الانتصار للهندوس يغذّي الاستقطاب الديني في الهند

السلطات تتصدى لتوترات محتملة بعد قرار محكمة بأحقية الهندوس في موقع ديني محل نزاع مرير مع المسلمين.
الاثنين 2019/11/11
مدّ قومي متصاعد

يشكل التعدد الديني والإثني في الهند إحدى أبرز السمات المكونة للبلاد، لكنها مهددة باندلاع شرور التعصب المقيت بين أصحاب العقائد المختلفة. ومع صعود مد قومي متنام في البلاد، في السنوات الأخيرة، أبدت العديد من الأوساط خشيتها من إمكانية قيام صراع ديني في البلاد بين الهندوس والمسلمين بعدما قضت محكمة هندية بمنح ملكية أرض محل نزاع للهندوس، في حكم من شأنه أن يثير غضب المسلمين الذين يطالبون بالموقع الذي سبب يوما بعضا من أعنف أحداث الشغب في تاريخ الهند الحديث.

نيودلهي – أثار قرار المحكمة العليا في الهند، السبت الماضي، بأحقية الهندوس في موقع ديني محل نزاع مرير مع المسلمين، المخاوف من إمكانية إشعال حرب دينية بين اتباع الديانتين في البلاد، في ظل التوترات الدينية المتصاعدة في السنوات الأخيرة إثر تولي حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الحكم في البلاد منذ 2014.

وتشهد الهند بروز نزعة قومية متصاعدة تهدد التعايش والوحدة بين مختلف مكوناتها، وتزيد من تأجيج مشاعر العداء بينها، في تنكر صريح لمبادئ التسامح التي كرسها المهاتما غاندي. وجعل بموجبها الهند نموذجا للتعايش بين القوميات والديانات واللغات المختلفة.

ويمهد البت في النزاع القضائي بين جماعة هندوسية وأخرى مسلمة الطريق أمام إنشاء معبد هندوسي بالمكان الواقع في مدينة أيوديا بشمال البلاد، وهو اقتراح طالما أيده الحزب الهندوسي الحاكم الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء ناريندرا مودي.

ويدعي كل طرف ملكية الأرض التي يقول المسلمون إنها كانت موقع مسجد بابري الذي هدمه متطرفون هندوس، ويحاجج الهندوس بأنها موقع مقدس لديهم قبل الإسلام.

وتمثل الهندوسية ديانة الأغلبية في الهند، أما الإسلام فيمثل ثاني أكبر ديانة فيها، وتعود بداية ظهورها هناك إلى القرن السابع الميلادي، وانتشرت بشكل كبير بعد دخول جيوش المسلمين إلى شمال الهند في القرن الثالث عشر الميلادي.

الهند تشهد في السنوات الأخيرة بروز نزعة قومية متصاعدة تهدد التعايش والوحدة بين مختلف مكوناتها، تزيد من تأجيج مشاعر العداء بينها
 

وقد تسبب النزاع المستمر بشأن الموقع في سقوط المئات من الضحايا في الصدامات والشجارات التي نجمت عنه.

ويعتقد الكثير من الهندوس أن الموقع هو مسقط رأس أحد أكثر الآلهة تبجيلا لديهم، “الإله راما”، بينما يقول المسلمون إنهم ظلوا على مر الأجيال يؤدون طقوس العبادة وصلواتهم في المسجد الذي كان مبنيا في الموقع منذ المئات من السنين.

وكان مسجد بابري، الذي يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر، هدم على أيدي حشود من المتشددين الهندوس في عام 1992، ما أثار أعمال شغب أسفرت عن مقتل ما يقرب من ألفي شخص.

يرجح العديد من الهندوس أن مسجد بابري شُيد على أنقاض معبد هندوسي في هضبة راماكو المقدسة لديهم، هدمه “الغزاة المسلمون” في القرن السادس عشر.

ويقول المسلمون إن الموقع هو مسجد بني في زمن الإمبراطور المغولي المسلم الذي حكم الهند، ظهيرالدين محمد بابر، الذي أمر ببنائه في القرن الـ16. إلا أن الهندوس يزعمون أن ظهيرالدين بابر هدم معبدهم في القرن الـ16 وبنى مسجده فوقه.

حملة اعتقالات استهدفت عشرات الأشخاص
حملة اعتقالات استهدفت عشرات الأشخاص 

ويرى المسلمون أن هذا صراع حديث على المسجد الذي ظلوا يصلون فيه لقرون، نشأ في عام 1949 عندما تسلل بعض الهندوس وقاموا بوضع تمثال “الإله راما” في المسجد وبدأوا في أداء طقوس عبادتهم له.

وكانت مجموعة من الهندوس هاجمت المسجد في ديسمبر 1949، وازدادت حدة التوتر بينهم وبين المسلمين في أعقاب ذلك، ما أدى إلى قيام الشرطة بوضع الموقع تحت الحراسة وإغلاقه لحين حل النزاع بين الطرفين.

وانتقد ممثلون للجماعة المسلمة في القضية القرار ووصفوه بأنه جائر ومن المرجح أن يطعنوا فيه.

وبعد إعلان قرار المحكمة أطلق الهندوس، الذين طالما سعوا جاهدين لبناء معبد على أنقاض المسجد، ألعابا نارية في أيوديا ابتهاجا.

