الانسحاب الأميركي السريع من سوريا مستبعد

دبلوماسيون أوروبيون: لا يمكن للغربيين الانسحاب طالما لم يتم القضاء كليا على تنظيم الدولة الإسلامية ولم يتم تنفيذ حل سياسي.
الأربعاء 2018/04/04
الانسحاب يخدم مصلحة إيران

واشنطن – رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب برهن في أكثر من مناسبة أنه يفي بوعوده “المتهورة”، كما هو الحال مع إعلان القدس والانسحاب من اتفاقية المناخ واتفاقيات الهجرة والشراكة عبر المحيط الهادئ… إلا أن احتمالات انسحاب القوات الأميركية من سوريا  ضئيلة، وقرار التنفيذ مستبعد ميدانيا في الوقت الحاضر لما سيعنيه من انتصار لروسيا وإيران.

وقال ترامب الخميس في خطاب ألقاه في ولاية أوهايو “سنخرج من سوريا في وقت قريب”، مضيفا “قريبا جدا، سنسيطر على مئة في المئة من الخلافة كما يسمونها” في إشارة إلى المناطق الشاسعة التي احتلها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا بين 2014 و2017.

كما أمر ترامب، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال، بتجميد أكثر من مئتي مليون دولار من الأموال المخصصة لإعادة إعمار سوريا، في معلومات لم يتم تأكيدها ولا نفيها رسميا.

وقال مسؤولون إن تصريحات ترامب لم تكن هفوة ولا خطأ، مشيرين إلى أن الرئيس كان ينتقد منذ عدة أسابيع فكرة الالتزام الأميركي بعيد الأمد أو حتى متوسط الأمد في شرق سوريا حيث تنشر واشنطن حوالي ألفي جندي في إطار مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي حال انسحاب الولايات المتحدة من سوريا، فذلك سيتعارض مع استراتيجية “إرساء الاستقرار” في المناطق المحررة إلى حين التفاوض برعاية الأمم المتحدة على تسوية للنزاع في سوريا، وهي استراتيجية يدعو إليها الأوروبيون.

وفي مطلق الأحوال، يعتبر الدبلوماسيون الأوروبيون الذين فوجئوا بتصريحات ترامب، أنه لا يمكن للغربيين الانسحاب طالما لم يتم القضاء كليا على تنظيم الدولة الإسلامية ولم يتم تنفيذ حل سياسي.

كما أن الانسحاب المبكر سيطعن في الجهود التي يبذلها وزير الدفاع الأميركي جايمس ماتيس منذ عدة أسابيع لإقناع تركيا بوقف عمليتها العسكرية في شمال سوريا ضد وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة “إرهابية” فيما هي حليف أساسي لواشنطن في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية.

انسحاب مستبعد
انسحاب مستبعد

وهذا ما جعل باقي الإدارة تتلقى بحذر تصريحات ترامب وقد اعتادت عدم التصدي بصورة مباشرة لمواقفه المتبدلة. ففي وزارة الخارجية، ذكر مسؤول دبلوماسي، تقول وكالة فرانس برس إنه طالب عدم كشف اسمه، أن “الولايات المتحدة تعمل يوميا على الأرض بالتعاون مع الأسرة الدولية لإرساء الاستقرار في المناطق التي يخليها تنظيم الدولة الإسلامية”.

وفي البنتاغون، شدد الكومندان أدريان رانكين غالواي على أن مهمة العسكريين الأميركيين في سوريا “لم تتغير”، مضيفا “نواصل تطبيق استراتيجية الرئيس القاضية بالانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية”.

وتقوم خطة الولايات المتحدة التي أعلنتها وزارة الدفاع في يناير وأكدها وزير الخارجية ريكس تيلرسون الذي أقصاه الرئيس لاحقا، على إبقاء وجود عسكري في سوريا “طالما أن ذلك ضروري” لمنع عودة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، وعدم ترك المجال حرا لتحرك روسيا وإيران اللتين تقدمان دعما أساسيا للرئيس بشار الأسد مكنه من استعادة أكثر من نصف أراضي سوريا.

