الانسحاب الأميركي يحرر خطط السعودية لبناء توازن عسكري مع إيران

التحذيرات من سباق التسلح تستهدف مصالح الرياض وتصب في صالح طهران.
الخميس 2020/05/14
تغيير الاتجاه فرصة لامتلاك زمام المبادرة

الرياض - أجمع خبراء إستراتيجيون غربيون وسياسيون سعوديون على أن سحب الولايات المتحدة بطاريات باتريوت الدفاعية المضادة للصواريخ من السعودية، سيكون فرصة للقيادة السعودية لامتلاك زمام المبادرة في إحداث توازن عسكري ونووي مع إيران، في سياق رؤية تقوم على تنويع المصادر والشركاء، وهو ما عكسته اتفاقيات سابقة للسعودية مع فرنسا وروسيا وكوريا الجنوبية.

ويعتقد السعوديون أن الاعتماد على الدعم الأميركي أمر مؤقت، وأن عليهم الاعتماد على إمكانياتهم الذاتية في حماية أمنهم القومي، وكذلك الأمن الخليجي، من الخطر الإيراني. ولهذا تحاول الرياض اللحاق بركب التنمية النووية الإيرانية بالإضافة إلى قدراتها الفضائية والصاروخية البالستية وامتلاكها الطائرات ذاتية القيادة.

ويرى مراقبون أن التحذيرات، التي تعتبر أن حصول السعودية على تقنيات عسكرية متطورة قد يذكي السباق على التسلح في الخليج والشرق الأوسط، تصب في صالح إيران؛ وإلا لكان على الدوائر الغربية المحذرة من سعي السعودية لإحداث توازن عسكري ونووي أن تضغط على إيران وتمنعها من تطوير صناعتها العسكرية وبرنامجها النووي بدل إطلاق يدها ومحاولة ترك المملكة في مربع الرهان على الحلفاء والاعتماد على حمايتهم بدل حماية نفسها وعمقها الخليجي.

جيمس دورسي: السعودية لم يعد بوسعها الاعتماد في دفاعها على الأميركيين
جيمس دورسي: السعودية لم يعد بوسعها الاعتماد في دفاعها على الأميركيين

وفي يونيو 2015، أعلنت فرنسا والسعودية عن بدْء دراسة جدوى لبناء مفاعلين نوويين في المملكة، وذلك على هامش زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس. وقبلها بأيام، زار موسكو وتوصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى اتفاق حول العلاقات التقنية والاقتصادية والعلمية للاستخدام السلمي للطاقة النووية. كما وقعت الرياض في مارس من العام نفسه اتفاقا للتعاون النووي مع كوريا الجنوبية.

وقال وقتها مارك فيتزباتريك مدير برنامج منع الانتشار النووي ونزع السلاح في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن “أفضل طريقة لتعزيز خيارات الأمن السعودي هي الشراكة مع مختلف الدول الغربية”.

وأضاف أن “اتفاق المفاعل النووي الفرنسي يوفر وسيلة أخرى من الطمأنينة من قبل الشركاء الغربيين المهتمين بمصالح السعودية”.

ويعتقد جيمس دورسي، المحلل السياسي والخبير بقضايا الشرق الأوسط، أنه من المرجح أن ترى السعودية سحبَ بطاريات الصواريخ وتخفيضَ القوات الأميركية دليلا إضافيا على أنها لا تستطيع الاعتماد بشكل كامل، في دفاعها، على الولايات المتحدة، بالرغم من المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس دونالد ترامب مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وسعى فيها إلى التهدئة.

ويشمل الانسحاب نظامين أميركيين مضادين للصواريخ من بطاريات باتريوت تم إرسالهما إلى السعودية العام الماضي لتعزيز دفاعاتها في أعقاب الهجمات الإيرانية على منشآت النفط السعودية وناقلات النفط في بحر العرب.

وذكرت تقارير أميركية أن الجنود الذين تم نشرهم بعد هجمات إيران على المنشآت والسفن النفطية يستعدون للمغادرة، بالإضافة إلى دراسة الجيش الأميركي للوجود البحري الدائم في منطقة الخليج وإمكانية تخفيضه أيضا.

وفيما يميل المحللون إلى الاعتقاد بأن التلويح بالانسحاب مجرد تهويش من إدارة ترامب الغاضبة على قرارات سعودية في إدارة أزمة النفط، فإنهم يعتقدون أنها تمثل فرصة جدية للسعودية لإظهار رغبتها في التخلص التدريجي من الحاجة إلى الوجود الأميركي والانطلاق نحو إستراتيجية الحماية الذاتية للأمن القومي بالتحالف مع شركائها الخليجيين.

