الانسحاب من أفغانستان يسمح للولايات المتحدة بالتفرغ للتحدي الصيني

واشنطن أمام تحدي وقف توسيع الصين لنفوذها في المحيطين الهندي والهادئ.
الأحد 2021/08/22
مهمة أخرى في الانتظار

يسمح الانسحاب الأميركي من أفغانستان للولايات المتحدة بالتفرغ للصين باعتبارها منافسا لها على مختلف الأصعدة الاقتصادية والعسكرية وغيرها، حيث يرى مراقبون أن واشنطن قد تتجه إلى توسيع مشاركتها وحضورها في المحيطين الهادئ والهندي لمزاحمة بكين هناك.

لندن - لا يزال صدى الانسحاب الأميركي من أفغانستان يتردد بما رافقه من اضطرابات كارثية ما أثار مخاوف جدية في عواصم شرق آسيا، حيث تركت مشاهد الأفغان اليائسين الذين يحاولون الحصول على مكان في طائرة عسكرية أميركية تغادر كابول صورة لن تمحى عن تراجع القيادة الأميركية.

وبالرغم من أن العالم كان يشهد حالة من الذهول إزاء ما حدث إلا أن الدول الآسيوية لا ترى في الاضطرابات التي عرفتها أفغانستان حدثا يمثل تحولا كبيرا في سياسة الولايات المتحدة الخارجية.

فقد كانت إدارة أوباما هي التي قررت الانسحاب كجزء من انسحاب أوسع من الشرق الأوسط الكبير، وتفاوضت إدارة ترامب مع طالبان لوضع الشروط، ولم تنفذ إدارة بايدن إلا ما يعرف الجميع بالفعل أنه سياسة أميركية، حتى لو كان توقيت الانسحاب وطريقته معيبين.

هيرويوكي أكيتا: على واشنطن أن تقلل اعتماد دول المحيط الهندي والهادئ على بكين

والآن تراقب الدول الآسيوية عن كثب انتهاء التدخل العسكري في أفغانستان لمعرفة كيف سيؤثر على نهج الرئيس الأميركي جو بايدن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولا تعتقد الحكومات من طوكيو إلى تايبيه أن للاضطرابات في أفغانستان تداعيات سلبية على المحيطين الهندي والهادئ لأسباب ليس أقلها أهمية منطقتها الجيوستراتيجية. وعلى العكس من ذلك يسمح الانسحاب الأميركي من أفغانستان لواشنطن بالمشاركة بشكل أعمق في المحيطين الهندي والهادئ في سياق المنافسة مع الصين.

وحتى الآن أشاد جيران الصين الإقليميون بدبلوماسية بايدن، ليس لأنه يفعل أشياء جديدة جوهريا ولكن لأنه يواصل سياسات إدارة ترامب في المحيطين الهندي والهادئ، تماما كما فعل في أفغانستان.

وعرّف بايدن، مثل سلفه، الصين كمنافس استراتيجي وأكد عزمه على مواجهة التحدي الذي تمثله بكين.

وتدعم دول المحيطين الهندي والهادئ هذا النهج بشكل عام. ففي حين أن هناك اختلافات من حيث قربها من الصين والتسامح مع المخاطر، لا توجد دولة تريد أن ترى بكين تهيمن على النظام الإقليمي. وستراقب العواصم الآسيوية الآن عن كثب لمعرفة ما إذا كان التحول الاستراتيجي المعلن منذ فترة طويلة نحو آسيا في الوضع الاستراتيجي لواشنطن يحدث بالفعل الآن بعد أن غادرت القوات الأميركية أفغانستان.

تسعى إدارة بايدن للبناء على سياسات سابقاتها من خلال بناء إطار عمل متعدد الأطراف للتعامل مع الصين. ففي فبراير عقد بايدن الحوار الأمني ​​الرباعي، وهو منتدى المحيطين الهندي والهادئ الذي يضم أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة.

ومنذ أبريل التقى بايدن برئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوجا ورئيس كوريا الجنوبية مون جاي إن وأكدوا أنهم سيعملون معا في ردهم على الصين، مؤكدين في وثائقهم المشتركة على أهمية السلام والاستقرار في مضيق تايوان.

تنافس اقتصادي وتجاري محتدم
تنافس اقتصادي وتجاري محتدم

واعتبر هيرويوكي أكيتا وهو زميل معلق في الشؤون الخارجية والأمن الدولي في موقع نيكي آسيا أن “هذا يعد ردعا بالكلمات يهدف إلى بعث رسالة قوية وواضحة من خلال اجتماعات القمة، والوثائق المشتركة مفادها أنه من غير المقبول أن تنقلب الصين من جانب واحد على النظام العالمي الحالي وتدعو بكين إلى ضبط النفس”. وأضاف أكيتا في تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أن “الحكومة الصينية ردت بقوة ضد مثل هذه الدعوات. ولكن بدا للجولة الأخيرة من الدبلوماسية بعض التأثير على ردع بكين”.

