الانتظار ظاهرة مسرحية تحكي صراع الإنسان مع الزمن

أشكال الانتظار تختلف باختلاف القضايا المطروحة داخل النص المسرحي حيث تتخذ أبعادا مختلفة تحدد أيديولوجية الكاتب وموقفه تجاه القضايا المجتمعية.
الأربعاء 2020/07/01
الانتظار.. مشغل إنساني حياتي تجسد إبداعا على خشبة المسرح

لعل مسرحية “في انتظار غودو” لصموئيل بيكيت من أشهر النصوص التي اشتغل فيها صاحبها على مفهوم الانتظار بعمق كبير في لوحة وجودية وعبثية متقنة، لكنّ ثيمة الانتظار لها أبعاد أخرى أقدم من بيكيت، ففي المسرح المصري مثلا اشتغل الكثير من الكتّاب على هذه الثيمة وأبدعوا فيها نصوصا مؤثرة على مدى تاريخ المسرح المصري خاصة والعربي عامة.

تبقى ظاهرة الانتظار واحدة من تلك الملامح والمظاهر الخاصة التي شكلت أنموذجا بين مظاهر الأجناس الأدبية جميعها، ظاهرة ماثلة من خلال تلك الفنيات التي يقدمها المسرح والمظاهر الإنسانية التي وقف عليها عبر تاريخه الممتد مع امتداد العصور المتعاقبة حتى العصر الحديث.

هذه الظاهرة هي محور الدراسة المتميزة، “ظاهرة الانتظار في المسرح النثري في مصر حتى عام 1973”، للناقد محمد عبدالله حسين الذي أكد على أن تلك الظاهرة وإن ارتبطت بالدراما المسرحية في طورها الأول منذ يعقوب صنوع وبداياته المسرحية، إلا أننا ما زلنا بحاجة إلى الوقوف عندها ودراستها وإعادة تحليلها مرات ومرات بماهيتها وطبيعتها وتأثيرها، سواء تأثيرها على الفن المسرحي ذاته، أو تأثيرها على المنتج الخاص، الذي يعدّ البوتقة الحقيقية التي انصهرت داخلها كل تلك الفنيات، لتخرج للمتلقى في لوحة فنية مسرحية إنسانية مميزة.

ظاهرة الانتظار

 الانتظار ثيمة اشتغل عليها المسرح
 الانتظار ثيمة اشتغل عليها المسرح

يرى الناقد أن أبسط تعريف للانتظار هو “أن ينتظر الإنسان أمرا ما يتمنى حدوثه في المستقبل القريب أو البعيد، هذا الأمر قد يحدث حسب الظروف المحيطة وحسبما يستجد من أحداث في المستقبل، والانتظار بهذه الصورة يعد سمة مشتركة بين جميع البشر، ولكن تتفاوت درجة إيمان كل مجتمع بشري به حسب المكونات الفكرية لعقل ووجدان كل فرد من أفراد هذا المجتمع، ومن ثم تكتسب ظاهرة الانتظار درجة من الخصوصية تجعلها تختلف من مجتمع إلى آخر شكلا ومضمونا، فمثلا يختلف الانتظار الغربي عن الانتظار العربي، والانتظار المصري يكتسب من خصوصياته تميزه عن الانتظار العربي، وهكذا. ولما كان الأدباء والمفكرون بالدرجة الأولى أفرادا ينتمون إلى هذا المجتمع أو ذلك، فإن الانتظار قد انعكس في إبداعاتهم وأفكارهم أيضا بدرجات متفاوتة بنفس القدر من الخصوصية”.

ويقول محمد عبدالله في مقدمته للطبعة الثانية من الدراسة الصادرة عن الهيئة المصرية “في عصر ما بعد الحداثة عصر تعدد الأجناس وتداخلها في ما بينها من ناحية وبينها وغيرها من الفنون من ناحية أخرى، يبقى المسرح بثوبه البهي ومضمونه الخاص ودلالاته العميقة، يظل أبا لكل الفنون، وحديقة وارفة بظلالها المتجانسة المعبرة عن تلك الشخوص الإنسانية بكل جوانبها المتباينة ورؤاها المتعددة وقضاياها المختلفة. يحاول كتّابه أن ينقشوا لنا نقشا خاصا في جدار الزمن ويسطروا لنا تاريخا من الإبداع المتجدد، ليبقى كل ذلك محفورا في ذاكرة القارئ والمشاهد والمستمع، ويصبح منتجا تاريخيا وتأريخيا قبل أن يكون منتجا أدبيا له خصائصه وتقنياته التي تختلف عبر العصور المتتابعة”.

