الانتقال السياسي في الجزائر يمر بمرحلة من عدم اليقين

تمر الجزائر بفترة حرجة، سياسيا واقتصاديا، تنذر باضطرابات قادمة لا تتناسب مع ما تعيشه المنطقة والعالم اليوم من توترات، الأمر الذي قد يدفع جيران البلاد وحلفاءها الأوروبيين والأميركيين إلى التدخل لمنع تحول هذا البلد الأفريقي إلى سفينة بلا قائد.
الثلاثاء 2016/01/12
مهمة خطرة أن تكون جزائريا

شهدت الجزائر، منذ إقالة رئيس المخابرات الجزائرية الجنرال محمد مدين، في سبتمبر الماضي، موجة غير مسبوقة من الاضطرابات السياسية التي اجتاحت البلاد. ومن المتوقّع أن تؤدّي المعركة التي تبدو على أشدّها بين المجموعات النافذة، في ظل السعي لخلافة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى نهاية العديد من العصابات السياسية في الجزائر.

والحقيقة أن انهيارا سياسيا يمكن أن يحدث في البلاد خاصة في ظل تراجع أسعار صادرات النفط والغاز، التي تعد من الدعائم الأساسية للدولة، خاصة أن السعي إلى خلافة بوتفليقة قد يحوّل واحدة من الدول الثورية في العالم إلى بلد يخلف فيه أحد أفراد العائلة الرئيس. وهذا الوضع ما كان الرئيس الراحل هواري بومدين ليقبل به، لكن الزمن تغيّر.

وفي ما يتعلق بالسياسة الاقتصادية، يبدو أن مخطط رئيس الوزراء عبدالمالك سلال ليس مجديا، فهو لم يكن يتوقع انهيار الأسعار، ولم يفكر في العواقب الاقتصادية والاجتماعية لذلك، ويبدو أنه سوف يضطر إلى التخفيض في ميزانيات الوزارات، ونتيجة لذلك ستدخل المشاريع الاستثمارية الكبرى حالة من الفوضى والارتباك، حيث سيتم تأجيل المشاريع دون الإعلان عن ذلك للمواطنين الذين قد يستيقظون في صباح أحد الأيام ليكتشفوا من خلال الشائعات أو التسريبات، أن الاستثمارات التي كانت مخصصة لإجراء مشاريع في مدنهم أو مناطقهم تبخّرت.

غياب تفكير اقتصادي

من المؤكد أن سلال فقد السيطرة على الحكومة، فوزير الصناعة في حكومته تحداه علنا، وبدا ذلك واضحا حين تحوّلت المناقشة البرلمانية الأخيرة على الميزانية إلى تشابك بالأيدي وتبادل للشتائم. ويلجأ الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم سابقا، والذي ما يزال الحزب الأكثر أهمية إلى الشتائم كلما تجرأ أحدهم على معارضة آرائه.. وقد كتب أحد الكتاب الشبان قبل سنوات “إنها لمهمة خطرة أن تكون جزائريا”. وهو ما يشعر به الجزائريون بالفعل هذه الأيام.

وغياب أي تفكير اقتصادي مستقبلي سيكون من الأمور التي تساهم في زعزعة الثقة، وهو ما يبدو جليا في التراجع السريع للدينار الجزائري في السوق السوداء.

وعلى عكس تركيا والبرازيل والصين والهند، فقد فشلت الجزائر على مدى الـ30 عاما الماضية في كسب التعاطف الدولي. ورغم أن دبلوماسييها أذكياء إضافة إلى تعليمهم الجيّد وأن لها وزارة خارجية لها وزنها في الشؤون الإقليمية، إلا أن ارتفاع الفساد والاقتصاد الريعي يحرم الجزائر من أن يكون لها تأثير كبير في الخارج.

ماذا يبقي من كبرياء الجزائر عندما يسلمها قادتها إلى صندوق النقد الدولي بدلا من استخدام مؤهلات البلاد

ويذكر أنه تم إهدار عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع البنية التحتية، واختلاس الكثير من الأموال ونقلها إلى الخارج أو تبديدها كإعانات للدولة. وقد اشترت الجزائر السلم الاجتماعي بتكلفة باهظة.وبلغ متوسط دخل الجزائريين 5 آلاف دولار في عام 2011، لكن عملية توزيعه على السكان تتم بشكل غير متكافئ، في حين لا يمكن التأكد من مستوى المعيشة بشكل دقيق في بلد نصف إنتاجه من النفط والغاز غير رسمي.

ويتباهى القادة الجزائريون بأن البلاد ليست لها ديون خارجية، لكن قد لا يدوم ذلك طويلا، على ضوء تصريحات رابح أرزقي، الذي يرأس وحدة السلع في قسم البحوث بصندوق النقد الدولي، التي أوضح خلالها، في اجتماع للمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي بالجزائر في سبتمبر الماضي، أن قطاعي النفط والغاز في البلاد يشهدان خطرا تقادم الأصول بسبب اللجوء إلى استخدام الطاقة المتجددة، والثورة التي أحدثها اكتشاف الزيت الصخري الأميركي، والعودة المحتملة لإيران إلى السوق.

