الانتقال من المحتوى المجاني إلى المدفوع أكبر تحد للناشرين

التطور التكنولوجي يفرض مهمة صعبة على الصحف العربية بعد هجرة قرائها باتجاه مواقع التواصل الاجتماعي.
الثلاثاء 2019/10/01
نموذج اقتصادي أكثر استدامة

تعد الإيرادات التي تأتي من الاشتراكات الرقمية قوية ومستدامة، مقارنة بسوق الإعلانات الرقمية التي تستمر بالانخفاض، لذلك يجب أن تجتهد المؤسسات الإخبارية في استثمار مواردها في الاشتراكات الرقمية، فيما على الصحف العربية مضاعفة هذه الجهود وتطوير محتواها لإقناع القراء بدفع ثمن المحتوى الذي تقدمه.

لندن - ستستمر الصحافة في محاربة التحولات الهيكلية التي أدت إلى انخفاض كبير في إيرادات الإعلانات. ويحاول الناشرون تعويض هذه الخسارة من خلال اللجوء إلى الاشتراكات الرقمية. إذ أصبح الاشتراك والعضوية من ضمن الأولويات الرئيسية لصناعة الأخبار هذه الأيام، وفق تقرير معهد رويترز للصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2019.

ويؤكد تقرير رويترز أن جل اهتمام المؤسسات الإخبارية في عام 2019 يتركز على كيفية جذب القراء إلى الاشتراك والعضوية الرقمية أو غير ذلك من أشكال مساهمة القارئ لدفع الفواتير.

لكنه يشير إلى أن أكثر من 50 بالمئة من ناشري الأخبار يعتزمون التركيز على الاشتراكات الرقمية كمصدر للإيرادات للعام المقبل، إلا أنه مع اقتراب نهاية عام 2019 يبدو أن الأمور ربما لم تسر وفقًا للخطة.

وفي العالم العربي، لا تزال التجربة محدودة للغاية، ولم تسجل نجاحا ملحوظا فقد بدأت صحيفة النهار اللبنانية بإطلاق خدمة الاشتراكات الرقمية التي تتيح للمشتركين الاستفادة من محتوى “مميز” في أبريل 2017. فجاءت خطوتها كمحاولة لمواكبة التطور التكنولوجي وتسجيل حضور في هذا المجال، أكثر منه رهانا على نجاح الخطوة التي لم يعتد عليها القراء العرب الذين هجر غالبيتهم الصحف إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

كما تدرس الصحف الحكومية المصرية البدء بتجربة المحتوى المدفوع، لكن المتابعين لا يتوقعون لها النجاح، إذ أنها لا تفكر بإعادة النظر في طريقة تناولها للأخبار والتقارير وتطوير المحتوى ورفع سقف الحرية في تناولها للمواضيع التي تهم المواطن والشارع المصري، فلماذا إذن سيدفع القارئ ثمن محتوى لن يجد فيه شيئا جديدا.

وأجرت شركة “ديجيداي ريسيرش” استطلاعا للرأي في شهر سبتمبر الماضي، خلص إلى أن الناشرين يواجهون عددًا من العقبات في جهود خاصية الاشتراك الإلكتروني الخاصة بهم، حيث يتمثل التحدي الأكبر – الذي يواجهه 63 بالمئة من الناشرين – في إقناع جمهور القراء بالاشتراك مقابل الدفع.

ويعد الانتقال من بوابات إخبارية مفتوحة إلى المحتوى المدفوع بلا شك أكبر تحد يواجهه الناشرون عند إطلاق منتج جديد مدفوع الثمن. حيث يصبح إقناع القراء الذين يحتاجون إلى دفع ثمن شيء كانوا يتلقونه في الماضي مجاناً أكثر صعوبة. أما الناشرون الذين تعاملوا بذكاء مع هذه التحديات، فقد حققوا نجاحاً ملحوظاً.