وقدمت الدراسة التي تجاوز عدد صفحاتها 700 صفحة تحليلا لظاهرة الانتظار في المسرح النثري انطلاقا من مسرح يعقوب صنوع من خلال أعماله “الضرتين، بورصة مصر، الأميرة الإسكندرانية، أبوريضة، كعب الخير”، ومسرحيات “دخول الحمام مش زي خروجه” لإبراهيم أفندي رمزي، و”الهاوية” لمحمد تيمور، و”السلسلة والغفران” و”مسمار جحا” و”الفلاح الفصيح” لعلي أحمد باكثير، و”الصفقة، السلطان الحائر” لتوفيق الحكيم، و”المخبأ رقم 13” لمحمود تيمور وغيرها.

يقف الناقد أمام هذه الأعمال محللا ظاهرة الانتظار، ملقيا الضوء على أوجه خصوصياتها في فكر كتاب الدراما المصريين وتنوع أشكالها، ومدى تأثيرها في المضمون والشكل لصورة لافتة للنظر جعلتها تختلف عن ظاهرة الانتظار في المسرح الغربي، بقدر اختلاف الفكر بين حضارة الشرق بتراثها الروحي العريق وحضارة الغرب بماديتها وفراغها الروحي.

في عصر ما بعد الحداثة عصر تعدد الأجناس وتداخلها يبقى المسرح بمضمونه ودلالاته العميقة أبا لكل الفنون

ويلفت محمد عبدالله إلى أن رصد الظاهرة أسفر عن أن أشكال الانتظار تختلف باختلاف القضايا المطروحة داخل النص المسرحي، مع ملاحظة تطور الظاهرة داخل النص، واتخاذها أبعادا مختلفة تبعا للتغيرات الاجتماعية وتطور الأحداث السياسية والاقتصادية، والتي بدورها تحدد أيديولوجية الكاتب وموقفه تجاه قضايا مجتمعية على جميع المستويات اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا.

وحدد الناقد ما أسفرت عنه محاولة رصد الظاهرة وتتبع مراحل تطورها وسريانها في رحم الفكر المصري منذ فجر التاريخ في عدد من النقاط، إحداها “أن الظاهرة في الفكر المصري لها خصوصية بحكم الطبيعة الجغرافية من حيث المكان الذي يتوسط العالم، مما جعله يمثل همزة الوصل بين الشرق والغرب، الأمر الذي جعل مصر بوتقة انصهار لعملية التأثير والتأثر، أما من حيث المناخ ومدى تأثيره في طبيعة الإنسان المصري وطريقة تفكيره وسلوكه، فكان ارتباطه بالنيل والفيضان شكلا من أشكال الانتظار، إضافة إلى عملية الزراعة التي تقوم على البذر ثم رعاية هذه البذرة حتى تنمو ثم انتظار الحصاد”.

صراع مع الزمن

مسرحية "في انتظار غودو" لوحة وجودية وعبثية متقنة
مسرحية "في انتظار غودو" لوحة وجودية وعبثية متقنة

من خلال التطبيق على الأعمال الدرامية النثرية المصرية التي سبقت الإشارة إليها، أثبت محمد عبدالله أن الظاهرة يمكن رصدها منذ يعقوب صنوع، وقد كانت عند صنوع غير مكتملة وغير واضحة المعالم، وذلك ربما لأنه كان واقعا تحت تأثير المسرح الأوروبي وخصوصا المسرح الإيطالي والفرنسي. أو ربما النص المسرحي عنده لم يكن قد وصل إلى درجة من النضج يمكن من خلاله رصد الظاهرة وبيان تأثيرها في البناء الفني للنص.

