الانتماء السياسي يعلو على الوفاء لمضامين الثورة

تستعد تونس للاحتفال بالذكرى الخامسة لرحيل الرئيس التونسي الأسبق، زين العابدين بن علي عن السلطة، وهي ذكرى يحفز فيها التونسيون ذاكرتهم لا فقط لاستعراض البعد الوقائعي لما جد في البلاد، وإنما أيضا للقيام بمقارنة بين موجود الثورة ومنشودها.
الخميس 2016/01/14
مستمرون حتى تتحقق الأهداف

ما تحقق في تونس، إلى حد الآن، بعيد عما طرحته “الثورة التونسية” على نفسها من مضامين. مسافة بين شعارات الثورة التي نادى بها الغاضبون الأوائل، وبين ما تمر به البلاد راهنا، لم تكبر (أي المسافة) نتيجة الأحداث السياسية التي حفظها الشعب عن ظهر قلب فقط، بل أيضا تعود إلى عوامل خفية تحتاج حفرا في زوايا العملية السياسية التونسية التي تشكلت قبل، وأثناء، وبعد الثورة التونسية.

جدير بالتذكير أن أحداث الثورة التي انطلقت في محافظة سيدي بوزيد (من 17 ديسمبر وتواصلت حتى 14 يناير) ذكرت التونسيين بما سبقها من اعتمال. ثورة الحوض المنجمي (محافظة قفصة الجنوبية) من يناير إلى يونيو من العام 2008 كانت، حسب البعض، تهيئة لثورة 14 يناير، والفرق أن انتفاضة الحوض المنجمي اقتصرت في امتدادها على الحوض المنجمي ولم تتوسع إلى بقية جهات البلاد، ولعل غياب التغطية الإعلامية، وغلق سبل النفاذ إلى الإنترنت والمواقع الاجتماعية، كانت عوامل حاسمة في عدم ذيوع صيت الانتفاضة الأطول والأقوى. (تم السماح لموقع فيسبوك بالعمل في تونس دون استعمال “بروكسي” في أواخر ديسمبر 2010 أي بعد أشهر من إخماد انتفاضة الحوض المنجميّ).

التذكير بانتفاضة الحوض المنجمي مدخل أساسي لفهم تخوم الثورة التونسية وما صاحبها من أحداث. والإشارة إلى دور المواقع الاجتماعية مهم أيضا لتبين تأثيرها والفرق الذي تحدثه. الدليل على ذلك أن العام 2010 شهد أحداثا سابقة للثورة كانت بمثابة تحضير للأدوات ومثلت اختبارا لفعالية تلك المواقع.

في مايو 2010 هيمنت على المواقع التونسية حملة مطالبة برفع المراقبة على الإنترنت فكانت حملة “سيب صالح” التي دعت إلى وقفة احتجاجية أمام وزارة تكنولوجيات الاتصال (الوزارة المشرفة على الوكالة التونسية للإنترنت الهيكل الذي يؤمّن ويراقب تدفّق الإنترنت في تونس) ورغم عدم نجاح تلك الوقفة، إلا أن الحملة كانت عملا وحّدَ جهود الشباب الناشط افتراضيا بمختلف أطيافه ومشاربه الفكريّة والسياسية، ونبهت السلطة إلى خطورة هذا السلاح خاصة مع اهتمام وسائل الإعلام الأجنبيّة بالحدث.

مهددات حرية التعبير
بعد سنوات طويلة من الرقابة والقمع، بدأ التونسيون يعبرون بحرية، لكن هذا المكسب الذي جاءت به الثورة لا يزال، وفق منظمات حقوقية محلية ودولية، مهددا وهشا كبقية الحريات الفردية والعامة.

في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي (2011-1987)، كان أغلب التونسيين يتهامسون سرا عند الحديث في السياسة، في حين لم يكن الإعلام ينقل إلا الخطابات والمواقف الرسمية.

وبعد الثورة التي أطاحت مطلع 2011 بنظام بن علي، تأسست صحف وإذاعات وتلفزيونات خاصة جديدة وفرت مساحات واسعة للنقاش السياسي وللانتقادات.