ومنذ توقيع اليابان والولايات المتحدة على بيانهما المشترك في السادس عشر من أبريل، تراجعت استفزازات الطائرات العسكرية الصينية تجاه تايوان بشكل كبير.

ووفقا لتحليل البيانات من وزارة الدفاع التايوانية، دخلت 248 طائرة مقاتلة أو قاذفة قنابل صينية منطقة تحديد الدفاع الجوي التايوانية على مدار 70 يوما بين السابع من يناير والسادس عشرمن أبريل. وفي السابع عشر والخامس والعشرين من يوليو حدثت مثل هذه الطلعات في أيام أقل بنسبة 30 في المئة وشملت عدد طائرات أقل بنسبة 55 في المئة.

وتبقى نية الصين غير واضحة لكن مع اقتراب الولايات المتحدة واليابان من بعضهما البعض وإبداء استعدادهما للتعاون في مضيق تايوان، قد تعيد الصين النظر في ما إذا كان تصعيد الاستفزاز العسكري فكرة جيدة في هذا الوقت.

وفي حين أنه من غير المرجح أن توقف الصين استفزازاتها العسكرية ضد تايوان، فإن دبلوماسية بايدن قد تعقد حسابات بكين على الأقل.

يرى مراقبون أن الردع بالكلمات غير كافٍ لتسجيل الولايات المتحدة وشركائها نقاطا ضد الصين ما يطرح تساؤلات عن الخطوات التالية اللازمة التي يشير هؤلاء إلى أنها تشمل العمل مع الدول ذات التفكير المماثل في المحيطين الهندي والهادئ لضمان الفوز بالمنافسة الاستراتيجية مع الصين.

تحمل مخاطر التصعيد

Thumbnail

لكن ذلك لن يكون سهلا بحسب أكيتا الذي يُضيف أنه “ما يُصعّب الأمور أكثر هو أن تحمل المخاطر في العلاقات مع الصين اختلافا كبيرا من دولة إلى أخرى. والدولتان الأكثر تحملا للمخاطر وبالتالي لديهما أكبر استعداد لمواجهة الصين هما اليابان وأستراليا. وكلتاهما حليفتان قديمتان للولايات المتحدة التي عليها التزام بالدفاع عنهما بموجب المعاهدة. ويوفر ما يقرب من 55 ألف جندي أميركي متمركزين في اليابان للبلاد مظلة أمنية. ومن المفيد أن تُفصل كل من اليابان وأستراليا جغرافيا عن الصين عن طريق البحر أيضا”.

ويوضح أنه “على العكس من ذلك، فإن دول جنوب شرق آسيا قريبة جغرافيا من الصين وتعتمد بشكل كبير على الاقتصاد الصيني ولديها قدرة أقل على تحمل المخاطر. وعادة ما تسعى لاوس وميانمار اللتان تشتركان في حدود برية مع الصين، وكمبوديا القريبة لتجنب استعداء جارتهن الكبيرة”.

ووفقا لاستطلاع حديث أجراه معهد يوسف إيشاك في سنغافورة الذي سأل المستجوبين في 10 دول في جنوب شرق آسيا عن الدولة التي يعتبرونها “القوة الاقتصادية الأكثر نفوذا” و”القوة السياسية والاستراتيجية الأكثر نفوذا”، احتلت الصين المرتبة الأولى بـ76 في المئة و49 في المئة على التوالي. ولم يذكر سوى 7 في المئة و30 في المئة من المستجوبين على التوالي الولايات المتحدة.

منذ انسحاب إدارة ترامب من الشراكة عبر المحيط الهادئ في 2016، خسرت واشنطن سنوات عديدة تعززت خلالها هيمنة الصين الاقتصادية على المنطقة

وإذا كانت اليابان ودول جنوب شرقي آسيا أكثر قدرة على تحمل المخاطر الاستراتيجية، فإن قدرة الهند وكوريا الجنوبية على تحملها أقل. كما أن الهند قوة عظمى تمتلك أسلحة نووية ولكن لديها نزاعات حدودية مستمرة مع الصين ولا تريد المخاطرة بالتوتر العسكري المفرط من خلال استفزاز الصين أكثر من اللازم.

وتعتمد كوريا الجنوبية بشكل كبير على الصين اقتصاديا فهي تتاجر معها أكثر مما تتاجر مع الولايات المتحدة واليابان مجتمعتين، ولا غنى لها عن التعاون مع الصين إن أرادت أن تحافظ على الأمل في إعادة توحيد الشمال والجنوب.

وكلما زاد التوتر بين واشنطن وبكين، زاد احتمال أن تجد الدول الأقل تحمّلا للمخاطرة نفسها طرفا في الصراع، وهي تتخذ موقفا محايدا وتتجنب دعم الولايات المتحدة.

