الانتفاضة اللبنانية ومقاصد نصرالله

حزب الله استحوذ على زعامة طائفته وأصبح يحدّد خياراتها ضمن محاصصة وطّدها الإقطاع السياسي؛ لكن النظام الذي يحاول نصرالله حمايته، لم تخفّف من طائفيته التعديلات التي توصل إليها اللبنانيون في الطائف عام 1989.
الأربعاء 2019/10/30
دفاع عن النظام الطائفي

كثيرة هي المحاور، التي يمكن أن تذهب إليها أقلام الكُتّاب، في محاولة استكناه الحدث اللبناني. فالانتفاضة الشعبية الجارية الآن، تُحيّر المعلقين، بل تُعجزهم أسئلتها. ربّما هناك من تغويه أكثر من غيرها، ليست الانتفاضة نفسها، بقدر ما هي ردة فعل أمين عام حزب الله عليها. فقد ذمّها الرجل، ولم يذمّها حتى حليفه رئيس الجمهورية. غير أن الأكثر إدهاشا في المشهد، هي المفاجآت في المواقف، إذ ارتجل بعض الرموز من عصب النظام، ومن مكوناته التاريخية، مواقف مغايرة لما استقرت عليه أدوارهم ومواقفهم من داخل النظام اللبناني.

فبعض الذين اشتكوا منه تاريخياً، سُمعوا وشوهدوا يتعلقون بأهدابه، وعلى النقيض منهم، تبدّى بعض المستفيدين منه راغبين في طيّ صفحته والانتقال إلى عهد الجمهورية الثانية. ولا ننكر على الذين وقعوا في غواية التركيز على موقف حسن نصرالله، أمين عام حزب الله، وجاهة أسبابهم، على اعتبار -أوّلا- أن النظام الذي دافع عنه نصرالله قبل أيام، قام على برنامج عمل حكومي أشبه بصيغة للمحاصصة، اتفق عليها رجلان طموحان، في العام 1943 هما الماروني بشارة الخوري، والمسلم السُني رياض الصلح، ولا يعلم أحد حتى الآن، حيثيات ما دار في ذلك الاجتماع، الذي عُقد في منزل صديق مشترك في بلدة عاليه، ولا تتوافر أية وثائق كاشفة للنوايا، وكل ما في الأمر، أنهما اتفقا على حصص الطوائف، وعلى إدخال تعديلات على الدستور الذي وضعه الفرنسيون، على أن يتقلد الخوري منصب رئيس الجمهورية الذي يخصص للطائفة المارونية، ويكلف رياض الصلح بترؤس الحكومة، وفي المعيّة يشغل الشيعي الموالي للفرنسيين أحمد الأسعد، موقع رئيس مجلس النواب، ويظل الموقع لطائفته في طاقم الرئاسات الثلاث!

صحيح أن حزب الله استحوذ على زعامة طائفته وأصبح يحدد خياراتها ضمن المحاصصة التي وطّدها الإقطاع السياسي؛ لكن النظام الذي يحاول نصرالله حمايته، لا يزال قائماً ولم تخفّف من طائفيته تعديلات الحد الأدنى التي توصّل إليها النواب اللبنانيون في الطائف، عام 1989، عندما كانت المسألة الأهم هي إنهاء الحرب الأهلية. فقد سمي الاتفاق “وثيقة الوفاق الوطني” وجرت الإشارة إليه على الألسن باسم “اتفاق الطائف” الذي تضمن تعديلاً في المحاصصة، يتساوى بموجبه المسيحيون والمسلمون في عدد مقاعد مجلس النواب، وقد أُقرت في الوثيقة أيضاً، أربع خطوات لطي صفحة الحرب، من بينها تحديد الخط العام للعلاقات اللبنانية السورية.

بخلاف ذلك، صُدم البعض من مجافاة أمين عام حزب الله لانتفاضة الفئات الفقيرة والطبقة الوسطى، التي أدت الفاقة إلى نمو وعيها الفكري والسياسي والاقتصادي، فاستثار في داخلها أسئلة الجدوى من النظام الطائفي. ذلك علماً بأن نصرالله، هو أول من يتعين عليه الانحياز إلى هؤلاء. ولكن يبدو أن خشيته كانت من احتمالات أن تتجاوز الانتفاضة اتفاق الطائف، ويظل يُسمع هدير الشعب الذي بات يرفض الأطر الطائفية، ويرى أن نظام الطوائف لم يحم الناس ولم يقدم لحياتهم شيئاً.