وتزامن التلويح الأميركي بسحب منصات الباتريوت مع إطلاق ناجح لأول قمر استطلاع عسكري إيراني مكن من ضم إيران إلى مجموعة النخبة المكونة من حوالي 12 دولة قادرة على إطلاق مثل هذا القمر نحو المدارات. لكن الأهم أنه أشار إلى قدرة إيران على الاستمرار في السباق نحو التسلح على الرغم من العقوبات الاقتصادية الأميركية المعوقة ومخلفات وباء كورونا.

وقال الجنرال الإيراني علي جعفر عبادي، قائد قسم الفضاء بالحرس الثوري، “سيلعب القمر الصناعي دورا في مهمات الكشف وفي تقديم المساعدة الإستراتيجية للقوات المسلحة في مجالات الكشف والاتصالات والملاحة”.

وأعرب معارضو إيران في الولايات المتحدة وإسرائيل عن قلقهم من أن القمر الصناعي سيعزز قدرة الصواريخ البالستية لطهران، وهي ركيزة لإستراتيجيتها الدفاعية، وكذلك قدرة حزب الله، الميليشيا الشيعية الموالية لها في لبنان، على تحويل صواريخها وأسلحتها الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي إلى نظام الذخائر الذكية.

استعداد للمغادرة
استعداد للمغادرة

ويحمل تزامن التلويح الأميركي بالانسحاب و”تقليص الحماية” مع إطلاق القمر العسكري الإيراني مؤشّرات واضحة إلى السعودية على أن أمنها مرتهن بمزاج بعض المسؤولين الأميركيين وليس بتفاهمات واتفاقيات تؤسس لها الشراكة الإستراتيجية طويلة الأمد. ويمكن أن يضاف هذا إلى مناخ من التصريحات التي دأب عليها ترامب ومسؤولون في إدارته والتي تظهر أن السعودية ليست أكثر من جهة لتحصيل الأموال.

وتم الإعلان عن قرار سحب إدارة ترامب لأنظمتها الدفاعية من السعودية وسط تقديرات بأن تتراجع إيران تدريجيا عن الاتفاقية النووية لعام 2015 -التي قيدت برنامجها النووي- ردا على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018؛ ما قد يخفّض الوقت -الذي ستحتاجه لإنتاج ما يكفي من وقود المفاعلات النووية لصنع سلاح نووي- إلى النصف.

وكان خطر حدوث سباق تسلح واضحا في تحذير ولي العهد السعودي في ذلك الوقت من أن ترامب كان يستعد للانسحاب من الاتفاقية النووية التي “بدون شك إذا طورت إيران قنبلة نووية، فسنحذو حذوها بأسرع وقت ممكن”.

وأشار تقرير صادر عن مكتب محاسبة الحكومة الأميركية إلى أن المحادثات مع السعودية بشأن مساعدة الولايات المتحدة في إنشاء برنامج نووي مدني سعودي توقفت بسبب إحجام السعودية عن الموافقة على قيود التخصيب وإعادة المعالجة وتوقيع بروتوكول إضافي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي ستسمح للوكالة بالحصول على معلومات موسعة حول الأنشطة النووية السعودية وتمكنها من الوصول إلى المرافق.

 ويعتبر تطوير صناعة الدفاع المحلية إحدى ركائز خطة الأمير محمد بن سلمان لرؤية 2030 المصممة على تنويع الاقتصاد السعودي الذي بدأ يتراجع بسبب الكساد الاقتصادي العالمي.

وتعترض دوائر ضغط مختلفة في الولايات المتحدة على الخطوات السعودية نحو إحداث توازن عسكري مع إيران، خاصة أنها ترتبط بشراكات مع منافسين مثل الصين وروسيا، ما يهدد المزايا التي تحصل عليها الشركات الأميركية في المملكة.

أنتوني كوردسمان: الخطة السعودية لبناء صناعة دفاعية لا تعتبر أفضل طريقة لتنويع اقتصاد المملكة
أنتوني كوردسمان: الخطة السعودية لبناء صناعة دفاعية لا تعتبر أفضل طريقة لتنويع اقتصاد المملكة

وتجري محاولات لإثناء ولي العهد السعودي عن هذا المسار الصعب من خلال تحذيرات بشأن التكاليف العالية وتأثير خيار التسليح على الاقتصاد السعودي.

