الانتصار على حمص والخيار البديل

الأربعاء 2014/05/14

كان شعار النظام السوري في الماضي يقول بالانتصار على لبنان بديلا من الانتصار على إسرائيل. تطوّر النظام مع الوقت، خصوصا مع إصرار بشّار الأسد على ولاية ثالثة. صار الآن يعتبر الانتصار على حمص وعلى كلّ مدينة وقرية سورية هدفا بحدّ ذاته، والبديل عن الانتصار على لبنان الذي لم يتحقّقْ ولن يتحقّقَ يوما.

مثل هذا النوع من الانتصارات، على طريقة الانتصار على حمص، ليس سوى تأكيد آخر لوصول النظام إلى الطريق المسدود الذي طالما عمل من أجل تأجيل الوصول إليه. كيف يمكن لنظام، لم يعد لديه من ينتصر عليه غير شعبه، الاعتقاد أنّه لا يزال من النوع القابل للحياة، وأنّه قادر على حكم كلّ سوريا في المستقبل؟

استهلك هذا النظام كلّ أوراقه. لم تعد لديه سوى ورقة الانتصار على الشعب السوري كي يثبت أنّه لا يزال موجودا. كلّ تاريخ النظام هو هروب مستمرّ إلى الأمام، خصوصا إلى خارج البلد تفاديا لمواجهة الحقيقة التي صارت واقعا ماثلا أمامه منذ اندلاع الثورة الشعبية قبل ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.

صمدت حمص سنتين ونصف سنة بالتمام والكمال بفضـل رجالهـا ولا شيء آخر غير رجالها. دخلها النظام أخيرا بعدما دمّر الجزء الأكبر منهـا. حسنا، اليوم حمص. أي مدينة سيدمّر غـدا؟ ما أفق مثل هذا النوع من الانتصارات الوهمية التي تدلّ على أن النظام لن يرحل قبل تنفيذ المهمّة المطلوبة منه أصلا؟ تتمثّل هذه المهمّة في تفتيت سوريا من منطلق طائفـي ومـذهبي، بعـد محاولة تفتيت لبنان والقضاء عليه وعلى مقوماته، خصوصا العيش المشترك فيه.

ما ترمز إليه حمص يتجاوز مدينة مهمّة ذات موقع استراتيجي قريبة من طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني. تربط حمص بين كلّ المدن السورية. تربط خصوصا بين الداخل السوري من جهة، والساحل الذي فيه القسم الأكبر من العلويين، مع الجبال المطلة عليه، من جهة أخرى.

بسبب الموقع الاستراتيجي المهمّ لحمص، كان التركيز دائما عليها. الواقع أن عملية السيطرة على حمص لم تبدأ البارحة. كانت هناك محاولات مستمرّة منذ سنوات طويلة لإخضاع المدينة التي هي في الأصل سنّية- مسيحية، مع جيب علوي صغير يشمل بضعة أحياء فيها. شملت هذه المحاولات زيادة عدد العلويين في المدينة، إضافة إلى استحواذ أهل النظام على مساحات شاسعة من الأراضي عند مدخل دمشق المؤدي إلى حمص. هل صدفة ما نشهده الآن وما شهدناه في السنوات الثلاث الماضية من تهجير منظّم لأهل حمص شمالا، ومن ربط بين حصار النظام لحمص وما تتعرض له قريتان شيعيتان هما “نبل” و”الزهراء” في منطقة ذات أكثرية سنّية؟

من يتحمّل مسؤولية الظلم الذي لحق بأهل القريتين غير النظام الذي يمارس منذ فترة طويلة عملية تطهير عرقي مبرمجة في مناطق محدّدة بينها حمص؟

كان تطويق حمص دائما جزءا لا يتجزّأ من استراتيجية النظام التي تصبّ في الإعداد للخيار البديل. هذا الخيار يعني وجود جيب علوي يمكن الدفاع عنه في حال اندلاع ثورة شعبية أدّت إلى خروج آل الأسد من دمشق لسبب أو لآخر.. أو حتّى لو استطاعوا البقاء فيها، لكنّهم فقدوا السيطرة على كلّ سوريا.

