.

وهنا ستكون الطامة الكبرى، لأن كلا من فتح وحماس، وطبعا قيادة السلطة الفلسطينية، لا يملك شرعية حقيقية للحديث والتفاوض باسم الشعب الفلسطيني.

تعاني حركة فتح من انقسامات داخلية عميقة، واتخذت مجموعة من السياسات مؤخرا لترتيب أوضاعها بما يتواءم مع مصلحة بعض القيادات وأبعدت آخرين، ما يشكك في شرعية من يتصدرون المشهد الفتحاوي حاليا.

تتعامل حماس مع غزة وفقا لفوزها في الانتخابات التي جرت عام 2006، وحصدت أغلبية في المجلس التشريعي وقتها، ولا تزال تصر على هذه الأغلبية، مع أن مدة المجلس انتهت صلاحيته منذ حوالي ثمانية أعوام، لكن الفراغ مكّنها من التمسك بالشرعية القديمة.

كما أن محمود عباس (أبومازن) رئيس السلطة الفلسطينية انتهت ولايته وانتفت كل الحيل السياسية للتمديد، ما يتطلب البحث عن شرعية يستمدّها من الشارع الفلسطيني وليس من القاعدة الفتحاوية. الميزة الوحيدة التي يتمتع بها أبومازن أنه أصبح رئيسا بالتوافق، ويحظى بما يمكن وصفه بـ”الإجماع”، لأن خلوّ منصبه في هذه الأجواء يمكن أن تترتب عليه أزمات تتجاوز الحدود الفلسطينية.

منح الالتباس الذي يعيشه الفلسطينيون فرصة لدولة مثل قطر لتدخل على خط قضيتهم، تارة باسم السعي للتهدئة وأخرى بذريعة تقديم مساعدات، وثالثة باستمالة حماس وأخيرا مغازلة فتح، وكلها مستمدة من السيولة الشديدة التي أصبحت عليها الحالة الفلسطينية. إذا مضت الأمور وفقا للأوضاع الراهنة، لن يتحصل الفلسطينيون على شيء ذي بال، ربما تحدث تهدئة مؤقتة مع إسرائيل ويُرفع أو يُخفّف الحصار عن غزة، لكن لن تصمد لا هذه أو تلك، ومؤكد لن يصل الجميع لمصالحة وطنية، وسط التباعد في رؤى فتح وحماس.

يدير كل طرف اللعبة بالطريقة التي تضمن بقاء الحال على ما هو عليه، لأن تغيير القواعد يؤدي إلى مواجهة تحديات كبيرة، يمكن أن تصل إلى تكبد الكثير من الخسائر السياسية، طالما استمرت الحسابات الحركية والأيديولوجية متقدمة على نظيرتها الوطنية، لذلك يغض الجميع الطرف عن حديث الانتخابات لتجديد الشرعية.

وأكدت مصادر فلسطينية مستقلة لـ”العرب” أن فتح وحماس لا تريدان الانتخابات وتتهربان منها، وترتاح كل منهما للضجيج الحاصل حول المصالحة بكل عيوبها، وعلى استعداد للبقاء ثلاثة عشر عاما أخرى للحديث عنها دون الوصول إلى نتيجة عملية، لأن الانتخابات تحوّلت إلى شبح تخشى الحركتان مواجهته وانكشاف وزن كل منهما في الشارع الفلسطيني.

كل طرف يدير اللعبة بالطريقة التي تضمن بقاء الحال على ما هو عليه. فتح وحماس لا تريدان الانتخابات وتتهربان منها وترتاح كل منهما للضجيج الحاصل حول المصالحة بكل عيوبها

وأضافت المصادر أن فتح ترتكن إلى قوة مستمدة من تاريخها الطويل، وتتخوف من اللجوء إلى الشارع حاليا، وهي على يقين أن خلافاتها الداخلية لها أصداء كبيرة في الخارج، ما ينعكس على عدد الأصوات التي ستحصل عليها، وفي حالة الحصول على عدد قليل ستنقشع الهالة التي أحاطت بها، اعتمادا على تضحيات قامت بها قيادات رحلت عن الساحة، ما يفضي إلى تقزم دورها، وفقدان فكرة الترويج لامتلاك زمام الأمور في الشارع الفلسطيني.

