الانسحاب النفسي للشعب الجزائري

الخميس 2015/03/19

في الندوة الصحفية التي عقدها رئيس الوزراء الجزائري السابق أحمد بن بيتور، هذا الأسبوع، رسم بعض معالم الوضع السياسي المتردي في الجزائر، مبرزا أن المحاولات غير المباشرة التي يبذلها النظام الجزائري لجس نبض الشارع الشعبي بخصوص توريث الحكم لفائدة سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الحالي، لن تنجح بسبب التفتت التدريجي لأقطاب السلطة.

أحمد بن بيتور لم يحدثنا بالتفصيل وبشكل واضح كيف تتفتت هذه الأقطاب، ولم يكشف أيضا عن أوجه الصراع الخفي داخل التيارات السياسية والأمنية والعسكرية المشكلة لأجنحة السلطة. رغم بعض هذا النقص في تصريحاته وتحليلاته، فإن قراءة خارطة البنية العميقة للوضع السياسي الجزائري الراهن تؤكد للمحلل السياسي أن المقصود بهذا التفكك الذي يشير إلى عدد من فروعه هو مجموعة من الانهيارات المتتالية التي تعري النظام الحاكم، وتسقط مصداقيته باستمرار، وفي مقدمتها الفشل الذريع في إيجاد حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية التي بدأت تطفو بوادرها إلى السطح بشكل معقد ودراماتيكي خاصة بعد انهيار أسعار البترول والغاز في الأسواق العالمية، وتوسع سخط إطارات التعليم عبر البلاد كلها مما ينذر بتفكك هذه المنظومة الهشة التي تنخرها الإضرابات المستمرة المتزامنة مع مطالبة النقابات وزيرة التربية الوطنية بالاستقالة، فضلا عن تخلف مناهجها وبرامجها وتفقير إطاراتها التي أصبحت يائسة من الوعود البراقة التي لوحت ولا تزال تلوح بها الحكومات السابقة، وحكومة الوزير الأول عبدالمالك سلال الآن على نحو مراوغ، دون أن تجد تحققا ملموسا لها في الميدان.

مما لاشك فيه أن التفتت يشمل أيضا غياب أي شراكة حقيقية بين أحزاب الموالاة رغم إظهار نفسها وكأنها متماسكة وتجمعها أرضية واحدة وهي التصدي للمعارضة التي لا تقل بدورها تشتتا وفقرا سياسيا وفكريا، وابتعادا عن واقع الشعب الجزائري المخيب. في هذا السياق يضيف أحمد بن بيتور معلما آخر إلى قائمة العوامل التي تنذر بفقدان النظام الجزائري الحاكم لزمام الأمور، وهو تبخر ما يسمى بشعار الإصلاحات السياسية التي رفعها النظام منذ سنوات، منها إلغاء حالة الطوارئ التي لم تنه مظاهر العنف في البلاد، ومواصلة فتح المجال لإنشاء أحزاب جديدة التي تميزت بالعشوائية وبأسلوب الرقصة الأسبانية (خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء)، واتباع سلوك السلحفاة والحرباء بخصوص تعديل الدستور الذي ينتظر أن يكون على مقاس الرئيس بوتفليقة وحاشيته في أجهزة الدولة.

يؤكد بن بيتور أن الحل لن يكون سياسيا سلسا، بل إن الجزائر مقبلة على ما يدعوه بالفوضى التي ستعم البلاد بعد عامين، وهو بهذا التحليل يستند إلى التمهيد الأولي لتململ الأوضاع المتمثل في احتجاجات سكان الجنوب ضد استخراج الغاز الصخري الذي سيلحق أضرارا بالغة بأمنهم المائي والزراعي والفلاحي، وإلى استمرار نزول أسعار النفط الذي يعد الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني في الأسواق العالمية.

لاشك أن بعض أراء بن بيتور صائبة، وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى عناصر أخرى لم يسلط عليها الضوء، منها فشل التعددية الحزبية في الجزائر جراء سيطرة رئيس النظام الحاكم على كل القرارات ذات الطابع الداخلي وذات الطابع الخارجي الأمر الذي حول الأحزاب، بما في ذلك أحزاب المعارضة، إلى ديكور فضفاض لا يحل ولا يربط.