يشكّل الانقضاض على حمص ذروة الفشل لنظام طالما حاول تفادي التعاطي بشكل جدّي مع الداخل السوري. لعب هذا النظام دائما ورقة القمع في الداخل. حاول في كلّ يوم تغطية هذا القمع عن طريق رفع شعارات فضفاضة من نوع “المقاومة” و”الممانعة”. كانت ورقة إثارة القلاقل في لبنان واحتلاله والعمل على تدميره أهمّ الأوراق التي لعبها النظام السوري منذ ما قبل استحواذ حافظ الأسد على السلطة كلّها واحتكاره لها.

في حمص انتهت لعبة حلف الأقلّيات التي سعى النظام إلى ممارستها، بالخفاء، انطلاقا من لبنان. قامت تلك اللعبة، التي باتت مكشوفة، على عناصر ثلاثة.

يتمثّل العنصر الأوّل في التحالف مع إيران، التي تمتلك “حزب الله” في لبنان من جهة، وفي حصر التمثيل الشيعي في البلد بالحزب الإيراني وحركة “أمل” المدجّنة سوريا وإيرانيا من جهة أخرى.

أما العنصر الثاني فكان ضرب القيادات السنّية، بدليل ما حلّ بالرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وقبله بكلّ زعيم سنّي حاول أن يرفع رأسه، وصارت له حيثية وطنية تتجاوز طائفته. كان القتل أو التهجير مصير كلّ زعيم سنّي لبناني له شأنه تحوّل بالفعل إلى زعيم وطني قادر على الجمع بين اللبنانيين.

أما العنصر الثالث فكان يقوم على إضعاف المسيحيين كي يصبحوا تابعين للعلوي السوري. أستُخدم السلاح الفلسطيني في البداية من أجل تحقيق هذا الهدف. وقد ترافقت عملية إثارة الصدامات بين المسيحيين والفلسطينيين مع محاولات لإيجاد انقسامات بين أبناء الطائفة المسيحية نفسها.

كان المطلوب دائما أن يكون المسيحيون في مواجهة مع المسلمين وحتى مع الدروز منهم، كي يدّعي النظام السوري أنه يتولى حمايتهم، على غرار حمايته للأقلّيات في الداخل السوري. كان المطلوب دائما، في حال غياب صدامات مفتعلة بين المسلمين والمسيحيين، إيجاد حروب بين المسيحيين أنفسهم.

تبدو سيطرة النظام على القسم الأكبر من حمص تحوّلا أساسيا على الصعيد السوري. هذه السيطرة تمّت بفضل الدعم الإيراني والروسي. هذا الأمر لم يعد سرّا. هذه السيطرة تعني، أوّل ما تعني، أن البحث بدأ جدّيا في كيفية إقامة جيب علوي تمهيدا لإعلان الدولة العلوية أو ما يشبه ذلك. إنّها تعني أيضا أن خيارات النظام باتت محدودة، خصوصا بعدما قرّر بشّار الأسد البقاء في السلطة وحدّد موعدا للانتخابات الرئاسية في الثالث من يونيو المقبل واختار من سينافسه، شكلا، في الانتخابات المعروفة نتيجتها سلفاً.

الأهمّ من ذلك كلّه، أن روسيا وإيران اختارتا أيضا إقامة دولة علويّة في سوريا، ونشر الفوضى في كلّ المناطق الأخرى، خصوصا في الشمال السوري. من قال أنّ إدارة باراك أوباما ومعها إسرائيل ضدّ هذا الخيار الذي لا يزال يواجه مشكلة الوجود السنّي الكثيف على طول الساحل السوري؟

لا يمكن الاستخفاف بهذه المشكلة بأيّ شكل، على الرغم من المحاولات التي بذلها النظام في السنوات الأربعين الأخيرة من أجل تغيير التركيبة السكانية في المدن الساحلية الكبيرة، في مقدّمها اللاذقية وطرطوس وبانياس.


إعلامي لبناني

8