الانتخابات وخيبة الشعب التونسي

الثلاثاء 2014/09/23

بعد ثورة الشعب التونسي مطلع سنة 2011، نجحت نخبه السياسيّة في تنظيم أوّل انتخابات تعددية شفافة في تاريخه. وكان ذلك في 23 أكتوبر 2011. ولكن تلك المناسبة الانتخابية لم تكن خالية من السلبيّات التي أهمّها أنّها كانت لانتخاب مجلس تأسيسي يسنّ دستورا جديدا، ولم تكن من أجل الحكم.

وكانت نتيجة تلك الانتخابات على الشعب التونسي ذات حدين؛ نجاح في وضع دستور حداثي لتونس بعد صراع مدني مرير وتقديم شهداء من أغلى ما أنجبت تونس، وفشل في الحكم على جميع الأصعدة. فبعد أن سارع الباجي قايد السبسي الوزير الأوّل قبل الانتخابات بتقديم استقالة حكومته، التقفت حركة النهضة الفرصة، باعتبارها صاحبة الأغلبية النيابية، وعملت على عجل على رسم تصور للحكم في تونس جعلته مقسما إلى ثلاث مؤسّسات؛ رئاسة الحكومة ورئاسة المجلس التأسيسي، ورئاسة الجمهوريّة. هذا التصور شرّع لوجود نظام الترويكا.

كانت فكرة الترويكا جيدة في عمقها، لأنّها تقوم على أساس التشارك في الحكم. ولكنّ التنفيذ كان خاطئا إذ لم تقم الترويكا على التشارك الفعلي ولم توضع أسس ومبادئ لاختيار الوزراء والمسؤولين كالكفاءة والجدارة والخبرة والوطنيّة. وإنّما بنيت على المحاصصة والقسمة والترضية. وعرف حكم تونس أسوأ تجربة في تاريخه حيث شاهد التونسيّون وزراء لأحزابهم ومللهم فقط لا لكلّ التونسيّين. وتعرّضت مؤسّسات الحكم لعمليّات تخريب من خلال الانتدابات في المناصب العليا القائمة على الولاء.

وسنّ التأسيسي ذو الأغلبيّة النهضويّة قانونا مؤقّتا للسلط العموميّة جعل الحكم الفعلي في يد رئيس الحكومة، وجرد رئيس الجمهورية مما يجعله رئيسا. ومنحت رئاسة المجلس التأسيسي لحزب التكتّل من أجل العمل والحريّات، ورئاسة الجمهوريّة لحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة. واستلمت حركة النهضة رئاسة الحكومة وهي مؤسسة الحكم الفعلية مدعومة بأغلبيّة نيابية. واستلمت الترويكا حكم الدولة التونسيّة ببرامج انتخابيّة شعبويّة لا يمكن أن تكون إلا برامج لفترة حكم طويلة، لا في انتخابات تأسيسيّة لمدّة سنة واحدة.

بعد تشكّل الترويكا ومباشرتها الحكم، بدأ التونسيّون يقفون على عمليّات التخريب الممنهجة لدولتهم تحت سيف الشرعيّة الذي كانت ترفعه الترويكا وخاصّة حركة النهضة في وجههم. فلقد فهمت النهضة الشرعية الانتخابية فهما مخصوصا بمعنى قريب من الملكية الخاصة وملك اليمين لا بمعنى المسؤوليّة والتكليف والواجب. فلم تبدُ على الترويكا رغبة في خدمة تونس وشعبها. ولم يكن لمسؤوليها وعي رجال الدولة. وإنّما افتتحوا حكمهم بخطاب إعلامي روّجوه وساعدتهم فيه الدمغجة الدينيّة في المساجد، حيث قسّموا التونسيّين إلى مسلمين وجبت خدمتهم، وعلمانيّين تجوز محاربتهم.

هذا المشروع التقسيمي استعان بميليشيات رابطات العنف التي منها انبثق الإرهاب لاحقا وتوطّن في أرض تونس الحداثة والمدنية والسلم الاجتماعية. وبدأت علامات خطيرة على مخطط التقسيم المجتمعي تظهر كانتصاب الخيام الدعوية في الشوارع والساحات، وانبعاث سيل من رياض الأطفال القرآنيّة خارج الأطر القانونيّة، وفرض التعويض المادي المجحف للإسلاميّين على حساب مطالب التشغيل والتنمية، وإغراق تونس بالدعاة القادمين من وراء الحدود، وإطلاق أيدي الميليشيات العنفيّة في التونسيّين وافتتاح عهد الاغتيال السياسي.

هذا الواقع الذي فاجأ التونسيين ووضعهم أمام قدر لم ينتظروه، أخاف النخب السياسيّة والفكريّة والحقوقيّة والمدنيّة. فتحرّكت في الساحات والشوارع ونشأت في تونس قوة صد مدنية عاتية على خلفيّة اغتيال الشهيد الحاج محمد براهمي القيادي في الجبهة الشعبيّة يوم 25 يوليو 2013. وتمكّنت قوّة الصدّ هذه من إفشال مشروع التقسيم المجتمعي الذي كان من أهمّ أهدافه إعداد الأرضيّة الملائمة لمشروع أكبر هو التمكين الإخواني. وكانت مقاومة الشعب التونسي أكبر من أحلام الإخوان النهضويّين المطعمة بطموحات شخصية غافلة لحزبي التكتل والمؤتمر. لقد كان الحزبان حطب الإخوان لتحطيم مدنيّة تونس وحداثتها.

وسكنت الخيبة التونسيين واستفاقوا على حجم الخطأ الذي ارتكبوه حين منحوا أصواتهم لأطراف لم تشارك في الثورة ولم تحمل شعاراتها. وعرفوا أنّ شعار “الإسلام في خطر” الذي ربح به الإسلاميون الأغلبيّة النيابيّة كان شعارا مغالطا، وأنّ المال السياسي الذي اشتروا به أصوات الناخبين من عامة الناس كان فاسدا. فالإسلام في تونس كان دائما بخير. والشعب التونسي لم يكن في حاجة إلى إسلاميين ذوي مشروع حكم تابع. وإنّما كانوا في حاجة إلى أبناء الثورة ليحكموا ويحققوا العدالة الاجتماعيّة والتنمية والأمن والاستقرار والرفاه.

بعد شهر تقام في تونس الانتخابات البرلمانية والجولة الأولى من الرئاسية بعد شهرين. هاتان المناسبتان ستحددان كيف ستحكم تونس. والشعب التونسي اكتسب من الوعي ما يكفي ليحسن الاختيار. وهو يعلم أنّ صوته أمانة لن يمنحها إلا لمن يحافظ على تونس وعلى مستقبل شعبها. انتخابات 2011 كانت خيبة ولا يجب أن تتكرر.


كاتب وباحث سياسي من تونس

9