الانتفاضات الشعبية واقع وآفاق

الاثنين 2015/01/12

أطلقت الانتفاضات الشعبية، التي اجتاحت بعض البلدان العربية، ما اصطلح على تسميته بـ”دينامية التغييرمن أسفل”، بعد أن دخلت الشعوب العربية ساحة الفعل السياسي من بوابتها الخاصة، حيث أنّ تلك الثورات لم تكن بدوافع أيديولوجية أو حزبية أو منظمة لها قيادة هرمية أو متمايزة الطبقات، وإنما كانت وطنية شعبية وعفوية الطابع.

اندلعت الثورات وأعلنت القطيعة مع مرحلة “التغيير من فوق”،التي كانت أقرب إلى التجارب البونابرتية التي قادها ثلة من الضباط وتميز حكمها بالوطني الشعبوي، مستلهمة النموذج البيروقراطي الذي كان سائدا في الاتحاد السوفيتي السابق، وتحولت مع طوال حكمها المديد إلى بورجوازية مالية ريعية، اندمجت بالنخب المالية العالمية، التي فرضت عليها تطبيق سياسات الليبرالية الاقتصادية، والتي أدت بدورها إلى تفقير شريحة كبيرة من الفئات الشعبية. وبذلك تكون قد انقلبت على بعض الإصلاحات الإجتماعية ذات الطابع الفوقي المرتبطة بدولة الرفاه.

وفي هذا السياق، لم يرق للمجتمع الدولي وبعض الدول الإقليمية، ذات الطموح التوسعي التي تتنافس على نهب الثروات وتقاسم الأسواق، أن تنتفض الشعوب العربية وتطالب بالعدالة والحرية والديمقراطية، فعمدت إلى دعم قوى انقلابية وجهادية مضادة للثورات ولم تدّخر جهدا كي تحول الصراع إلى صراع طائفي هوياتي كما حصل في سوريا بعد انتقال الثورة إلى الطور العسكري.

عندها، سارعت الولايات المتحدة ورفعت شعار الحرب على الإرهاب واعتبرت الإسلام الجهادي المتطرف خصما لها و ألبست مطامعها الإستعمارية رداء من الأيديولوجية الدينية، حتى تبرر تدخلها العسكري، وبطبيعة الحال سوف يلقى هذا الخطاب، صدى عند من يفترض أنه الخصم الذي سوف ينطلق من مواجهته للامبريالية من المواقع الثقافوية ذاتها، وبذلك يتحول الصراع إلى صراع بين بربريتين؛ بربرية الامبريالية وبربرية القوى الجهادية، التي استطاعت أن تستقطب العدد الكبير من الشباب اليائس والمحبط والمهمش في المجتمعات الأهلية الطرفية بعدما تكون قد استثمرت خطاب المظلومية، بما يخدم أهداف صراعها الذي انتقل إلى سماء الأوهام الثقافوية بدل النضال على أرضية الرهانات الحقيقية ضد منطق الرأسمالية وسياساتها العولمية المعسكرة.

ومن بين الدول التي كان من أحد أهم أهدافها “تطييف” الصراع، هي إيران التي ما انفكت، تستخدم الأيديولوجية الدينية لأغراض الولاء السياسي وأداة للسيطرة والهيمنة الداخلية لأنّها تدرك أنّ نجاح الثورة في سوريا من شأنه أن يفضي إلى هبوب رياح التغيير في إيران سيما و أنّ الداخل الإيراني، يعاني من القمع و التفقير وتكميم الأفواه، وهي عوامل تساعد على حصول التغيير وهو قادم لا محالة.

بالمحصلة، من له مصلحة في تحويل الصراع إلى طائفي هي الطبقات المسيطرة، التي تحكم وتنهب باسم الدين وتدرك أن الحرب الأهلية وإطالة الصراع، سوف يفضي لا محالة إلى تسويات، يكون النظام طرفا فاعلا فيها ويكون بالتالي لكل قوة عظمى ممثلوها في المشهد القادم، يضمنون بقاء مصالحها وتدخلها المستمر من أجل استثماراتها اللاحقة، شأن الحالة اللبنانية، غير أنّ الفرق بين الوضع اللبناني والعربي عموما هو أنّ الأخير يعيش مرحلة مدّ ثوري، يمكن أن يتعثر ويتمرحل وتعترض مساره الحركي الثوري قوى انقلابية مضادة للثورات، بيد أنّ هذه القوى المضادة على المقلب الآخر يمكن أن تعود وتعبّئ الشعوب من جديد وتسرّع بعودة الاحتجاجات الشعبية إلى أن تصل إلى ثوراتها الاجتماعية الكاملة، وبذلك تكون الشعوب قد تجاوزت أهداف الانقلابيين والإصلاحيين معا.

لكن من شروط الموجة الثانية للثورات، أن يتم تبلور قوى تغيير ثورية، منظمة تستفيد من الأخطاء السابقة ومن التعثر الحاصل و تنخرط بين صفوف الفئات الشعبية، حتى لا تساند هذه الأخيرة، أي طرف سواء أكان في السلطة أم في صفوف الثورة المضادة، وعندها، تتملك وعيا طبقيا ثوريا وتتمرد على الثقافة السائدة وتعبرعن ذاتها على نحو مستقل، وفق وعي الواقع ووعي فعلها الهادف إلى التغيير، وتكون بمثابة كتلة تاريخية، قادرة على صياغة فعل سياسي جديد، لأنّ هذه الكتلة وحدها دون سواها، هي المخولة لفك الارتباط و التبعية للخارج وبناء دول ذات سيادة تنجز مهام التحول إلى الديمقراطية وتطلق عجلة بناء الاقتصاد الوطني.

خلاصة القول، إنّ الثورات المضادة لا تعدو كونها، مرحلة طبيعية ضمن سيرورة ثورية ومخاض عسير وشاق، تتصارع فيه قوى تقليدية مع فاعلين جدد يريدون أن يرسخوا مفاهيمهم الحديثة والجديدة، ولايمكن أن يكون هذا الاستعصاء نهاية التاريخ، كما يروج بعض المثقفين ولكن حصيلة هذه الصيرورة، فتح الطريق أمام تصور حديث لزمن مفتوح وغير مقيد.

هذا هو منطق الثورات، سيما وأن كل حركة ثورية لا تسير على خط أو نسق صاعد أو ارتقائي، وإنّما تكون دائرية الزّمن ولا يمكن أن ينتج عن هذه الحركة والصراع والتناقض إلّا التطور والانبعاث من جديد.

7