قد يكون الموقف بالنسبة لحماس أشد قتامة، فالفوز الذي حققته في آخر انتخابات برلمانية من الصعوبة أن يتكرر الآن، وسط المشكلات التي تسببت فيها الحركة في غزة، وأبرزها الحصار، لأن توجهاتها الأيديولوجية قادت لنتائج سلبية انقلبت وبالا على المواطنين، وتخشى الاحتكام إليهم فتكتشف أن وزنها ذهب مع ما ارتكبته من أخطاء سياسية وأمنية.

وقالت المصادر إن حماس تعوّل الآن على النتائج الإيجابية التي يمكن أن تحصل عليها من وراء التهدئة مع إسرائيل ورفع الحصار، فإذا نجحت في إدارة الملفين بصورة جيدة ستتغير الأحوال في غزة للأفضل، ساعتها ستكون أول من تدفع نحو الانتخابات، ليس لاكتساح المجلس التشريعي فقط، بل للفوز بمنصب رئيس السلطة الوطنية، فحالة الضعف الظاهرة على فتح، جعلت حماس تطمع في السيطرة على الضفة الغربية أيضا.

يستلزم الوصول للانتخابات تشكيل حكومة مستقلة تشرف عليها وتنتهي مهمتها مع انتهاء العملية الانتخابية، كأحد ضمانات النزاهة، مع إعداد قانون يجري التوافق عليه يحدد الأسس التي تنطلق منها، استرشادا بالانتخابات السابقة عامي 2005 و2006.

وأوضحت المصادر أن هذه الخطوة ضرورية مع تزايد حالة الاحتقان التي تعتمل داخل فتح وبين بعض القيادات الطامعة في وراثة أبومازن، الذي يعاني من أزمات صحية كثيرة، وبات التعجيل بالانتخابات مسألة مصيرية للحفاظ على حضور السلطة الفلسطينية، وضمان توحيد فتح وراء قيادة جديدة تحظى بشرعية قوية.

تدرك حماس جيدا المخاطر التي تنطوي عليها الخلافات داخل فتح، وحجم تأثيرها السلبي على السلطة الوطنية، وتتمهل في تأييد الانتخابات، وكلما اقترب الحديث منها تجد حيلة لتنسفه قبل أن تواجه أمرا يجبرها على قبولها، وتعمل على الاستفادة من الوقت لتكريس حكمها في غزة، بعد أن نجحت في إبداء مرونة مكّنتها من التعامل مع بعض المعطيات الدولية، قادتها للدخول في مفاوضات بوساطة مصرية وأممية، للتهدئة ورفع الحصار.

تظهر فتح وحماس اهتماما شكليا بالمصالحة بقدر الزخم الذي يتوافر لها، لكن في قرارة كل منهما يكاد يكون تحقيقها مستحيلا، ما يجعل التجاوب معها أكبر من الطرفين، بينما لا تجد عملية الانتخابات اهتماما، لأنها أسهل في التنفيذ، ما يكشف الغطاء عنهما ويضعهما أمام معضلة
دقيقة.

وأكدت المصادر لـ”العرب” وجود طبقة سياسية جديدة على الساحة الفلسطينية، لا تدور في فلك فتح أو حماس، يمكنها الاستفادة من المشكلات التي تمر بها الحركتان، وحال إجراء انتخابات نزيهة، من الممكن أن تحصل هذه الطبقة على نسبة عالية من الأصوات، تؤثر سلبا على النفوذ الذي تتمتع به فتح وحماس، ما يقلب التوازنات التقليدية.

وعندما سألت “العرب” أحد المصادر الفلسطينية التي لها علاقات خارجية متشعبة عن موقف إسرائيل وبعض القوى الدولية المؤثرة، قال إن “الكثير من القوى الغربية تطرب للانتخابات وترى فيها وسيلة جيدة للتعبير عن إرادة المواطنين، وستقوم بتشجيعها لأنها مهتمة بالبحث عن قيادة فلسطينية تتولى دفة التفاوض دون تشكيك في شرعيتها”.

ومرجح أن تتفاقم الأزمات الفلسطينية عندما تنتهي المرحلة الحالية التي يسود فيها الكلام بإسراف عن التهدئة والحصار، وتأتي المرحلة الخاصة بالتسوية السياسية التي يسعى لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يستوجب وجود قيادة تحظى بشرعية كبيرة، تتمكن من التفاوض وربما التوقيع على أي اتفاق، قبل أن يتكرّس فصل غزة عن الضفة.

6