الانحطاط والغوغائية والتوحش

الأحد 2016/05/22

لم أتمكن يوماً من فهم الشخصيات التي تتلذذ بالعنف، سواء كان عنفاً لفظياً أو جسدياً، أو على مستوى الدول فيما يسمى مصطلحاً بالقمع أو إرهاب الدولة.

عرفنا كشعوب عاشت وتعيش في منطقة استقطبت تاريخياً جحافل من الغزاة والمستعمرين تجارب أليمة لمجازر وجرائم ترسخت في ذاكرتنا كوصمة عار أزلية، درسناها كتلاميذ وتحدثنا عنها لأبنائنا ضمن حالة من الاستهجان لانحدار البشرية نحو ذلك الدرك الأسفل من الوحشية التي قد يصل إليها الإنسان تحت غطاء من السياسة والدين والسيطرة، وبمسمّيات عديدة سوغت لمرتكبيها ارتكابهم لتك الجرائم أمام جمهورهم والتي لم تكن يوماً إلا كذبا وقناعا لوحشية تخجل الحيوانات منها من أجل السيطرة.

يشهد التاريخ أن كل مرة كان العنف فيها الأداة المستخدمة لقمع المقاومة وتكريس الاستبداد كانت النتيجة انكسار تلك القوى لصالح الشعوب والمبادئ بفاتورة كبيرة من الدماء والزمان في المآل النهائي.

أما ما لا يمكن فهمه وتسويغه في عصرنا الحالي، هو حالة التوحش التي نمارسها كشعوب ضمن حالات الاقتتال الأهلي تحت غطاء السيطرة والدين والسياسة مرة أخرى، لأن المجرم في هذه المرة ليس محتلاً عابراً أو غازياً مارقاً، بل هو ذاته من تشاركت وإياه الهواء والسماء والرغيف وربما قرابة الدم و شراكة التاريخ.

ما لا يمكن فهمه في هذه المرحلة من تاريخ شعوبنا في المنطقة كيف نقتل بعضنا بعضاً ونتباهى ونتفاخر في كمّ الجثث المخلّفة على جانبي الجبهات على مستوى المدنيين وأولاد البلد!

كيف يمكن أن تتحول الصورة المخلدة للحظات التي نعيشها كبشر، من صورة تؤرشف حياتنا وأسرنا وحوادث سعيدة عبرنا بها إلى صور تجمعنا مع الجثث يتم التقاطها بأجهزة الموبايل ” السيلفي” أو الكاميرات وكأنها انتصار لنا وهزيمة للجثة المدماة تحت أقدام القاتل أو المعلقة إلى جانبه أو خلفه ضمن تناقض الحداثة والوحشية معاً..

إنها القمة، لكنها قمة الانحطاط والغوغائية والإجرام وانهزام الإنسانية لصالح الإجرام والتوحش!

لا يمكن لشعوبنا أن تتطلع إلى المستقبل، إذا كانت ترى في الحضارة والتقدم أدوات لأرشفة الإجرام أو السادية، ولا يمكن لنا أن نصل إلى ما حلمنا به من حرية وعدالة إذا كانت الغاية تبرّر الوسيلة، وإذا كان رفض الضحية لحالة المظلومية قد يؤدي بها للتحول إلى جلاد، كما لا يمكن للأنظمة العربية أن تستمر بغّيها وظلمها وسيطرتها مهما تمادت في استخدام القوة والعنف لقمع إرادة الشعوب وتطلعاتها نحو الحرية وطلباتها المشروعة في الديمقراطية وتداول السلطة وتأسيس دول المواطنة، كما أن الوحشية والإرهاب لا يمكن أن يكونا أداة الترويج لفكرة سواء كانت تلك الفكرة هي الدين أو الأيديولوجيا!

تفتقد شعوبنا ضمن حالة الغليان التي تسببت بها أنظمة الاستبداد والسياسات الدولية وتراكم استلاب العدل والإنصاف إلى القدرة على الحوار وانتهاج فكر اللاعنف كأداة للمقاومة والتغيير، وتستغل المجموعات المتطرفة والأنظمة والقوى المتعددة الوليدة من رحم الحروب ذلك الفقدان لاستقطاب الشباب الضائع كوقود لمعاركها من أجل السيطرة .

