الانتخاب والترشح حقان ضمنتهما المرأة البحرينية منذ عقود

الأحد 2014/11/30
المرأة البحرينية تعد الاستثناء الخليجي من حيث التمكين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي

لم تتردد المرأة البحرينية في المشاركة بكثافة في الانتخابات التشريعية والبلدية في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2014 إيمانا منها بأن هذه المشاركة تترجم قيامها بواجبها تجاه الوطن من جهة أولى وتجاه نفسها ومستقبلها ومستقبل أبنائها من جهة ثانية. وكذلك تعبيرا عن تمسّكها بممارسة حقها الدستوري في الانتخاب واختيار قيادات البلاد المستقبلية، والقيام بدور فاعل في الحياة السياسية من خلال الترشح للانتخاب ومنافسة الرجال على المقاعد البرلمانية والبلدية. فمشاركة المرأة البحرينية بكثافة في الانتخابات البرلمانية سواء بالترشح أو بالانتخاب غيّر الانتظارات والمعطيات في الساحة السياسية البحرينية.

عقب الانتخابات البرلمانية والبلدية البحرينية انبهر المراقبون والمحللون في الداخل والخارج من نجاحها وارتفاع نسب المشاركة خاصة في صفوف الشباب والنساء وهو ما قلب القراءات والتوقعات المسبقة القائلة بتقلص عدد الناخبين أو مقاطعة الانتخابات الأمر الذي روّجت له المعارضة في المملكة خاصة بعد الاضطرابات والمظاهرات التي شهدها الشارع البحريني في الآونة الأخيرة.

نسب المشاركة في الانتخاب تجاوزت الخمسين بالمئة حسب الجهات المختصة، ومثّلت المرأة المشارك الأبرز ذلك أن البحرينيات من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية سجلن حضورا مميزا في مكاتب الاقتراع وقدمن صورة نموذجية للمشاركة النسائية في الحياة السياسية في منطقة الخليج والعالم العربي. هذه الصورة تناقلتها وسائل الاعلام عبر العالم لتكون خير دليل على تحمل المرأة في البحرين لمسؤوليتها وواجبها الوطني على أحسن وجه ولتقدم المثال والقدوة للنساء العربيات والخليجيات ولأجيال المستقبل من الفتيات وتحفزهن على المشاركة في اختيار الشخصيات السياسية التي تمثلهن خير تمثيل وتؤمّن لهن شيئا من آمالهن في المستقبل السياسي للوطن.

الحضور المتميز في الاستحقاق الانتخابي بالنسبة إلى المرأة لم يكن فقط كناخب خاصة وأن نسبة النساء تشكل ما يقارب نصف عدد سكان المملكة، بل أيضا كمرشحة حيث تقدمت 17 امرأة للترشح للانتخابات البرلمانية والبلدية وهو ما يثبت أن للمرأة البحرينية حضورها الفاعل في ساحات العمل السياسي والمدني. دور كبير ومتدرج كسبته البحرينيات منذ حصولهن على الحق في الانتخاب والترشح قبل اثني عشر عاما، ما سهل عليها النزول إلى ميدان العمل المدني والسياسي في الفضاء العام لتتمكن من نقل قضاياها إلى قبة البرلمان.

القضايا التي طرحتها المرشحات في حملاتهن الانتخابية والتي يعتزمن نقلها للنقاش داخل البرلمان الجديد تمحورت حول تمكين المرأة السياسي ونشر الوعي السياسي والمجتمعي بهذه القضية والبحث في التشريعات وفي التوجهات الحكومية التي تشجع المرأة على التقدم في المناصب السياسية دون خشية محيطها الاجتماعي، وأيضا مسألة خفض سن التقاعد بالنسبة إلى المرأة وحصول أبناء المرأة البحرينية المتزوجة من غير البحريني على حقوقهم إلى جانب عدد آخر من القضايا التي تهم التعليم والصحة والتي تهم الأسرة والمجتمع بأكمله مثل توفير السكن وتحسين مستوى العيش.

