"الانتفاضات العربية".. عنف يولّد عنفا

السبت 2013/10/19
"الانتفاضات العربية" كتاب يحلل آخر التطورات التي يعيشها العالم العربي

جيريمي بوين، رئيس تحرير قسم الشرق الأوسط في "هيئة الإذاعة البريطانية"، هو من الصحافيين الأجانب، قليلي العدد، الذين زاروا سوريا مرارًا واستمروا في زيارتها في الفترة الأخيرة، كما فعل الأمر نفسه في مصر وليبيا واليمن، وغيرها من الدول العربية، واطلع عن كثب عما يجري مخاطرًا بحياته، في كثير من الأحيان، ولكنه محتفظًا بموضوعيته مما أكسبه احترام سائر الجهات المتنازعة في الساحة العربية، وجَعَلَ ملاحظاته وعروضه وتقييمه للأوضاع أكثر أهمية. وقد أصدر مؤخرا نسخة منقحة ومواكبة للأحداث وآخر التطورات من كتابه "الانتفاضات العربية" ""The Arab Uprisings الصادر عن دار "سيمون وشوستر" في المملكة المتحدة.

لا يسرد بوين، في عرضه الخاص بالأزمة السورية، الأحداث بشكل كامل في فصل أو فصلين متتاليين، أو عن ليبيا أو عن مصر، بل تتقاطع الأحداث والفصول وكأنه يريد أن يشير، في شكل الكتاب وفي فحواه، إلى ترابط القضايا في الدول العربية المختلفة.


كوابيس النظام


يذهب بوين، وإن بشكل غير مباشر، إلى القول إن المشكلة الرئيسية التي أدّت إلى الانتفاضات العربيّة هي حاجة الأجيال الشابة والجديدة في العالم العربي إلى اهتمام أكبر من القيادات التي هي في معظمها ديكتاتورية ولإتاحة الفرص الاقتصادية للعمل وتحسين الأوضاع المعيشية والانتقال من الفقر والبطالة إلى الأعمال المثمرة. والأنظمة، بدلا من أن تفعل ذلك، حسب بوين، تخصّص ثروات البلدان لنفسها على حساب شعوبها، وعندما تنتفض هذه الشعوب وشبابها يتم قمعها وكبتها.. وإذا تمادت تُعذَّب في السجون أو تُقتَل في تظاهراتها!!

ففي تقييم بوين للخطإ الذي ارتكبه النظام السوري في محافظة درعا، في بداية الانتفاضة السورية، يقول الكاتب في الفصل الرابع: من الصعب جدا معرفة ما جرى في الأحاديث والنقاشات الداخلية بداخل القيادة السورية العليا، والتي ضمّت شخصيات من عائلة الأسد. فربما كان الرئيس بشار مترددًا في إرسال قوات لقمع هذه التظاهرات بواسطة العنف العسكري، وربما كان يفضل عدم اعتماد هذه الوسائل التي اعتمدتها القيادة السورية سابقا، ولكن مراقبته لما جرى في ليبيا ومصر دفعته إلى الرضوخ للأجهزة الأمنية ولمشيئتها، وهي التي تعتبر نفسها فوق القانون، وبالتالي، مورس العنف وسقط القتلى. وهذا لا يعني، بنظر بوين أنه لو اعتمد الرئيس الأسد خطة أخرى، ومارس الإصلاحات المطلوبة منذ البداية، وحاسب المسؤولين على اعتقال وتعذيب الشبان المتظاهرين، فإنه كان سينجح في معالجة القضية بشكل أفضل، ولكن، كان عليه أن يفعل ذلك، ولربما كان قد نجح لو فعل ذلك، وأنقذ سوريا مما وقعت فيه من عنف وموت في الأشهر والسنوات التالية، وبالتالي، كان قد حقق دعمًا أكبر لنظامه. وكان من الخطإ برأي بوين تصريح الرئيس الأسد بأنه يواجه تمردا عسكريًا منذ البداية، ولعل ردة الفعل العنيفة للنظام هي التي أدّت إلى انطلاق العنف الميداني ضدّه من معارضيه. فالعنف يولد العنف ويأتي بالكوابيس لأي نظام يستخدمه.


