الانتفاضة الكردية الصامتة في سوريا

الجمعة 2014/04/25

لقد تأخرت انتفاضة الشعب الكردي في سوريا نحو ستة عقود أو أكثر عن بقية الأقاليم الكردية في إيران والعراق وتركيا. فقد أعلِنت جمهورية مهاباد بعد الحرب العالمية الثانية. كما حقق أكراد العراق حكمهم الذاتي في عام 1970، ثم انفصالهم عن الحكومة المركزية عام 1991، وعودتهم مجدداً بعد الاحتلال الإنكلو- أميـركي للعـراق عام 2003 ضمن دولة فيدرالية انتزعت فيها الكثير من الحقوق والصلاحيات من الحكومة المركزية، بل أن رئيس الإقليم، السيد مسعود البارزاني ما يزال يهدد حكومة بغداد بالكنفدرالية بوصفها الحل الأمثل لأكراد العراق في هذه المرحلة الحرجة التي يصعد فيها نجم الدكتاتور نوري المالكي الذي وصل إلى سُدة السلطة عبر صناديق الاقتراع الطائفية بامتياز شديد.

أما التمرد الكردي في تركيا فقد بدأ بشكل مؤثر منذ أربعة عقود على وجه التحديد لكنه قُمع غير مرة، وانتكس تماماً حين قبضت الحكومة التركية على زعيمهم عبدالله أوجلان وزجّت به في سجن محصّن محرّضة إياه على إعلان وقف إطلاق النار من محبسه دون أن يلتزم أتباعه بهذه التصريحات التي يستشعرون فيها رائحة الضغط والإكراه والتعذيب النفسي على الأقل.

ربما يكون الأكراد السوريون هم الأكثر مهادنة لنظام الأسد الذي حكم سوريا على مدى خمسة عقود توزعت بين الأب حافظ الأسد والابن بشّار الأسد الذي رفض أن يغادر كل المدارات الدكتاتورية التي رسمها والده والتزم بها حرفياً، وإذا كان والده قد قصف حمص وحماة بالمدافع الثقيلة لإسكات معارضيه وزجهم في السجون والمعتقلات، فإن الابن لم يتورع في تدمير العشرات من المدن والقرى السورية بالبراميل المتفجرة، بما فيها العاصمة دمشق وضـواحيهـا، وهجّـر قرابة ربع الشعب السوري من الذين وجدوا طريقهم إلى المخيمات التركية والأردنية والعراقية وبعض المنافي الأوروبية.

لكن اللافت للنظر أنه لم يطلق النار على الأكراد السوريين الذين يصل عددهم إلى ثلاثة ملايين نسمة يقيمون في الشريط الشمالي من سوريا ويتمركزون في مدن القامشلو وديركي وعامودا وكوباني وعفرين وسواها من المدن ذات الغالبية الكردية مع خليط من العرب والأرمن والسريان والشركس والآشوريين.

وهنا لابد للمتابع للشأن السوري أن يسأل عن سبب مهادنة النظام الشمولي السوري للأكراد، فيما هو يبيد يومياً المئات من أبناء شعبنا المرابط في معظم المدن التي تتساقط عليها الحمم من الجهات الأربع بدعم روسي وصيني وإيراني معزز بمليشيات لبنانية وعراقية طائفية حاقدة ولئيمة تجاوزت الحدود كي تفتك بأبناء الشعب السوري الصابر المجاهد.

وعلى الرغم من زعامة الأستاذ صالح مسلم لحزب الاتحاد الوطني الديمقراطي (السوري) إلا أن اسمه لم يلمع بعد إعلامياً، ذلك لأن انفصال الإقليم جزئياً لم يتم إلا قبل سنة واحدة، كما أن غالبية الجماهير الكردية ترفع صور الزعيم أوجلان في كل التجمعات والمسيرات السلميـة التـي تجري داخل الإقليـم.

وهذا يعني أن بريق صالح مسلم مازال باهتاً وأن صورته بحاجة ماسة إلى صقل شديد كي يراها أكراد سوريا بموازاة صورة أوجلان على الأقل، أو صورة البارزاني في شمال العراق بغض النظر عن بعض الخلافات الجوهرية التي بدأت تتسلل إلى العلاقة بين الإقليمين الكرديين في سوريا والعراق، حيث أقام إقليم كردستان العراقي خندقاً يفصل بينه وبين الإقليم الكردي السوري في خطوة غير مسبوقة يردّها بعض المحللين السياسيين إلى انزعاج البارزاني من نجومية أوجلان إن صح التعبير، بل أن موافقة هذا الأخير الذهاب إلى مدينة ديار بكر الكردية هي طعنة نجلاء وجّهها البارزاني إلى أوجلان بسبب شعبيته التي تجاوزت الحدود التركية لتمتد إلى الأقاليم الثلاثة الأخرى في إيران والعراق وسوريا.

يعتقد بعض المحللين السياسيين أن هناك صفقة بين إقليم كردستان السوري وحكومة بشار الأسد الذي سحب كل قطعاته العسكرية والأمنية قاطبة ولم يبق حتى ولو شرطياً واحداً في هذا الإقليم، لكن اللافت للنظر أن الأكراد لم يطلقوا بالمقابل طلقة واحدة ضد جيش بشار الأسد ولم يؤرقوه أو يقضوا مضجعه، بل أن الأدهى من ذلك أنهم رفضوا الانضمـام إلى الجيش السـوري الحـر أو بقيـة الميليشيـات الإسلاميـة التي تقاتل جيش بشار الأسد الأمر الذي يعزز نظريـة الصفقة السريـة بينهم وبين بشار الأسد.

لا يجد أكراد سوريا حرجاً في القول بأنهم لم يمزقوا حتى العلم السوري ولم يتلفوا المعدات والذخائر العسكرية، بل احتفظوا بها في مخازنهم ولم تمتد إليها يد العبث أو التخريب، غير أن المعلومات التي رشحت عنهم تبين، بما لا يرقى إليه الشك، أنهم لن يقبلوا بعودة الأوضاع إلى سابق عهدها إن استقرت الأمور لمصلحة الأسد، وأن أبسط ما يطالبون به هو الحكم الذاتي لإقليمهم الذي يسمونه “روش آفا” الذي يعني القسم الغربي من كردستان، لذلك نأوا بأنفسهم عن الجيش السوري الحر والمليشيات المتجحفلة معه على أمل الحصـول على الإدارة الذاتية لإقليمهم الكردي بعد خمسين عامـاً من القمع المتواصـل الذي تمثّل في منع تدريس اللغة الكردية، وحرمان الكرد من الوظائف الحكومية إلاّ ما ندر، وحظر الأنشطة السياسية والفعاليات الثقافية التي تُذكي الميول القومية لأفراد الشعب الكردي الذي تنفس هواء الحرية، وتنسّم عبق الانعتاق مـن ربقة الظلم والاستبداد الوحشي لنظام الأسد على مدى خمسين عاما.


كاتب عراقي

8