البحرينيات من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية سجلن حضورا مميزا في مكاتب الاقتراع وقدمن صورة نموذجية للمشاركة النسائية في الحياة السياسية في منطقة الخليج والعالم العربي

قدرة المرأة البحرينية على التعبير عن نفسها والإدلاء بصوتها تطورت تدريجيا خلال العقود الأخيرة؛ ومثلت الانتخابات البلدية عام 2002 عصر المرأة الذهبي التي شاركت فيه 41 امرأة، 33 مرشحة منهن اتجهن للانتخابات البلدية في كل المحافظات، بينما اقتصرت الانتخابات النيابية في العام نفسه على 8 مرشحات، أما في الانتخابات البلدية لعام 2006 وصل عدد المرشحات 26 للمجلسين، ترشحت للمجلس البلدي 5 نساء، و18 للانتخابات النيابية للعام نفسه، وفي عام 2010، شاركت في الانتخابات 12 مرشحة للمجلسين. كما لم تسمح المرأة البحرينية بضياع فرصة الترشح للانتخابات النيابية التكميلية لعام 2011، وشاركت فيها 9 مرشحات، ولم يكن مستغربا أن تركز المرشحات لانتخابات مجلس النواب خلال حملاتهن الانتخابية على العمل من أجل الإسراع في إصدار الشق الثاني من قانون أحكام الأسرة.

المتأمل في هذه الأرقام يلحظ نسقا تصاعديا للمشاركة النسائية كمرشحة، لكن هذا المسار التصاعدي لا يمكن أن يخفي الصعوبات التي تتعرض لها المرشحات حيث لم تكن الطريق أمامهن مفروشة بالورود، بل كثيرا ما تواجه المرشحة الأنثى مشكلة غلبة الطابع الذكوري على المجتمع البحريني- كما هو الحال في معظم الدول العربية- فضلا عن تعرضها للتضييق من جانب منافسيها الرجال، الرافضين لفكرة أن تكون المرأة منافسا سياسيا على قدم المساواة ولا أدل على ذلك من صدور فتاوى مناهضة لترشحها من بعض الجهات الدينية الرجعية، غير أن مراقبي المشهد السياسي البحريني لاحظوا في هذا الخصوص تناقضا من جانب بعض التيارات الدينية في التعامل مع المرأة في العملية الانتخابية، فبينما يرفضون ترشحها بدعاوى مختلفة، يسعون إلى خطب ودها كناخبة.

انتهازية هذا التوجه الذي تتبناه الأطراف التي تنظر للمرأة نظرة دونية جعلت تأثيرها جدّ محدود في المجتمع البحريني وفي الرأي العام ولم تتمكن الأفكار الجاذبة نحو التخلف والرجعية من أن تحول دون مواصلة المرأة لتقدمها في طريق المشاركة في الحياة السياسية والفعل السياسي كناخبة وكمرشحة تتصدر صورها القائمات الانتخابية واللافتات ويتواتر حضورها في وسائل الإعلام وتقوم بحملاتها الانتخابية كما يفعل نظراؤها الرجال.

ويعود هذا الوعي الاجتماعي بأهمية الدور الذي تلعبه المرأة البحرينية في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى ثقته في قدراتها وإمكانياتها وتقييمه الايجابي لما حققته من تميز في شتى المجالات ومشاركتها الناجعة في ميادين العمل العام بكل مستوياته وقطاعاته، نظرا لما تتمتع به من مستوى تعليمي وثقافة ووعي تشكلت كلها منذ وقت مبكر في بدايات القرن الماضي الذي شهد انطلاقة التعليم الأهلي والنظامي، حيث أُنشئت أول مدرسة لتعليم النساء عام 1919، بعد تبرع امرأة بقطعة أرض تمتلكها للغرض.