حيث تعتبر الرغبة بالسيطرة هي الأسّ والجذر لكل ظواهر العنف بدءاً من الفرد تجاه الفرد مرورا بالعنف الأسري وصولاً للحروب وقمع الأنظمة لشعوبها وقمع الدول الغنية للدول الفقيرة والنامية الراغبة بالنمو والحصول على مساحة أكبر من العدالة والمساهمة في الرصيد الحضاري للإنسانية.

تخطيط: ساي سرحان

ويعتبر استغلال الدين والعادات والتقاليد والرغبة بالانتقام المظلة الأساسية للدفع نحو ذلك العنف ويعتبر الجذر المشترك لكل المُعِنّفين تجاه المُعنَّفين. لقد آن الأوان للشعوب في دول العالم الثالث أن تنتفض على العنف بانتهاج اللاعنف في التسويق للأفكار.

لقد آن الأوان لأنظمة تلك الدول بقبول الديمقراطية والحريات العامة كأساس لاختيار الشعوب لحكوماتهم وانتهاج آليات الترويج للمشاريع السياسية والتنموية بدلا من الترويج للزعماء وعبادة الأفراد وإحاطتهم بهالات من القدسية والأساطير ت وتمجيد البساطير والعسكر على حساب المدنية والتحرر. كما أن الأوان قد آن لثورة حداثة دينية مقابل التطرف والإجبار لصالح التيسير والتخيير وفصل الدين عن الدولة وحيادية الحكومات تجاه كل مكونات شعوبها الدينية والطائفية والعرقية.

لم يجلب التطرف الديني والأيديولوجي والسياسي إلا الخراب أينما حلّ، كما لم يجلب العنف والسلاح إلا الدمار والانكسار والفقر والتخلف ولم يجلب التقوقع والانغلاق إلا مزيدا من العزلة وسوء الفهم للآخر.

إن الإيمان بحرية الاعتقاد وممارسة الحريات الدينية والفكرية وحرية التعبير وتقبل المختلف هو أساس التطور والانتقال من شكل دول الاستبداد والتخلف إلى دول المواطنة والتقدم.

كما أن غياب الثقافة والمثقفين عن الانخراط في حراك الشعوب وتحريكها ساهم بشكل أساسي في انتشار الفكر الظلامي إلى جانب العامل الأساس المتمثل بغياب تحقيق العدالة والإنصاف للشرائح المقهورة في تلك المجتمعات والدول.

يساهم الإعلام العربي الرسمي وغير الرسمي في تأجيج الطائفية وخطاب الكراهية في ظل التعامي عن مستنقع الدماء الذي نتركه كإرث ثقيل لأبنائنا، ويساهم التنازع الطائفي والقومي في بلداننا لمصالح القوى الإقليمية والدولية في استعار النيران التي تلتهم الحجر والبشر حيث تخسر الإنسانية مرة أخرى مقابل الاستبداد والظلم والظلامية.

نحتاج اليوم أكثر من أيّ وقت مضى لوقفة مع الذات تليها ثورات لاعنفية لصالح التغيير الجذري على مستوى المجتمع والأنظمة.

نحتاج اليوم لثورة في المفاهيم والسياسات الدولية والقانون الدولي تؤدي لتغليب الشرعة الدولية لحقوق الإنسان على المصالح الضيقة ومناطق النفوذ وسيطرة الدول الكبرى على دول العالم النامي.

لربما يقول القارئ هذه الثورة هي حلم وتنظير لا سبيل لتحقيقه وأقول الفكرة والنظرية أساس صالح للإثبات من خلال التجربة. وبما أن نظرية العنف قد ثبت فشلها من خلال التجربة فقد آن الأون لتجريب نظرية أخرى تسمى اللاعنف.

كاتبة من سوريا مقيمة في عمان
11