وحذر أنتوني كوردسمان، المحلل العسكري الخليجي بواشنطن، من أن الخطة السعودية لبناء صناعة دفاعية لا تعتبر أفضل طريقة لتنويع اقتصاد المملكة حتى لو كانت ستخلق بعض الوظائف وتعزز قطاع التكنولوجيا فيها.

وقال كوردسمان “لا توجد طريقة تقريبًا لإضاعة المال بشكل أكثر فاعلية من محاولة إنشاء قاعدة تكنولوجية فعالة أو تمويل جهود تجميع الأسلحة في مجال الصناعة والتكنولوجيا الذي يتطلب الكثير، ويقدم القليل من الفوائد الواقعية مثل خلق فرص العمل”.

وحذر من أنه “غالبا ما تكون هناك قدرة ضئيلة جدًا على استخدام التكنولوجيا اللازمة لأسلحة بعينها، خاصة المدنية منها، وأن مثل هذا الجهد سينطوي على مشاكل أخرى، فالاحتياجات المحلية لهذه الأسلحة محدودة، ومن المحتمل أن تكون السعودية غير قادرة على المنافسة في بيع هذه الأسلحة في السوق الدولية”.

ولا ينظر السعوديون إلى السباق العسكري مع الإيرانيين على أنه فقط طريق لتحقيق التوازن، وإنما هو يتنزّل أيضا في سياق مقاربتهم الباحثة عن لعب دور إقليمي أمني واقتصادي ودبلوماسي في الشرق الأوسط بما يتماشى مع وزن المملكة إقليميا، وهو ما سيمكنها من مقاربة فعالة في مواجهة الإرهاب، كما أنه سيدفع كلا من إيران وتركيا إلى مراجعة إستراتيجية التمدد في المنطقة العربية خاصة بعد تراجع الدور المصري.

ويعد إطلاق إيران للأقمار الصناعية أحدث لبنة في سباق تسلح إيران التي توجد في وضع أفضل من السعودية في هذه المنافسة في ضوء صناعة الدفاع الإيرانية القائمة بالفعل وامتلاكها قاعدةً صناعية أكثر تنوّعا.

 وتعتبر الصواريخ البالستية والطائرات ذاتية القيادة لبنات أخرى في هذا البناء.

وكشفت صور الأقمار الصناعية العام الماضي أن السعودية لديها منشأة في عمق الصحراء مصممة لاختبار وربما تصنيع الصواريخ البالستية التي من المحتمل أن تكون قادرة على إيصال رؤوس حربية نووية إلى أهداف على بعد آلاف الكيلومترات من نقطة إطلاقها. ويعتقد أن الغرض من المنشأة هو مواجهة برنامج إيران الصاروخي البالستي المتقدم.

وبالمثل، من المقرر أن تبدأ المملكة في العام المقبل في إنتاج طائرات عسكرية ذاتية القيادة تتناسب مع المركبات الجوية الإيرانية ذاتية القيادة التي تحمل قنابل ويبلغ مداها 1500 كيلومتر.

وكانت الصين قد وافقت في عام 2017 على بناء منشأة في السعودية لإنتاج الطائرات ذاتية القيادة، وهو أول موقع تصنيع عسكري خارجي للجمهورية الشعبية.

وقال ألِيساندرو أردوينو، باحث متخصص في حرب الطائرات ذاتية القيادة في معهد الشرق الأوسط بسنغافورة، “لقد أصبح الشرق الأوسط مسرحًا لحرب الطائرات ذاتية القيادة. ولقد أدى انتشارها إلى بزوغ عهد حروب جديدة ما بعد فايروس كورونا، وقلبت العقيدة العسكرية التقليدية رأسا على عقب؛ فمن اليمن إلى ليبيا وسوريا، تقاوم الأطراف المتحاربة الدعوات إلى هدنة، مرتكزة في هذه المقاومة على الطائرات ذاتية القيادة المسلحة”.

لكن جيمس دورسي يعتقد أنه ليس بوسع أي من هذه الدول في الوقت الحاضر تحمل التكلفة المالية والتكنولوجية لمثل هذه المساعي العسكرية عندما تتعرض اقتصادياتها لضربات عالمية بعيدة المدى وعندما تنهار أسعار النفط وعندما تنتشر جائحة عالمية، مشيرا إلى أن إيران تكافح من أجل التأقلم مع العقوبات الأميركية في حين تواجه السعودية مشاكل مالية مؤلمة وإصلاحات هيكلية.

1