كما تأسست بعد الثورة عشرات المنظمات غير الحكومية مثل “أنا يقظ” المختصة في مكافحة الفساد الذي كان من الأسباب الرئيسية للإطاحة بنظام بن علي، و”البوصلة” التي تراقب عمل البرلمان.

في 2014، وضعت تونس دستورا جديدا نصّ على العديد من الحقوق والحريات، ونظمت أول انتخابات تشريعية ورئاسية حرة في تاريخ البلاد. لكن على الرغم من هذه الإنجازات لم تتطور الأمور كثيرا.

في 2015، تم توقيف شبان بتهمة استهلاك “الزطلة (الحشيش) تطبيقا لقانون 52 الصادر في 1992 الذي تقول منظمات حقوقية إن بن علي استعمله لقمع حرية التعبير.

وفي 2013، تم سجن فناني راب شديدي الانتقاد للسلطات بموجب القانون نفسه.

وأصدرت محاكم في 2015 عقوبات بالسجن ضد طلاب مثليين تم إخضاعهم إلى “فحوص شرجية” نددت بها منظمات حقوقية دولية.

ومنذ آخر هجوم في تونس لتنظيم الدولة الإسلامية في 24 نوفمبر 2015، سجلت نقابة الصحفيين اعتداءات على نحو ثلاثين صحفيا.

القانون الجديد لمكافحة الإرهاب صادق عليه البرلمان نهاية يوليو 2015، “يفرض قيودا على حقوق الإنسان”، إذ يعطي أجهزة الدولة “سلطات تقديرية كبيرة”.

وتلتها محاولات أخرى كانت تقلق النظام القائم مثل الحملة الرافضة للتطبيع والمتصلة بمقطع فيديو يُظهرُ مطرب تونسي (محسن الشريف) يغنّي في تل أبيب ويهتفُ بحياة بنيامين نتنياهو، فكان ذلك منطلقا لحملة جديدة فضحت ما حدث وحولته إلى قضيّة رأي عام، بل وطرحت قضيّة التطبيع مع العدو الصهيوني بعناوينه المختلفة (ثقافيا أو سياسيا أو تجاريا أو علميا).

إسقاط الدكتاتورية

عندما انطلقت الثورة التونسية يوم 17 ديسمبر كان الشباب التونسي قد تنبه لأهمية وفعالية المواقع الاجتماعية وأثرها في إيصال الخبر، لذلك كان تداول صور ومقاطع فيديو المظاهرات التي كانت تجوب القرى والمدن التونسية يتم بنسق كبير، وهو ما سمح لوسائل الإعلام الدولية خاصة بالتفاعل مع الحدث، مع وجوب الإشارة إلى تفاوت واختلاف منطلقات وأجندات التفاعل بين وسيلة إعلام وأخرى. اتخذت الثورة التونسية إذن أحد أوجه ألقها من تميزها لتغطية أوسع مما سبقها من أحداث.

نصل الآن إلى ما حدث في الثورة، وبعيدا عن الاستعراض الحدثي الذي لن يقدم جديدا، فإن المسافة الزمنية الفاصلة عن تلك اللحظات تتيح للمتتبع أن يتخذ مسافة تسمح بفهم خلفيات بعض الأحداث.

مفيد هنا التعريج على أن الثورة التونسية نادت أو طرحت على نفسها إسقاط الدكتاتورية والفساد وطالبت بتحقيق التنمية والتشغيل. ومفيد أيضا التذكير بأن الدكتاتورية تقوم على عناصر أساسية تتوفر في كل التجارب الدكتاتورية وهي: القوة التنفيذية الباطشة وعمادها الجهاز الأمني القويّ وأجهزة المراقبة والمعاقبة والتتبع والتنصت وزرع الأدوات السلطوية في كلّ مكان. ثاني الأعمدة هو شبكات الفساد السياسي والإداري والمالي والقضائي والإعلامي المرتبطة عضويا بجهاز الحكم. أما ثالث الأسس فهو شبكات الولاء والزبانية المرتبطة بدورها بالحاكم الذي يمركز كل السلطات في شخصه، وتنطلق من قاعدة “تحويل الحقوق إلى امتيازات ومقايضتها بدرجة الولاء” وتتكون عادة من مسندي تلك الامتيازات وأيضا من المتحصلين عليها.

