الانتهاكات بالموصل تزرع بذور حرب طائفية جديدة

سوء التصرّف في النصر العسكري المتحقّق على تنظيم داعش في الموصل، وحشر أحد مكوّنات المجتمع العراقي في زاوية الاتهام بتوفير الحاضنة للتنظيم المتشدّد ومعاملته معاملة الطرف المهزوم في الحرب، عوامل تؤسّس لمرحلة عراقية جديدة لا تختلف عن سابقتها في ارتفاع منسوب الطائفية والتشدّد وما ينجم عنهما من صدام وعدم استقرار.
الجمعة 2017/07/21
تأسيس للحقد والنقمة

الموصل (العراق) - لم تتوقّف أنباء الفظاعات التي تجري في مدينة الموصل بشمال العراق عن الورود رغم بلوغ الحرب المدمّرة التي دارت ضدّ تنظيم داعش بالمدينة نهايتها بهزيمة التنظيم واستعادة آخر ما بقي تحت سيطرته من أحياء.

ويرى متابعون للشأن العراقي أنّ الانتهاكات المستمرة التي تقوم بها القوات العراقية وميليشيا الحشد الشعبي في المناطق التي تستعاد من داعش ومن بينها الموصل، تؤكد ما حذر منه الكثيرون من أن يكون تسليم الموصل للتنظيم ومن ثم القيام باستعادتها باعتبارها أرضا محروقة هما جزء من مسلسل ذرائعي القصد منه تدمير المدينة التاريخية وإبادة جزء من سكانها وحرمان مَن تبقى حيا منهم من إمكانية العيش فيها.

ويقولون إنّ الوثائق المصورة وأقوال شهود العيان بشأن تلك الانتهاكات تثبت مجدّدا أنّ ما جرى ويجري في الموصل لا يختلف في شيء عما شهدته المناطق ذات الأغلبية السنية التي سبق تحريرها من قبضة داعش وهو ما لا يمكن إنكار ما تميز به من طابع انتقامي على أساس طائفي.

ويظهر ذلك أنّ الحكومة العراقية، وهي أضعف الأطراف في الصراع، لم تتخذ الاحتياطات المناسبة لمنع الانزلاق إلى هاوية التفسير الطائفي لتصرفات مقاتليها الذين لم يخفوا رغبتهم في أن يقتدوا بمقاتلي داعش في معاملة المدنيين بوحشية.

ولخّصت صحيفة الديلي تلغراف البريطانية الوضع في الموصل بعد استعادتها من داعش في مقال لجوسي إنسور بعنوان “الموصل تحررت من تنظيم الدولة الإسلامية إلاّ أن قصص الرعب مازالت مستمرة فيها”، قالت فيه إن “العراق يتجه نحو حرب طائفية”. وأضافت “في البدء، تم الكشف عن الجثث التي عثر عليها وقد أغمضت أعين أصحابها وألقيت على قارعة الطرقات، ثم ظهرت صور الشباب المعلقين من أيديهم وأرجلهم المكبلة وهم يتعرضون للجلد”.

وأردفت صاحبة المقال أنه “في الوقت الذي شارفت فيه معركة الموصل على الانتهاء، أضحى القتل والتعذيب أشد قسوة واتضحت من ورائه الدوافع الانتقامية”.

ويظهر أحد تسجيلات الفيديو جنودا عراقيين ينهالون ضربا على من يزعمون بأنهم عناصر من تنظيم داعش ثم يلقون بهم من مكان شاهق ويطلقون عليهم الرصاص وهم ممدون على الأرض، بحسب مراسلة للصحيفة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط.

وعلّل أحد الجنود المشاركين في تلك الأعمال ما حدث بأن عناصر التنظيم فعلوا ذلك بابن عمه.

أما أكثر الصور الصادمة، بحسب الصحيفة، فهي تلك التي تظهر أكثر من مئة صبي ورجل عراقي جالسين في قاعة صغيرة لا يستطيعون الوقوف فيها، وقد بدت حالة الهزال عليهم وعدم قدرتهم على الحركة بسبب تلاصق أكتافهم مع بعضهم البعض، كما أن القاعة بلا تهوية في درجة حرارة تجاوزت حينها 45 درجة.

وصرح أحد الحراس لصحافي من الأسوشيتد برس بأنّ الحكومة العراقية تعتقل أكثر من 370 ألف شخص. وأضاف أنّ السجناء مصابون بالكثير من الأمراض ومنها الأمراض الجلدية وأغلبهم لا يمكنهم المشي بسبب تورم أقدامهم. وقال أحد السجناء إنه محتجز في مركز الاعتقال منذ 6 شهور ولم ير الضوء إلا مرة واحدة، مضيفا أنّه لا يمكن العثور بين هؤلاء على أشخاص توجد إثباتات دامغة على انتمائهم إلى داعش. وأوضحت كاتبة المقال أن “التعطش للانتقام تزامنا مع الانتصارات التي حققها الجيش العراقي، يؤجج العنف”.

وختمت بالقول إنه “في حال استمرار الانتهاكات فإن ما سنراه هو انجذاب الشباب السني للانضمام تحت لواء أي تنظيم متشدد آخر”.

ويواجه سكان الموصل هذه السلوكات الانتقامية بعد ما قدّموه من خسائر جسيمة في الحرب التي دارت داخل أحيائهم السكنية. وتتحدّث التقارير عن مقتل أكثر من 40 ألف مدني في معركة الموصل قضوا بنيران القوات العراقية والتحالف الدولي اللذين استخدما قوة نارية غير مناسبة لحرب المدن، وأيضا بنيران تنظيم داعش الذي حرص على منع المدنيين من مغادرة المدينة رغبة في الاحتماء بهم كدروع بشرية.

3