الانتماء المذهبي.. لا يعلى عليه

الأربعاء 2013/12/18

هناك تطورات ذات طابع إقليمي لا يمكن إلاّ التوقف عندها ومحاولة فهم أسبابها والسعي إلى العودة إلى جذورها. بين التطورات الخطيرة التي شهدها الشرق الأوسط في السنة 2013، يمكن التوقف عند تطوّر في غاية الخطورة لا يمكن إلا أن تكون له انعكاساته على دول المنطقة والحدود الدولية المعترف بها، وهي حدود قامت في مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية في عشرينات القرن الماضي.

يتمثّل هذا التطوّر الخطير في المشاركة المباشرة لـ”حزب الله”، والميليشيات الشيعية العراقية، وعناصر من “الحرس الثوري” الإيراني في الحرب السورية، إلى جانب نظام يصرّ منذ ما يزيد على ألف يوم على ذبح شعبه وتدمير المدن والقرى السورية وتفتيت البلد.

ما يجمع بين “حزب الله” والميليشيات العراقية و”الحرس الثوري” الإيراني هو الانتماء المذهبي. هذا الانتماء بات مبررا كافيا للمشاركة في الحرب السورية وذلك من منطلق أن هناك رابطا مذهبيا ما مع هذا النظام. إنه رابط لا يقيم أي اعتبار للحدود.

ولكن في الأساس، أي لدى العودة إلى الأسباب والجذور، لا يمكن الفصل بين ما نشهده حاليا من جهة، والتطوّر الطبيعي لنظام طائفي فرض نفسه بشكل تدريجي ومدروس على سوريا مستخدما شعارات حزب البعث العربي الاشتراكي من جهة أخرى.

ليس سرّا أن نقطة التحوّل التي أسست للمرحلة الراهنة كانت انقلاب الثالث والعشرين من شباط- فبراير 1966، الذي جاء بعد ثلاث سنوات تقريبا من استيلاء حزب البعث على السلطة في الثامن من آذار- مارس 1963. كانت الحجة التي اعتمدها الانقلابيون العودة عن الانفصال. كان الهدف المعلن العودة إلى الوحدة مع مصر. تبيّن أن المعلن شيء والهدف المخفي شيء آخر مختلف كلّيا عن الشعارت المرفوعة.

في العام 1966، بدأ صعود نجم حافظ الأسد الذي أصبح وزيرا للدفاع. إلى جانب الأسد، بل في موقع متميّز حزبيا، كان الضابط العلوي الآخر الذي اسمه صلاح جديد.

في 1966 أيضا، بدأ التخلص من مدنيي البعث ثم التخلص تدريجا من الضباط السنّة الآتين من المدن الكبيرة، دمشق وحلب وحمص وحماة، وصولا إلى التخلص من الضباط الدروز والإسماعيليين الذين كان لهم وجود قوي في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.

بعد 1966، صار الضباط العلويون في السلطة. أبقوا على غطاء سنّي، إذ ظلّ نورالدين الأتاسي رئيسا للجمهورية، لكنّ حافظ الأسد الذي احتكر السلطة كلّها بعد انقلاب تشرين الثاني-نوفمبر 1970، وأدخل صلاح جديد ونورالدين الأتاسي السجن، تصرّف منذ وصوله إلى موقع رئاسة الجمهورية في بداية العام 1971 بما يوحي بأنّه لم يعد فـــي حــــاجة إلى الغطاء السنّي.

اعتقد حافظ الأسد أن لديه ما يكفي من الأوراق التي تسمح له بالسيطرة على سوريا بغض النظر عن انتمائه إلى أقلّية مضطهدة تاريخيا. بين هذه الأوراق شخصيته الطاغية والدهاء وتحالفه مع سنّة الأرياف، فضلا عن التوازنات الإقليمية والدولية التي أقامها، بما في ذلك دخوله لبنان عسكريا من أجل ضبط “المسلحين الفلسطينيين” ثم الوقوف مع إيران في الحرب التي خاضتها مع العراق بين 1980 و1988.

لكنّ الأسد الأب لم يقبل في أيّ وقت، على الرغم من الحلف الذي أقامه مع إيران، التخلي عن علاقاته العربية، خصوصا مع دول الخليج، على رأسها المملكة العربية السعودية.

استطاع الأسد الأب تحويل سوريا إلى لعبة بين يديه. ما لبث أن سلّم اللعبة إلى نجله بشّار الذي لم يكتف بتغيير طبيعة التحالف القائم بين دمشق وطهران، بل جعل مستقبل نظامه رهنا بإرادة إيران، خصوصا بعدما خرج الجيش السوري من لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط- فبراير من العام 2005، وبعد تخليه عن أوراقه العربية في اللحظة التي دخل فيها في مواجهة دموية مع الشعب السوري في آذار- مارس 2011.

لم يحسن الأسد الابن التعاطي مع تلك اللعبة التي ورثها عن والده ولا إدارة شبكة العلاقات والتوازنات التي عرف حافظ الأسد التحكّم بها. سقط في امتحان التعاطي مع اللعبة التي اسمها سوريا بعدما تركها لإيران. النتيجة هي ما نشاهده حاليا من انقسام مذهبي لا سابق له في الشرق الأوسط حيث للمرّة الأولى يتفوق المذهب على كلّ ما عداه.

هذا الحدث، الذي نرى فيه “حزب الله” وهو لواء في “الحرس الثوري” الإيراني يحارب خارج الحدود اللبنانية، دليل على أن الرابط المذهبي بات الأقوى. لم تعد للحدود بين الدول قيمة. وما ينطبق على الحدود اللبنانية ينطبق أيضا على الحدود العراقية. هناك بكلّ بساطة قرار إيراني عابر للحدود والدول بمنع سقوط النظام السوري من منطلق مذهبي بحت. هل يمكن للمذهبية إنقاذ نظام فئوي؟ ربّما لن تدرك ايران أن ذلك مستحيل.. إلا بعد تفتيت سوريا. هل صار تفتيت سوريا بديلا من القدرة على وضع اليد عليها؟

في الانتظار، وفيما العالم على مشارف سنة جديدة، لم يعد مفرّ من الاعتراف بأنّ المسّ بحدود الدول في الشرق الأوسط لم يعد مستبعدا، وذلك في زمن صار المذهب فوق الدولة وفوق كلّ ما له علاقة من قريب أو بعيد بالسيادة.

أين سيادة لبنان؟ أين سيادة العراق؟ أين سيادة سوريا نفسها التي يقبل من على رأس النظام فيها الذهاب إلى النهاية باللعبة الإيرانية، علما أن هذه اللعبة يمكن أن ترتدّ على أصحابها يوما؟

من يحتاج إلى دليل على مدى خطورة هذه اللعبة، لديه صعود التطرّف من كلّ حدب وصوب في ما بات يعرف بـ”الساحة السورية”. صارت التنظيمات المتطرفة السنّية تسرح وتمرح في كلّ المناطق. باتت هذه التنظيمات الحليف الجديد غير المعلن للنظام وعرّابه الإيراني اللذين يعملان من أجل القضاء نهائيا على سوريا التي عرفناها تحت شعار يقول أن الانتماء المذهبي يعلو ولا يعلى عليه.

هل هذا هو الشرق الأوسط الجديد الذي وعدتنا به الولايات المتحدة والمحافظون الجدد، والذي يبدو أن الإدارة الديمقراطية الحالية تنفّذه.. ولكن على طريقتها؟


إعلامي لبناني

8