وقالت الشرطة الهندية، التي انتشرت في أيوديا ومواقع أخرى ذات حساسية خاصة بالهند، إنها اعتقلت عشرات الأشخاص للاشتباه في نشرهم مواد تحريضية على مواقع التواصل الاجتماعي وإطلاق الألعاب النارية احتفالا بقرار المحكمة العليا بأحقية الهندوس في موقع ديني متنازع عليه.

الهند نموذجا للتعايش بين القوميات والديانات
الهند نموذجا للتعايش بين القوميات والديانات

وقالت الشرطة إن 37 شخصا اعتقلوا في أوتار براديش أكبر الولايات الهندية من حيث عدد السكان وموقع المزار المتنازع عليه.

واعتقل شخص واحد على الأقل في لوكناو عاصمة الولاية لإدلائه “بتعليقات غير مناسبة”، على مواقع التواصل الاجتماعي واستخدام لهجة تهديد.وناشد مودي المواطنين الحفاظ على السلام. وقال، “يجب ألا ينظر أحد إلى الحكم باعتباره نصرا أو هزيمة لأي طرف… فلنبتهل أن يعم السلام والتآلف”. غير أنه من المرجح النظر إلى الحكم باعتباره نصرا لحزب بهاراتيا جاناتا وداعميه.

وهو يجيء بعد أشهر من تجريد حكومة مودي منطقة جامو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة من وضعها الخاص، محققة وعدا انتخابيا آخر قطعته لقاعدة تأييدها الهندوسية في
معظمها.

وقال نيلانجان سيركار، الأستاذ المساعد بجامعة أشوكا بالقرب من نيودلهي، إن الحكم سيفيد حزب بهاراتيا جاناتا الذي أعيد انتخابه في مايو الماضي، لكن من شأن تباطؤ الاقتصاد أن يؤثر في النهاية على أصوات الناخبين.

وأضاف، “على المدى القصير، سيعطي ذلك دفعة لحزب بهاراتيا جاناتا، مثل هذه الأمور لا تدوم، معبد رام لن يضع طعاما على الموائد”.

معتقدات قديمة قد تفسد التعايش
معتقدات قديمة قد تفسد التعايش

ويعتقد الهندوس أن الموقع هو مهد اللورد رام الذي تجسد فيه الإله الهندوسي فيشنو، ويقولون إنه مكان مقدس لدى طائفتهم منذ فترة أبعد بكثير من بناء المغول المسلمين لمسجد بابري هناك عام 1528.

أصدرت هيئة المحكمة المؤلفة من خمسة قضاة يرأسهم رانجان جوجوي، حكما بالإجماع بتسليم قطعة الأرض التي تقع على 2.77 فدان إلى الجماعة الهندوسية. وأوصت المحكمة أيضا بإعطاء قطعة أرض أخرى مساحتها خمسة أفدنة في مدينة أيوديا الهندية للجماعة المسلمة التي كانت طرفا في القضية، لكن هذا لم يكن كافيا لتهدئة البعض.

واعتبر أسدالدين أويسي، وهو سياسي مسلم بارز من المعارضة، للصحافيين، “البلد يتجه الآن لأن يصبح أمة هندوسية”.

أما حزب مودي فقد أشاد بالحكم ووصفه بأنه “علامة فارقة”.

وقال وزير الداخلية، أميت شاه، الذي يرأس بهاراتيا جاناتا في منشور على تويتر، “أرحب بقرار المحكمة وأناشد كل الجماعات الدينية قبول القرار”.

وتوعدت الجماعة السنية التي كانت طرفا في القضية بأنها ستقدم طعنا على الأرجح، وهو ما قد يفتح الباب لمعركة قضائية طويلة أخرى.

نزعة قومية تهدد الوحدة بين السكان
نزعة قومية تهدد الوحدة بين السكان

وذهب ظفرياب جيلاني، محامي الجماعة، إلى القول “هذا ليس عدلا”. ودعت منظمات إسلامية إلى التحلي بالهدوء.

كانت منظمة راشتريا سوايامسيفاك سانغ، التي انبثق منها حزب مودي، قد قررت منع أي مظاهر احتفالية إن جاء الحكم لصالح الهندوس، تجنبا لإثارة أي عنف بين الغالبية الهندوسية والمسلمين الذين يشكلون 14 بالمئة من سكان الهند البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة.

وفُرضت قيود على التجمعات في بعض المناطق وتراقب الشرطة وسائل التواصل الاجتماعي للحد من تداول الشائعات.

وخلت شوارع أيوديا إلى حد كبير، وجابت قوات الأمن الطريق الرئيسي المؤدي إلى لوكناو، عاصمة ولاية أوتار براديش الشمالية.

والتف سكان أيوديا حول أجهزة التلفزيون وهواتفهم المحمولة لمتابعة أي أخبار عن الحكم الذي أشاع البهجة في نفوس الهندوس لدى إعلانه.

ووسط هتافات تمجد الإله رام قال بائع متجول على الطريق، “الكل يجب أن يجتمع على كلمة واحدة لضمان بدء أعمال البناء في الموقع دون أي تأخير”.

13