ثابت أن الثورة التونسية استفاقت صبيحة 15 يناير على اختفاء البعد الأول (أعلى هرم السلطة والقوة الباطشة) لكن الأبعاد الأخرى، الأكثر تعقيدا، ظلت ماثلة في البلاد، وكان تفكيكها عسيرا على القوى الثورية (التي تمثلت في اعتصاميْ القصبة 1 و2) ولم تطرح القوى السياسية التي قادت المشهد بعد تخلي القوى الثورية الشبابية على نفسها مهام تفكيكها. المهم أن تلك الشبكات (الفساد والمحسوبية)، بما تمتلكه من علاقات وخبرات إدارية وسياسية عادت تدريجيا إلى المشهد السياسي في محاولة لاسترجاع المناصب والامتيازات التي كانت تحظى بها.

عامل آخر منسي في المشهد السياسي التونسي وأثر بشكل كبير على حرف مسار الثورة هو التضليلات المفاهيمية التي مورست على الشعب التونسي طيلة أيام الثورة، وتم التسويق لها وتكرارها في الإعلام والمنابر السياسية بكثافة وقوة توصلت إلى صنع جملة من القناعات والمقولات البديهية بالنظر لتكرارها وتوظيفها.

التضليل والمغالطة

القول إن الشعب التونسي بكل مكوناته وأطيافه شارك في الثورة، وهي بذلك ثورة كلّ الشعب التونسي، هو التضليل الأول، الذي كان يردد صباحا مساء في وسائل الإعلام، والحال أن هذا القول يسهلُ دحضه تبعا لأن الثورة كانت من فعل قطاع واسع من الشعب لكنها لم تكن بمشاركة كامل سكان البلاد، بل كانت تجاسرا شعبيا آمن به فقراء البلاد وعاطلوها من دواخل تونس وجهاتها المحرومة إضافة إلى سكان الأحياء الشعبية الواقعة في تخوم العاصمة وفي ضواحي الاهتمام الرسمي.

يعرفُ الجميع أن كلّ المنتمين إلى التجمع المنحلّ، أو أغلبهم، لم يشاركوا في أيّ فعالية من فعاليات الثورة بل كانوا يكيدون لها ويدبّرون لها بليل، كما أن العديد من الحساسيات السياسية ترددت في حسم موقفها من أحداث كانت تجدّ خاصة في الجهات الداخلية، وكانت أغلب القيادات السياسية المقيمة في الخارج تتابع ما يحدث عبر الفضائيات ولم يتورع بعضها عن إدانة التحركات واعتبارها من قبيل الفوضى والتخريب. والثابت أن الترويج لمثل هذا التضليل كان بغاية تسهيل تقاسم “محاصيل” الثورة بدعوى أن الفعل جماعي وبالتالي الاستفادة يجب أن تكون من نفس جنس المشاركة. تضليل سمح للعديد من القوى السياسية أن تطالب بحقها في نتائج الثورة (الإسلاميون مثالا).

التضليل الثاني كان يقوم على القول إن الثورة كانت بلا قيادة، وهو قول ضعيف لأن الثورة كانت لها قيادات محلية وجهوية معروفة لدى الجميع، وتنتمي أساسا إلى الفعاليات النقابية وبعض الحساسيات السياسية اليسارية والقومية والتقدمية، ومن تابع كلّ ما جد في جهات سيدي بوزيد والقصرين وغيرها أواخر ديسمبر 2010 كان يعرف أن المظاهرات كانت تنطلق من مقرات الاتحادات الجهوية للشغل وكان يقودها ويؤطرها أعضاء النقابات الجهوية والأساسية أو قيادات من سلك المحاماة بتلك الجهات، وهم بدورهم ينتمون إلى أحزاب وتيارات سياسية معروفة. وهذا التضليل يهدف بدوره إلى سحب البساط من تحت هذه الأطراف السياسية ليسهل بعد ذلك تبخيس مساهمتهم وفعلهم.