وهذا يعني بداية المتاعب للاقتصاد الذي يتميز بقلة التنوع، حيث أن الكثير من الشركات الخاصة تعمل ضمن مافيات غامضة وتسعى إلى زيادة النفوذ السياسي. وتتسرّب كميات كبيرة من الأموال غير الرسمية، وربما القذرة، إلى نظام سياسي متحجر لا يأبه إلى احتياجات أصحاب المشاريع الحقيقية، وهناك الكثير منهم في الجزائر، وهم يتوقون إلى قواعد واضحة وشفافة وبيروقراطية أقل تغطرسا.

ومنذ أربعين عاما، تم استثمار 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في القطاع الصناعي. وقد انخفض هذا الرقم إلى 10 بالمئة خلال العقد الماضي. ومهما كانت مضللة، فإن بعض المشاريع الصناعية التي بدأت في عهد بومدين كانت ذات غايات نبيلة، على سبيل المثال، حيث استثمر بكثافة في قطاع التعليم.

منذ أربعين عاما، تم استثمار 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في القطاع الصناعي، وقد انخفض هذا الرقم إلى 10 بالمئة خلال العقد الماضي.

ولم تواصل الحكومة الجزائرية الاستثمار في شبابها، ذلك الجزء من المجتمع الذي لم يشهد أي مساعدة لإنشاء شركات صغرى أو متوسطة، إضافة إلى عدم تمكينه من الاعتمادات المالية المتاحة لمساعدته في تحقيق هذه الغايات أو مساعدته على أن يصبح متمكنا من العلوم المتطورة وخاصة في مجال الاتصالات مثلا، حيث بقوا موارد بشرية خامة ظلت البلاد تخسرها على الدوام.

إصلاحات من الداخل

في الماضي القريب، اختار الكثير من القادة الجزائريين دفن رؤوسهم في الرمال، ورفضوا رؤية القوى الاقتصادية تعمل من أجل تغيير العالم وشراء السلم الاجتماعي، ولكنهم أنكروا على أبناء الجيل القادم من الجزائريين حقهم في الأدوات اللازمة لكسب العيش الكريم والوقوف على قدميه. ونظرا لطبيعة المنطقة المضطربة وسرعة التغييرات وعدم وضوح الرؤية الاقتصادية والتفكير في المستقبل، فقد يكون من المفيد الالتفاف حول رئيس الوزراء الذي يعتبر الوحيد الذي تجرأ، منذ ربع قرن، على الدخول في إصلاحات اقتصادية جريئة.

وفي خطاب شديد اللهجة لقدماء المحاربين في حرب الاستقلال، حذّر مولود حمروش، وهو أحد المقاتلين السابقين، والذي انضم إلى الجيش الجزائري وعمره 16 عاما، رئيس الوزراء من المستقبل المزري الذي ينتظر البلاد. وهناك العديد من الضباط الآخرين الذين يمكنهم أن يقدموا يد المساعدة للجزائر. لكن العديد من الضباط الصغار في الجيش وقوات الأمن يشعرون بالخجل العميق والقنوط عندما يرون المشهد المثير للشفقة الذي تمر به الحياة السياسية في بلادهم اليوم، لكنهم يفتقرون إلى الخبرة للوصول إلى مقاليد المال والسلطة. وهم يدركون أن الإصلاحات لن تنبع من الداخل إذا لم يلزم بها صندوق النقد الدولي البلاد.

التحول إلى "سفينة بلا قائد" خيار غير مسموح به لأكبر بلد في أفريقيا، وسيعمل جيرانها والغرب على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار

النقاش حول الإصلاح الاقتصادي أصبح معلنا وأكثر انفتاحا مقارنة بما كان عليه في الثمانينات، في مقابل اختيار الحكومة بأن تكون صماء، لكن، لا يوجد فريق من الخبراء الاقتصاديين القادرين على إحداث خطة فاعلة للإصلاح وشنّ القوانين الضرورية لتحقيق ذلك.

التحليلات الجيدة موجودة، وليس هناك نقص في المواهب في الجزائر، الأمر الذي قد يدفع للتساؤل: ماذا بقي من كبرياء الجزائر عندما يبدو قادتها كأنهم يسلمون البلاد، في حركة بطيئة، إلى صندوق النقد الدولي بدلا من استخدام المواهب السياسية والاقتصادية الموجودة في البلاد؟

وعلى عكس سلفه اللامع بومدين اختار بوتفليقة بأن يكون أقل اهتماما في الشأن الاقتصادي، لذلك ترك البلاد في حالة من الخراب على الصعيد الاقتصادي، وسوف يكون من الصعب عليه احتلال مكان في مدفن عظماء الأمة في الجزائر.

“التحول إلى سفينة بلا قائد” خيار غير مسموح به لأكبر بلد في أفريقيا، وسيعمل جيرانها وأوروبا والولايات المتحدة على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار على شواطئ جنوب البحر الأبيض المتوسط، ولن يستمتع هؤلاء برؤية الحكومة تفقد السيطرة على الوضع الاقتصادي والمالي. وسوف يتدخل صندوق النقد الدولي كما فعل في العام 1994 عندما تخلى القادة الجزائريون عن مواهب أبنائهم وبناتهم.

باحث في مركز برشلونة للشؤون الدولية

7