ففي تقديري فإن هناك عوامل أساسية أخرى حالت، ولا تزال تحول، دون بروز قوة شعبية موحدة ومؤهلة لكي تنجز فك الارتباط مع ثقافة الدوران في فلك مظاهر الامتعاض الفردي أو النخبوي أو الشللي أو الجهوي، ومن سذاجة الانفعال الغريزي المتقطع، وممارسة نمط من التظاهرات والمظاهرات الشكلية، والانتقال ضمن إطار منظم وبنية فكرية واضحة، وبرنامج سياسي مؤسس على مصلحة الشعب إلى النضال الشعبي الميداني في صورة ثورة شعبية حقيقية ومستمرة ومنهجية ضد النظام الحاكم وبؤر الفساد فيه. إن هذه العوامل المعرقلة تتمثل في عدة مسائل جوهرية كثيرة أخرى يمكن تلخيص بعضها بإيجاز في النقاط التالية:

1 - إصابة ما يدعى بثورات الربيع العربي في بلدانها بالكسوف، وإبعادها عن الغايات الكبرى، وفي صدارتها كرامة المواطنين والمواطنات وحرياتهم والعدالة والديمقراطية والرفاه الاجتماعي، وكذلك إجهاض طموحات القوى الوطنية في الوصول إلى سدة الحكم في إطار أخلاقيات التداول عليه سلميا. هذه الغايات الكبرى التي حركت الضمير الشعبي العفوي ضد الأنظمة الدكتاتورية في مجتمعاتنا قد طمست وشوهت، للأسف، باقتتال الطوائف والقبائل، وبتسلل الانتهازيين إلى صفوف التحركات الشعبية، وبالحرب المضادة من طرف الأنظمة المرفوضة شعبيا. هذه العناصر مجتمعة لعبت أدوارا في خلط الأوراق، فضلا عن سلبية دخول القوى الأجنبية في هذا المسار الذي كان يمثل بارقة الأمل لدى مواطنينا. لاشك أن لهذا العامل المذكور آنفا تأثيرا سلبيا قويا، بل حاسما على فئات الشعب الجزائري وساهم فعليا في انسحابها من مسرح التمرد الفعلي، وفي ركونها إلى أقفاص الصمت والكآبة حينا، وإلى العمل على صعيد الممارسة اليومية بشعار “دع الفخار يكسر بعضه البعض”، إشارة إلى فخارين، النظام الحاكم التعسفي، والأحزاب والتيارات التي تدعى شكلا بالمعارضة.

2 - تبعثر الأحزاب الجزائرية، وانقسامها إلى أحزاب موالاة، وإلى أحزاب تبحث عن السلطة، وأخرى اخترقها وصار في صفوفها المتقدمة أشخاص محسوبون على النظام الحاكم وأجهزته المختلفة، فضلا عن ابتعاد كل هذه الأشكال من المعارضات عن النبض الشعبي وعن القضايا الحقيقية للناس.

3 - وجود تحالف، أو تواطؤ ضمني بين الطرف المدني في سدة الحكم وبين الجيش والأمن، فضلا عن وجود انقسامات وتبعثر الولاءات بين العنصرين الأخيرين، حتى ولو لم يكن ذلك ظاهرا على السطح. إلى جانب هذا هناك أيضا عامل تفتيت اللحمة التاريخية بين صفوف الشعب نفسه، والمثال على هذا في هذه اللحظات هو عدم خروج مواطني شمال البلاد للتضامن مع احتجاجات مواطني الجنوب، ولامبالاة مواطني الولايات الأخرى التي تمثل الأغلبية سكانا ومساحة في السابق باحتجاجات المنطقة الأمازيغية السلمية أثناء مطالبتها بالاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ولم تصغ لها على مدى سنوات طويلة تميزت بالبطش والقتل وإيداع الناس في السجون منذ عهد الرئيس أحمد بن بلة مرورا بعهد الرئيس هواري بومدين حتى عهد الرئيس الشاذلي بن جديد وانتهاء بعهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الذي رفض ولا يزال يرفض ترسيم هذه اللغة.

4 - إجماع كل الأحزاب، بما في ذلك شخصيات المعارضة، على انتهاج الرأسمالية البشعة، التي تقهر العمال والفلاحين الذين يتعرضون للاستغلال وللتهميش الاجتماعي والتفقير المنهجي، تحت شعار “رأسمالية الدولة” التي هي في الحقيقة ليست سوى رأسمالية النظام الحاكم بكل أجهزته إلى جانب النخبة الموالية له والمشكلة اجتماعيا واقتصاديا من الأثرياء القدامى والجدد المنتفعين من السلطة التي تستخدمهم بطرق متنوعة كخنادق تساعدها على فرض الهيمنة.

كاتب جزائري

9