التضليل الثالث الذي يعتمدُ على مسلمة مفادها أن الثورة كانت تفتقد برنامجا سياسيا واضحا، فهو رأي يحتاج تنسيبا لأن الثورة التونسية كانت أولا امتدادا ومراكمة لأحداث الحوض المنجمي في جهة قفصة (المشار إليها) التي طالبت بالتشغيل والتنمية، وجوبهت بقمع شديد أودى بالعديد من القتلى والمئات من الجرحى. نضيفُ إلى ذلك أن شعارات ثورة 17 ديسمبر في تونس تمحورت حول شعار أو مطلب “التشغيل استحقاق يا عصابة السراق”، وهو شعار يضمر إدانة واضحة للنظام السياسي برمته ويعلنُ رفضه لمنواله التنموي الفاشل ويفضح استفراد عصاباته وعائلاته بمقدرات البلاد. ونلاحظُ أن الشعار تطوّر تزامنا مع تطوّر الأحداث إلى المطالبة الصريحة بإسقاط النظام “الشعب يريد إسقاط النظام”، وهو ما يعكس وعيا شعبيا بأن مشاكل البلاد ومعضلاتها الاقتصادية والسياسية لم تعد تتحمل حلولا إصلاحية، بل تقتضي حلا جذريا يقوم على رحيل النظام واسترجاع البلاد ممّن سرقها وصادرها.

القول إن الثورة كانت بلا قيادة هو قول ضعيف لأن الثورة كانت لها قيادات محلية وجهوية معروفة، وتنتمي إلى الفعاليات النقابية وبعض الحساسيات السياسية اليسارية والقومية والتقدمية

هذه الأفكار والمقولات التي كانت تسود المنابر الإعلامية طيلة شهر يناير، أدت إلى صنع رأي عام آمن بها وتبنّاها في كل نقاشاته وكتاباته، وقد أثرت هذه الأفكار المروّج لها آنذاك في الأحداث اللاحقة وساهمت في تقليص السقف السياسي للثورة، وفي جذرية مطالبها وشعاراتها.

بين العجز على تفكيك بقايا النظام القديم، وبين ما مورس على الشعب من تضليلات نجحت في صنع مسلمات سياسية استفادت منها تيارات معروفة (الإسلاميون والسلفيون والنظام القديم وكل الذين غابوا عن الأحداث أثناء الثورة) راوحت الثورة التونسية مكانها من حيث عدم قدرتها على تنفيذ مضامينها. لكن منسوب الفعل الثوري كان يفرض أحيانا على تلك القوى أن تنحني وتتنازل بتحقيق بعض المطالب في انتظار مرور العاصفة الشعبية.

بعد سنوات من الثورة، وبعد إنجاز العديد من الاستحقاقات السياسية، وبعد أن انتهى “الزمن الثوري” وحل محله “زمن الدولة” تراجع الفعل الشعبي لأسباب أخرى تضافرت منها أن الفرز السياسي أنتج اصطفافات سياسية جديدة أصبحت تُعلي انتماءها السياسي على أولوية الوفاء لمضامين الثورة. ومنها أيضا أن ضروبا جديدة من المقايضة تم إرساؤها وتقوم على مقايضة الأمن بالحرية، مثلما برزت لاحقا مقايضة حقوق الإنسان بمكافحة الإرهاب. وهي كلها مظاهر تقيم الدليل على أن الفعل الثوري التونسي لم “ينه أشغاله” وأن الأحزاب السياسية التي تصدرت المشهد أدارت ظهرها لهموم البلاد ويممت وجهها شطر مصالحها، ولعل الزواج الجديد بين حزبي النهضة والنداء شاهد مضاف على أن السياسة لا تعرف عدوا دائما أو صديقا دائما وإنما مصالح دائمة.

7