فقد استشعر الرجل الخطر، فوجد نفسه مضطرا لأن يزعم أن هناك أيدٍ مشبوهة، وأطرافاً خارجية، تدفع إلى جمهورية ثانية وإلى ميثاق شعبي متخط للطوائف. فهذا بحد ذاته يقلقه، وربما يضطر إلى اختراع “مندسّين” يُلقي القبض عليهم، ويعرضهم على التلفزيون الزاهي الذي يواليه. فالواضح أن الرجل تطيّر من الحراك وبادر سريعاً إلى أخذه بالشُبهات، وشرح بعض شواهدها في ناظره. هنا لم يكن على الذين صدموا أن يفاجَأوا أصلاً، لأن حراك العراقيين في المناطق الشيعية والسنية، سيكون مرفوضاً منه ومتهماً بالولاء لأطراف خارجية. فهو وأصحابه في العراق، لا يرون الخارج عندما يكون مرئياً، ولكنهم يشتبهون في وجوده عندما يستمعون إلى صوت الحناجر العراقية. بل الفساد المرئي للمؤسسة الدينية، ليس إلا من نوع الدسائس الصهيونية التي تحاول النيل من المرجعيات الطاهرة. كذلك في بدايات انتفاضة السوريين، عندما هبّوا بغير موعد، وانفجر المجتمع تلقائياً وعفوياً، لم ينطق الرجل بكلمة، عندما كانت الجموع تهتف “سلمية.. سلمية” فتتعرض للضرب بالنار.

شاهد أمين عام حزب الله عسكرة الفارّين ولم يرَ عسكرة القمع، عندما ضُربت التظاهرات بالنيران، وضربت جنازات الضحايا والمساجد والمخابز والمشافي، كأنما تحث الناس على حمل السلاح بالفعل، وجرى ذلك قبل أن تتطوع تركيا الأردوغانية بتلبية ما يريده النظام، وتتكفل بتسليح الانتفاضة وإدخال الخونة الإرهابيين، وتغطيس المضامين الاجتماعية والطبقية لانتفاضة الشعب السوري. فأمين عام حزب الله لن يرى مصلحته في مشهد لا طائفي على الخط الواصل بين طهران وصور، مروراً بسوريا والعراق. فالتظاهرات الشعبية، في أماكن أخرى، حميدة وشعبية وبديعة، أما عندما تكون في العراق وسوريا ولبنان، فهي مشبوهة ومضادة لمحور الممانعة والمقاومة!

لكن وجع الفقر والإفقار الذي رفع الوعي السياسي للبنانيين، لا ولن يكون مشبوها، خاصة عندما يُسمع هدير الشعب، في هجاء النظام الطائفي الذي يقوم عليه زعماء سياسيون عاثوا فساداً على نحو ما قال رئيس الجمهورية نفسه في كلمته إلى الشعب!

فطالما أن “حزب الله” قد نأى بنفسه عن التربّح من خلال الدولة، ولم يكن طرفاً في اقتسام مالها ومقدّراتها وأسس لنفسه منظومة اقتصاد وخدمات ربحية؛ كان الأجدر به -ولو من باب التكتيك- أن يحاول إظهار التأييد للحراك ولا يحاول تشويهه. فمن يطالب باللاطائفية لا يمكن تلطيخ سمعته، بل الخسارة ستعود على من يحاولون تلطيخها. فالناس تطالب بدولة عابرة للطوائف، وتهتف ضد الفئة السياسية -الاقتصادية- الاجتماعية الحاكمة، بقطع النظر عن انتماءاتها الدينية، وتطالب بديمقراطية المواطن، وليس بديمقراطية الكيانات الطائفية التي تتجاور وتتعايش، وتنغلق كل منها على نفسها وعلى ثقافتها وعلى وعي سياسي يختص بها، وحتى على اقتصادها. فمثل هذه الديمقراطية ليست أكثر من صيغة للتوافق على ديمومة الاختلاف والتباغض الاجتماعي وتضمن تنظيمه بالحد الأدنى من تدابير اللياقة في التعامل معسول الكلام.

وكان مما يثير الاستغراب، أن حسن نصرالله، تطوع لمهمة محامي الدفاع عن نظام، لم ينشأ حزبه في سياق الاحتجاج عليه وعلى ما أوقعه في طائفته من مظلوميّة. هذا إن عددنا أن “حركة المحرومين” التي أسسها موسى الصدر عام 1974، جذر الحزب الأول، بل إن الحزب حتى الآن، وعلى الرغم من كونه مسلحاً وقوياً، لا يُعدّ في ناظر هذا النظام طرفاً أصيلاً يختصه بالوداد. فهو ليس سليل الجزء الشيعي من الإقطاع السياسي الذي أسس النظام الذي ينظر إليه الآن، ككابوس أو علة، لن يبرأ لبنان منها دون زوالها. فلماذا دافع حسن نصرالله عن هذا النظام؟

بالطبع لم يدافع عنه رياء له، ولا جهلاً لطبائعه وسلبياته، ولا عن سوء تقدير لمقاصد الحراك الشعبي. هو يعرف ماذا يريد، ويعرف الكثيرون أن من مصلحته أن يبقى هذا النظام الهش، المطعون في سلوك القائمين عليه، والذي بلا فاعلية، لكي يظل “السيد حسن” يستقوي عليه بذريعة خيبته، ويحمي منطق الطائفية في العراق وسوريا، ويظل يزهو بكونه يحمل مشروعاً يختلف جذرياً، ليس عن مشروعات زعماء الطوائف الأخرى وحسب، وإنما عن مشروعات ساسة الإقليم كله.

8