وغالبا ما انتقد ترامب خلال حملة الانتخابات سلفه باراك أوباما لسحبه القوات الأميركية “بصورة مبكرة” من العراق، ما شكل عاملا خلف احتلال تنظيم الدولة الإسلامية أراضي شاسعة في هذا البلد، إلا أن الباحث في معهد الشرق الأوسط تشارلز ليستر أوضح أن “مغادرة سوريا ستكون بمثابة استسلام أميركي تام أمام نفوذ إيران في المنطقة”، معتبرا “من الصعب النظر بجدية” إلى تصريحات الرئيس الأميركي.وأضاف هذا الخبير في مكافحة الإرهاب “لا أعتقد أنه يفهم الوضع”، .

وقال إن بإمكان رئيس وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) مايك بومبيو، الذي سيخلف تيلرسون ومستشار الأمن القومي الجديد جون بولتون، أن “يشرحا له لماذا من مصلحتنا الآن أن نبقى عوض أن نرحل” خاتما “يُهيأ لي أنهما سيتغلبان على ميل ترامب إلى حزم أمتعته والرحيل، أقله في الوقت الحاضر”.

إلى جانب بومبيو وبولتون، هناك أطراف أخرى تلعب دورا في دفع ترامب نحو مراجعة قراره، أو تأخير تنفيذه، من هذه الأطراف السعودية، التي حذّرت ترامب من أن الانسحاب الأميركي من سوريا يعني فسح المجال أمام إيران للتمدد أكثر.

 تداعيات الانسحاب يستحضر المثل العراقي للدلالة على سلبيات القرار، فرغم أن إيران تواجدت في العراق منذ سقوطه سنة 2003، إلا أن تدخلها الأقوى والأكثر تأثيرا كان إثر قرار براك أوباما سحب القوت الأميركية من العراق، قبل أن يضطر إلى التراجع عنه وإعادة قواته إلى العراق لمحاربة الإرهاب.

وقال ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان “نعتقد بأن على القوات الأميركية أن تبقى في سوريا على الأقل على المدى المتوسط، إن لم يكن حتى على المدى البعيد”، لمنع إيران من توسيع نطاق نفوذها في المنطقة وإقامة الهلال الشيعي.

ولا يبدو أن هناك من يؤيد الرئيس ترامب في قرار الانسحاب، وتصب أغلب التحليلات والتصريحات في ذات اتجاه التحذير. وكتب جوش روجين، المحلل في صحيفة واشنطن بوست، مؤكدا أنه من الخطأ أن تتخلى الولايات المتحدة عن سوريا لمجرد أن تنظيم الدولة الإسلامية تمت هزيمته في ساحة المعركة؛ بدلا من ذلك حث روجين واشنطن على الاستفادة من حقيقة أن الولايات المتحدة، بمساعدة الحلفاء، تسيطر على نحو 90 في المئة من نفط سوريا.

 وقال إن “الهدف الأكبر لتواجد الولايات المتحدة في سوريا هو في الحقيقة احتواء التوسع الإيراني، بالإضافة إلى منع حدوث أزمة جديدة للاجئين ومحاربة التطرف ومنع روسيا من ممارسة نفوذها على المنطقة“.

فضلا عن ذلك، يرى روجين أنه إذا غادرت القوات الأميركية من المرجح أن ينقض الأكراد عهدهم مع النظام السوري تاركين السنة في مواجهة قسوة الأسد. ثم ينتقل الإيرانيون بعد ذلك إلى المنطقة، ليكمّلوا فرض سيطرتهم التي يخططون لها من طهران إلى بيروت، ويخلص قائلا “إذا لم تكن لدى ترامب استراتيجية حقيقية في سوريا، فإنه لن يمتلك استراتيجية حقيقية لمواجهة إيران”.

7