ويضيف محمد عبدالله “في الأعمال التي تناولت القضايا سياسية فإن أشكال الانتظار في بادئ الأمر ـ بحكم المرحلة التي كتبت فيها هذه الأعمال ـ لا تكاد تخرج عن أشكال الانتظار الفردي والجماعي وإن كانت الغلبة للشكل الجماعي مع اختفاء شكل الانتظار الميتافيزيقي، وبدا ذلك واضحا في “إمبراطورية في المزاد” لعلي أحمد باكثير و”اللحظة الحرجة” ليوسف إدريس. اتخذ الانتظار شكلا واحدا بعد نكسة يونيو 1967 مقتصرا على الانتظار الجماعي، وإن بدت بعض ملامح الانتظار الفردي في بعض الأعمال فإنها تبدو منبثقة من الروح الجماعية. كما دار محور الانتظار في معظم الأعمال حول المخلص الذي يأخذ بيد الأمة لعبور هذه النكسة، وتستعيد الثقة في النفس حتى يتمكن الإنسان من تحرير الأرض خارجيا بعد أن يتحرر داخليا من صنوف القهر السياسي المختلفة. والمخلص ليس فردا فحسب بل يمكن أن يكون قيمة أو فكرا، أو شعاع ضوء يضيء الطريق إلى المستقبل. وقد بدا واضحا في “7 سواقي” لسعدالدين وهبة، و”رجل طيب في ثلاث حكايات” لمحمود دياب، و”المخططين” ليوسف إدريس، و”عفاريت مصر الجديدة” لعلي سالم، و”إيزيس حبيبتي” لميخائيل رومان.

وأشار إلى أنه في الأعمال التي اعتمد فيها الكتاّب على التراث بمصادره المختلفة ـ التاريخ والأسطورة والأدب الشعبي ـ والتي تناولوا من خلالها قضايا اجتماعية أو سياسية، بدا الانتظار ـ بجميع أشكاله أيضا ـ واضحا فيها، وذلك بحكم الحادثة التاريخية أو الأسطورة نفسها، على سبيل المثال “الفرعون الموعود” و”الفلاح الفصيح” و”أوزوريس” لعلي أحمد باكثير، و”إيزيس” و”شهرذاد” للحكيم.

الكتاب يحلل ظاهرة الانتظار ملقيا الضوء على أوجه خصوصياتها في فكر كتّاب الدراما المصريين وتنوع أشكالها

ويوضح الناقد أن الانتظار بدا أكثر وضوحا ـ كظاهرة مؤثرة في البناء الفني ـ مع تطور مفهوم الكاتب المسرحي للتراث، الذي بدأ منذ أن كتب توفيق الحكيم “أهل الكهف” حيث لم يكتف الحكيم بالقصة كما وردت في القرآن وكتب التفاسير، بل أضاف إليها شخوصا وأحداثا لتتناسب مع فكرة صراع الإنسان مع الزمن، وبحكم هذا الصراع بدأ الانتظار، ثم بدأ شكل الانتظار الفردي يغلب على أعمال محمود تيمور المعتمدة على التراث مثل “حواء الخالدة”، “صقر قريش”، و”طارق الأندلس”، و”ابن جلا” و”سهاد أو اللحن التائه”، وذلك يرجع إلى اتجاه محمود تيمور في أعماله هذه اتجاها نفسيا، فقد جعل جل اهتمامه لتفسير دوافع الأبطال ـ سواء من التاريخ أو التراث ـ نحو الفعل، وكان نتاجا لتأثره بنظريات فرويد وأدلر ويونج في علم النفس.

ويؤكد أن نظرة الكاتب المسرحي المصري إلى التراث تطورت تطورا واضحا بعد ثورة يوليو 1952 حيث تناول الكتاب القضايا السياسية والاجتماعية الملحة من خلال التخفي وراء التراث هروبا من الرقابة، أو لخلق مؤثرات مسرحية عن طريق إيجاد النظير التاريخي المناسب للنظير الواقعي. وقد تنوعت أشكال الانتظار في هذه الأعمال وإن غلب عليها شكل الانتظار الجماعي واختفى شكل الانتظار الميتافيزيقي، بدا ذلك واضحا في معظم الأعمال المعتمدة على التراث منذ 1952 وحتى عام 1973.

ومن خلال التطبيق على خمسة أعمال مهمة، من بين هذه الأعمال الكثيرة أثبت البحث تنوع أشكال الانتظار في البناء الفني ولاسيما على أشكال الصراع داخل هذه الأعمال وتطورها، وعلى لغة الحوار التي قد تصل أحيانا إلى حد الشاعرية، كما أن الانتظار في هذه الأعمال قد أثر على المتلقي ذاته، وذلك يرجع إلى أن هذه الأعمال تأخذ الطابع الملحمي والأعمال الخمسة هي: “مسمار جحا” لباكثير، “السلطان الحائر” لتوفيق الحكيم، “الفرافير” ليوسف إدريس، “اتفرج يا سلام” لرشاد رشدي، و”سليمان الحلبي” لألفريد فرج.

14