حققت البحرينيات نجاحات كبيرة طوال السنوات السابقة وحتى اللحظة، ولعل الشاهد على ذلك أن نسبة تمثيل المرأة في السلطة التشريعية وصلت إلى ما يقارب 20 بالمئة

وتمثل المرأة البحرينية الاستثناء بين دول الخليج وهي مختلفة كليا عن واقع النساء الخليجيات فهي تمتلك جانبا هاما من حقوقها وحرياتها ولا يفرض عليها نمط لباس معين مثل النقاب أو الحجاب وهما غير مشاعين بين البحرينيات شابات ونساء، كما تمارس البحرينية حقها في التعلم وتحقق النجاح وتحصل على أرقى الشهادات العلمية، ما يمكنها من دخول سوق الشغل بثقة وبإمكانيات توازي الرجال أو تتفوق عليهم، وتعمل البحرينيات في كل الحقول والمجالات مثل القضاء والبوليس والسياقة والأعمال الحرة وبقية المهن كالطب والهندسة والتعليم وغيرها.

كما تعتبر المرأة البحرينية الاستثناء الخليجي من حيث التمكين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي حيث نلحظ تمثيلية لها (بنسب متفاوتة) في البرلمان والمجالس المحلية والبلدية وكذلك في مجلس الشورى حيث دخلت المرأة لهذا المجلس منذ عام 2002 حينها تم تعيين 6 نساء في عضوية مجلس الشورى في الفصل التشريعي الأول، وارتفع العدد إلى 10 عضوات في الفصلين التشريعيين التاليين.

وواقع الأمر، أن هذا الدور المتزايد والفاعل للمرأة البحرينية يتمظهر في بروز شخصيات نسائية وإشعاعها بنجاح في البحرين وفي بقية الأقطار الخليجية والعربية وأحيانا بلغت درجة العالمية. ونذكر من البحرينيات المتميزات في مجالاتهن وزيرة الإعلام البحريني سميرة رجب التي أنيطت بعهدتها واحدة من أصعب الحقائب الوزارية وهي الإعلام السلطة الرابعة مركز ثقل المعلومة الذي يلعب دور الدفة التي ترشد وتثقف وأحيانا توجه الرأي العام. الوزيرة رجب تميزت بنجاحها في منصبها وبنشاطها وبقدرتها على تحمل مسؤولياتها في المنصب وجرأتها في مواجهة إشكاليات القطاع ومشاكله واستيعابها وقد وفقت في حل عدد من المسائل المعقدة كما أضافت مسحة من التجديد والإجراءات المنفتحة فيما يخص وسائل الاعلام والتواصل.

وتميزت المرأة البحرينية كذلك في مجالات الفنون والأدب وكسبت إشعاعا عربيا بتميز أسلوبها وقدراتها الإبداعية ولعل الأديبة والشاعرة البحرينية حياة السندي خير مثال في هذا الصدد وغيرها من الأقلام الرشيقة والمبدعة مثل الكاتبة فوزية رشيد وهدى كانو مؤسسة مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون والمؤسس والمدير الفني لمهرجان أبوظبي والتي اعتلت عددا من المناصب العليا في الدولة خاصة في مجال الثقافة.

لم تتمكن الأفكار الجاذبة نحو التخلف والرجعية من أن تحول دون مواصلة المرأة لتقدمها في طريق المشاركة في الحياة السياسية والفعل السياسي كناخبة وكمرشحة تتصدر صورها القائمات الانتخابية واللافتات ويتواتر حضورها في وسائل الإعلام وتقوم بحملاتها الانتخابية كما يفعل نظراؤها الرجال

هذا التمكين الذي جعل المرأة البحرينية تصل إلى مستويات عالية من التميز لم يأت بمحض الصدفة ولم يتأت من فراغ بل إنه ثمرة اهتمام الحكومة بها كعنصر فاعل في بناء الدولة واهتمامه بإيفائها حق قدرها في مجتمع يتوجه نحو الانفتاح على تطور مكانة المرأة في المجتمعات المتقدمة. ونالت النساء البحرينيات ضمانات قانونية في التشريعات الكفيلة بضمان حقوقها ولازالت المؤسسات المجتمعية والمدنية النسوية تناضل من أجل ترسيخ هذه الحقوق وتطبيقها على أرض الواقع ومن أجل مزيد من الدعم والتمكين لبلوغ المساواة التامة مع الرجل وتقاسم فرص العمل والنجاح معه.

