الانتخابات لن تكون نزهة للسيسي إذا سمح لعنان بالترشح

الاثنين 2018/01/22

بدأ الصراع الانتخابي في مصر يخرج عن السيطرة. على مدار سنوات طويلة كانت هندسة الانتخابات تزداد تعقيدا كلما زاد وزن المنافسين للرئيس، أي رئيس.

مشكلة الانتخابات المصرية هذا العام أن كل الظروف المحيطة بها معقدة. المرحلة التاريخية التي تمر بها مصر والمنطقة هي العامل الحاسم في تحديد مستقبل الأمة، على عكس الطبيعة المحلية للتفاعلات التقليدية في كل سباق انتخابي آخر.

ثمة عقل يبدو مدركا لهذه الحقيقة خلف الفريق سامي عنان. توظيف أمر واقع محلي غير مستقر كان دائما نقطة تحول تاريخية باتجاه إنهاء حقبة وبداية حقبة جديدة.

الأزمة الاقتصادية العالمية، التي عرفت في ثلاثينات القرن الماضي بـ”الكساد العظيم”، كانت نقطة التحوّل لوأد المشروع الديمقراطي الوليد في أوروبا وبداية عهد الفاشية. نسب التضخم المرتفعة وانهيار العملات المحلية وارتفاع معدلات البطالة أطاحت بنظامي الحكم في ألمانيا وإيطاليا، وقادت إلى اشتعال حرب أهلية في إسبانيا.

في مصر، كانت سيولة الحراك السياسي وعمليات الاغتيالات والهجمات المسلحة، التي انتهت جميعا في يناير 1952 بحريق القاهرة، إحدى منطلقات تسريع تحركات الضباط الأحرار في 23 يوليو التي أنهت الملكية وأسست حقبة الجمهورية.

اليوم ثمة ازدواج يتبلور في مصر منذ شهور بين الأزمتين. أزمة اقتصادية ناتجة عن سوء إدارة لإصلاحات ضرورية، وغياب نسبي للاستقرار السياسي ينعكس في أمرين هامين: الأول هو تراجع قدرة الدولة على حسم ملف الهجمات الإرهابية، التي قلّ عددها لكنها ازدادت شراسة ودموية، والثاني انتقال الصراع السياسي من الشارع إلى مؤسسات الدولة.

الطريقة التي ينظر بها نظام حكم الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى أي حراك سياسي ملتبسة. “الفوضى السياسية” هي مرادف الحياة الحزبية، و”التآمر مع الخارج” مساو لمعنى علاقات القوى السياسية مع الدول، وتمويل الجمعيات الخيرية والأهلية “هي عمالة للأجنبي”.

الجمود المجتمعي الناتج عن إغلاق كل المنافذ السياسية في الشارع، فتح هذه المنافذ على مستوى مؤسسات الدولة الرئيسية. الخلافات بين أجهزة الحكم في مصر نتاج للضغط على عنق الزجاجة وتركها تمتلئ إلى أكثر مما تحتمل. هذا يقود حتما إلى الانفجار، لكن هذه المرة الانفجار سيكون من داخل السلطة.

ثمة براغماتية تشكل عقلية عنان والمحيطين به ظاهرة في قلب الإصلاحات الاقتصادية على النظام، حتى لو كانوا جميعا يؤمنون أنه ليس ثمة بديل عنها

مصر ليست مستعدة لدفع كلفة أي انفجار الآن. تعيين عباس كامل، مدير مكتب الرئيس السيسي، قائدا لكل أجهزة المخابرات في البلد ليست مبادرة فعالة قد توقف الصراع الداخلي المحتدم. حان الوقت كي يفكر العقلاء في السلطة في طريقة مختلفة للقيام بالأمور والنظر إليها.

الحديث عن تقديم “القطاع المدني” على الجيش في الاقتصاد، و”الإيمان بالحرية” الذي انعكس فعلا في اختيار المستشار هشام جنينة وحازم حسني نائبين له، كاشفان لحقيقة أن فريق عنان الانتخابي ليس من الهواة. استغلال أزمات النظام الحالي، بعقلية تعرفه جيدا من الداخل، سيلقى صدى عاليا في الشارع، وسيقلص من “شرعية التأييد” التي يبحث عنها السيسي.

ثمة براغماتية تشكل عقلية عنان والمحيطين به ظاهرة في قلب الإصلاحات الاقتصادية على النظام، حتى لو كانوا جميعا يؤمنون أنه ليس ثمة بديل عنها. هذا هو شكل السياسة الذي يعرفه كل من عمل مع الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهي اللغة التي يفهمها رجاله في الشارع وداخل المؤسسات الحساسة أيضا.

مشكلة المحللين، الذين يحاولون النظر في الأشياء ببعض من العمق، مع السيسي أن خطابه يجعلك تدرك منذ الوهلة الأولى أنه ليس سياسيا متمرسا. بالعكس، كرجل عسكري نشأ في الجيش المصري، فهو يكره السياسة والسياسيين، ويفخر أنه “ليس سياسيا”! دفعه هذا إلى التصرف بعقلية “الحاكم المطلق” منذ اليوم الأول لصعوده إلى الرئاسة.

والحاكم المطلق هو الشخص الذي يتبنّى سلوكا مطمئنا يخلو من أي تحسب لضغوط أو عراقيل مفاجئة قد تضعه تحت ضغط أو تمثل تحديا لسلطاته. كان هذا الشعور الداخلي، الذي انعكس في كل تصرّفاته كرئيس تقريبا، هو المنطلق الرئيسي خلف الجرأة التي اتسمت بها مشاريعه القومية وإصلاحاته الاقتصادية وشخصيته الأمنية القاسية أحيانا.

ظهور عنان أخرج الطبيعة “اللاسياسية” عند السيسي التي انعكست في خطابه المهاجم لـ”الفاسدين” الذي قال إنه لن يسمح لهم بالوصول إلى كرسي الرئاسة!

هذا الخطاب وضعه في إشكالية أولية جعلته يظهر كرئيس يعرف الفاسدين ويتركهم من دون حساب، بالإضافة إلى أنه يحل مكان القانون والدستور بالسماح أو المنع في مسألة الترشح والفوز في الانتخابات.

هذا الفارق الشاسع في الفهم والإدراك السياسي بين رجال “الحملتين” هو ما سيمثل ضغطا كبيرا على السيسي وقدرته على المنافسة خلال هذه الانتخابات، وليس أي شيء آخر. باعتباره مرشحا ضامنا للفوز بفترة رئاسية ثانية، ليس من مصلحة السيسي الخوض في حرب كلامية مع عنان، تُخرج للسطح الخلافات العميقة التي كانت تحكم علاقتهما في الجيش. اعتماد السيسي على تلقائيته في الخطاب الشعبوي الذي يتبناه يخصم من رصيده، ويتناقض مع أسلوب العمل المؤسسي الذي أظهرته حملة عنان إلى الآن.

رغم أن لا فرق شاسعا بين العقليتين العسكريتين، ورغم أن تحالف عنان مع القوى المدنية والإخوان المسلمين هو تحالف وقتي يتعارض مع خلفيات وطريقة تفكير وطموح الجانبين، من المتوقّع أن تكون الانتخابات المقبلة ذات معنى كما أريد لها. هذا سيتحقق في حالة واحدة، إذا لم تطل شظايا الانتخابات الجيش، وإذا تم تحجيم الصراع ولم تخرج قواه عن سيطرة المتحكمين به.

كاتب مصري

7