50  بالمئة من ناشري الأخبار يعتزمون التركيز على الاشتراكات الرقمية كمصدر للإيرادات للعام المقبل

كما يقدم تقرير “غلوبال ديجيتال سبسكريبشن سناشوت ريبورت” لعام 2019، نظرة عامة على الناشرين الذين نجحوا في زيادة اشتراكاتهم الرقمية مما ساعد على زيادة تدفق إيراداتهم.

ويكشف التقرير كذلك عن مضاعفة هذه المنصات لحجم محتوى وتكنولوجيا المحتوى المدفوع لأنها تركز على الاشتراكات الرقمية كمحرك رئيسي للإيرادات. ويقول “لا نوضح فقط معدلات نمو الاشتراك الرقمي المتواصل، بل نكشف عن الجهود المتزايدة لتفعيل وتنفيذ نماذج الإيرادات من هذا النوع. هناك طلب كبير على قراءة المحتوى الأصلي عالي الجودة، والقراء مستعدون لدفع ثمنه”.

ومع ذلك، يبدو أن كثيرا من الناشرين لا يمتلكون نفس “العزيمة والإصرار”، كما يشير تقرير “ديجيداي ريسيرش”.

وقال أربعة من أصل عشرة ناشرين إن نسبة التزام مؤسساتهم باستثمار الموارد في مجال الاشتراكات الرقمية لم يتعدّ 10 بالمئة، ويقول 75 بالمئة منهم إنهم ينفقون أقل من ربع الموارد على جهود الاشتراك. وتعد الإيرادات التي تأتي من الاشتراكات الرقمية قوية ومستدامة، مقارنة بسوق الإعلانات الرقمية، وهي واحدة من المحركات الرئيسية للناشرين المعتمدين على تدفق الإيرادات من هذه الجهة.

وتقول شيلي سيل، محرّرة في مؤسسة ” آي.أن.أم.أي” “يجب أن تجتهد المؤسسات الإخبارية في استثمار مواردها في الاشتراكات الرقمية”.

وتوضح سيل في أحد التقارير أسباب كون أسواق وسائل الإعلام النرويجية والسويدية هي الأكثر تقدماً في العالم في اتباع سياسة البيانات والاشتراكات الرقمية، وكذلك بعض الأفكار حول ما يعيق الآخرين.

من جهته، يرى إيرل ويلكنسون، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “آي.أن.أم.أي” “إنه صراع ثقافي دائم لجذب انتباه القراء. لا تزال هناك مؤسسات إخبارية على المستوى الدولي لا تريد أن يكون لها علاقة بالبيانات أو بالاشتراكات الرقمية”.

ويذكر تقرير آخر “ديجيتال باي ميتر بلاي بوك”، الصادر عن مركز “شورين شتاين سنتر” التابع لجامعة هارفارد بالولايات المتحدة، أن معدلات “رسائل الإيقاف” (أي التي تستوقف القارئ وتدفعه للاشتراك بالخدمة الرقمية المدفوعة) هي الشيء الذي يميز المؤسسات الإخبارية ذات الأداء المرتفع عن غيرها.

ومعدل “رسائل الإيقاف” هي النسبة المئوية التي تضم جميع المستخدمين الرقميين الذين “يتم إيقافهم” بواسطة رسالة اشتراك أو جدار حماية. والمؤسسات الإخبارية التي تزيد نسبة “رسائل الإيقاف” الخاصة بهم عن 6 بالمئة تعتبر من المؤسسات الناجحة.

لكن غالبية الناشرين يوقفون نسبة مئوية محدودة من قرائهم. وينص تقرير “بلاي بوك” على أنه “من بين أكثر من 500 مؤسسة إخبارية تم تحليلها، فإن نصفها تقريباً لا يوقف إلا 1.8 بالمئة من القراء من خلال رسائل الاشتراك”.

ويشير التقرير إلى أن الناشرين “يستثمرون في القدرات اللازمة لإجراء التجارب المستمرة في المجال الرقمي لبناء المشاركة بين القراء وتحويلهم في النهاية إلى مشتركين يقبلون بدفع الاشتراك”.

18