وبالإضافة إلى ما منحه الميثاق الوطني والدستور بتعديلاته المختلفة للمرأة من حقوق تأسست عديد المنظمات المدنية التي تدعمها في كل المجالات مثل المجلس الأعلى للمرأة الذي أنشئ عام 2001 ليكون المؤسسة التي ترعى المرأة وتعمل على النهوض بها في جميع المجالات، والتي تبذل جهد متواصلا في وضع استراتيجية متكاملة لتمكين المرأة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهي الاستراتيجية التي تنفذ على مراحل مدروسة، وقد حققت البحرينيات نجاحات كبيرة طوال السنوات السابقة وحتى اللحظة، ولعل الشاهد على ذلك أن نسبة تمثيل المرأة في السلطة التشريعية وصلت إلى ما يقارب 20 بالمئة، والحد تدريجيا من المعوقات الاجتماعية التي تحول دون مشاركة المرأة مما أدى إلى تغير كبير في نظرة المجتمع إلى المشاركة السياسية والاجتماعية للمرأة.

هذا الدور الذي يلعبه المجلس الأعلى للمرأة وجد الدعم من قبل عدد من الجمعيات والمنظمات النسائية التي تسهر على العمل بالتعاون معه في تنفيذ البرامج لصالح التنمية النسائية بما أنها تتقاسم معه ذات الأهداف ومن بين هذه الجمعيات جمعية “نهضة الفتاة البحرينية” التي تأسست منذ 1955، و”جمعية البحرين النسائية” و”الاتحاد النسائي البحريني” و”جمعية المرأة البحرينية” التي تعمل في مجال التمكين السياسي من خلال سعيها لترسيخ مبدأ “الكوتا النسائية” إيمانا منها بأنه مطلب ضروري لوصول المرأة لمواقع صنع القرار، رافعة شعار “الكوتا ضروري” للتذكير بأهمية إيصال المرأة إلى مراكز اتخاذ القرار سواء في الانتخابات النيابية أو البلدية وحتى في الوظائف الحكومية أو القطاع الخاص وإيصال رسالة واضحة إلى المسؤولين والمجتمع مفادها أن الكوتا مطلب هام وتدبير تتطلّبه المرحلة الراهنة والالتزام بالاتفاقيات الدولية التي وقعتها المملكة لتمكين المرأة والنهوض بها.

المرأة البحرينية جزء لا يتجزأ من المجتمع والتاريخ البحريني السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي سجل الكثير من المسيرات النسائية المشرفة والعديد من الشخصيات النسائية المميزة والناجحة وهو ما يجعل المجتمع المدني والسياسات العامة تتوجه نحو مزيد من تمكين المرأة وتوسيع مساحة مشاركتها في جميع القطاعات. وهذا ما سيبرز ويدعم الدور القيادي للمرأة كمواطنة فاعلة صاحبة رؤية وتفكير ولديها القدرة على تحقيق المكاسب لوطنها، وذلك من خلال العمل الدائم والجدي على تكوين وعي مجتمعي وعقلية تؤمن بكفاءة المرأة وقدرتها وبأنها ليست رقما انتخابيا يضاف في الحسابات السياسية الضيقة بل إنها جزء فاعل من مكونات المجتمع له الحق في مواطنة كاملة ودون شروط وهي تمثل إضافة نوعية لمجتمعها ومصدر ثراء له في كل مجالات التنمية الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية.

20