الفخ العسكري


يستخدم بوين المنطق السابق نفسه، في تحليل أسباب سقوط نظام القائد الليبي السابق معمر القذافي الذي شعر بأنه قادر على سحق المتمردين على نظامه ووصفهم بالمنتمين إلى منظمة "القاعدة"، ولا يوجد أيّ حل معهم إلا العنف. وحتى عندما كان نظام القذافي في وضع جيّد نسبيًا على الأرض، وربما كان بإمكانه التفاوض مع خصومه المحاصرين في بنغازي فإنه فضّل الهجوم العسكري لتطهير البلاد ممن سماهم بالجرذان، وذلك، حسب بوين، في الفصل الثالث من كتابه، لأن العقيد القذافي شعر وكأنه أصبح أقوى من حلفائه السابقين في الغرب أمثال توني بلير وسيلفيو برلسكوني وعاد إلى دوره كقائد لثورة ضد الإرهاب. وكان بوين قد حظي بمقابلة مع العقيد القذافي قبل أن يصدر القرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي استخدمته منظمة "الناتو" للقضاء عليه وعلى نظامه. ويقول بوين: كان القذافي مرتاحًا معي في هذه المقابلة وشعر بأنه ملك أفريقيا وقائد ثوري وثعلب مخضرم وسيلقن الثوار درسًا في مقاومة الإرهاب، ويتفادى ما حدث لجيرانه الضعفاء (بحسب تقييمه) كالرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك اللذين خضعا للإرهابيين ودفعا الثمن.

وبالمقارنة مع قصر نظر بعض قادة الأنظمة والثورات الأخيرة في المنطقة ينوّه بوين، وإن بشكل غير مباشر، ببعد نظر قيادات الجيش المصري التي أحسنت السيطرة على اللعبة السياسية ولم تقع في الفخ الذي وقعت فيه قيادات أخرى في المنطقة. ففي الفصل الثاني من كتابه يقول بوين: "ظن الرئيس حسني مبارك أن الجنرالات في الجيش المصري الذين عيّنهم بنفسه سيكونون حماة النظام عندما يدركون بأن جماهير كبيرة في الشوارع ستطالب بإخراج الرئيس المصري من منصبه. ولكن القيادات العسكرية المصرية العليا لم ترغب في إحباط التطلعات والرغبات الشعبية على حساب المؤسسة العسكرية المصرية، وبعدما استقال مبارك، وأصبحت مسؤولية قيادة مصر بيد المجلس العسكري المصري، أدركت قيادات المجلس، التي كانت الجهة الأقوى في مصر منذ ثورة مصر بقيادة جمال عبد الناصر والضباط الأحرار، أن اتخاذ المواقف المتسرعة ضدّ أو مع التبدلات السريعة ليس في مصلحة مصر. وخشي المشير محمد حسين طنطاوي حصول انشقاقات بداخل القيادات العسكرية وخصوصًا لدى ضباط الرتب المتوسطة، وبالتالي نأى بالمؤسسة العسكرية عن التدخل المباشر وفضّل التشاور مع القيادات العسكرية الأخرى حول هذا الموضوع".


ربوة الإخوان


عندما شعرت القيادة العسكرية المصرية بأن الرئيس محمد مرسي بدأ بتجاوز صلاحياته، ومحاولة تغيير طبيعة النظام على حساب الفئات الأخرى، برز إلى الساحة قائد الجيش ووزير الدفاع ونائب رئيس الجمهورية الحالي عبد الفتاح السيسي وقلب الأوضاع لمصلحة النظام المصري الذي نشأ في ثورة 1952 واستمرّ. وهذا أمر لم يشر إليه بوين بشكل مباشر ومُفصل لأنه كتب كتابه قبل التطورات المصرية الأخيرة، ولكن معالجته للموضوع تمهّد وتفسر ما حدث لاحقا وتندرج في خلفية كتابه الأساسية ألا وهي أنه ليس بالسهولة تحقيق أي تطور إيجابي في العالم العربي بواسطة العنف فقط.

أما بالنسبة إلى موقف بوين من دور حركة الإخوان المسلمين في الانتفاضة المصرية، فقد أشار إلى نوع من الانتهازية مارستها هذه الحركة عندما قال في الفصل الثاني: وقفت حركة الإخوان المسلمين موقف المتفرج الحذر في ساحة التحرير بالقاهرة، ومنعت مؤيديها من اتخاذ المواقف المباشرة. وهي لم تطلق الانتفاضة المصرية بل تركت هذا الأمر إلى جهات أخرى قامت بالمهمة لحسابها من دون أن تدري. كما استغلت حركة الإخوان استقطاب المتظاهرين لجماهير ضخمة معارضة للنظام، وقرار الجيش المصري عدم التدخل وحماية المتظاهرين.

واعتبرت حركة الإخوان أن وقت تدخلها سيحين عندما يتنحى الرئيس مبارك. وتركت الأمر في ساحة التحرير لشباب مصريين متحمّسين، وبينهم كثيرون من العلمانيين، فيما وقف أصحاب اللحى وأعوانهم مترقبين موعد الانتخابات.

16