وتدرك بكين ذلك وستستمر في تصوير واشنطن على أنها “المتطفّل” الذي يزيد التوتر العسكري في المنطقة.

وقال أكيتا إنه “لذلك ولتجنب مثل هذه النتائج سيكون من الحكمة ألّا تصعد إدارة بايدن ردعها بالكلمات. بل يجب أن تحرّك البلدان ذات التفكير المماثل بهدوء. ويجب أن تهدف سياسة الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ إلى هدفين متوسطي المدى. الأول هو إعادة بناء النظام التجاري وإعادة دمج الولايات المتحدة حيث يمكن لدول المحيطين الهندي والهادئ أن تقلل اعتمادها الاقتصادي تدريجيا على الصين. وثانيا يجب على الولايات المتحدة العمل مع شركائها لمنع التوازن العسكري في آسيا من الاختلال لصالح الهيمنة الصينية”.

التنافس التجاري

إدارة جو بايدن تسعى للبناء  على سياسات سابقاتها من خلال بناء إطار عمل متعدد الأطراف للتعامل مع الصين
إدارة جو بايدن تسعى للبناء على سياسات سابقاتها من خلال بناء إطار عمل متعدد الأطراف للتعامل مع الصين

في ما يتعلق باستراتيجية التجارة، كانت إدارة بايدن متأخرة بشكل كبير إذا كان لديها استراتيجية أصلا. فبعد انسحاب إدارة ترامب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ وبالنظر إلى المعارضة المحلية للاتفاقيات التجارية ومتطلبات الفوز في انتخابات التجديد النصفي لعام 2021، سيكون من الصعب على إدارة بايدن العودة إلى المفاوضات التجارية في الوقت الحالي.

وإذا استمر هذا الوضع، فمن المرجح أن تصبح سيطرة الصين على نظام التجارة بين الهند والمحيط الهادئ ساحقة. وإذا أخذت الصين زمام المبادرة بشكل لا رجعة فيه في النظام الاقتصادي الإقليمي فسيكون لذلك تأثير عميق على النظام الأمني ​​أيضا.

وفي نوفمبر 2020 أعرب الرئيس الصيني شي جين بينغ عن رغبته الواضحة في المشاركة في الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ المنقحة التي وقعتها 11 دولة في 2018، وهي لا تشمل الولايات المتحدة.

وهناك وجهة نظر قوية في واشنطن مفادها أن الصين لن تكون قادرة على تلبية معايير الاتفاقية المطلوبة. ولكن لا ينبغي الاستهانة ببكين.

اقتراب الولايات المتحدة واليابان من بعضهما البعض وإبداء استعدادهما للتعاون في مضيق تايوان، يدفع بالصين إلى إعادة النظر في ما إذا كان تصعيد الاستفزاز العسكري فكرة جيدة في هذا الوقت

ووفقا لمصدر حكومي ياباني تدرس بكين بجدية كيف تمكنت فيتنام التي يُعدّ نظامها الاقتصادي أقرب إلى الصين منه إلى اليابان من الانضمام إلى الاتفاقية بهدف التحضير لمفاوضات مستقبلية.

وإذ لا يزال من الصعب على واشنطن العودة إلى محادثات التجارة عبر المحيط الهادئ، فعليها على الأقل الانخراط بعمق في المجالات الأخرى التي ستحدد المنافسة الاقتصادية مع الصين في القرن الحادي والعشرين مثل القواعد والمعايير المتعلقة بالتجارة الرقمية وحماية البيانات.

لكن الوقت المتبقي للولايات المتحدة ليس طويلا، فمنذ انسحاب إدارة ترامب من الشراكة عبر المحيط الهادئ في 2016، خسرت واشنطن سنوات عديدة تعززت خلالها هيمنة الصين الاقتصادية على المنطقة.

وفي نوفمبر 2020 وقعت 15 دولة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بقيادة الصين وباستثناء الولايات المتحدة اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، لتأسيس أكبر منطقة تجارة حرة في العالم.

وتبدو الاستراتيجية الأميركية أكثر وضوحا من الناحية العسكرية حيث تحاول إدارة بايدن تحويل الموارد إلى المحيطين الهندي والهادئ للتعامل مع التوسع العسكري الصيني.

ويُجري الجيش الأميركي أنشطة استطلاعية وتدريبات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ تقريبا بنفس الوتيرة التي كانت عليها في عهد ترامب. ومع ذلك فإن هذه الجهود وحدها لا تكفي للحفاظ على توازن عسكري مستقر في المنطقة.

التفرغ للتحدي الصيني على طاولة المفاوضات
التفرغ للتحدي الصيني على طاولة المفاوضات

وأدى توسع الصين الهائل في قدراتها الدفاعية إلى قلب التفوق العسكري الأميركي في آسيا رأسا على عقب. وللصين حوالي خمسة أضعاف عدد الطائرات المقاتلة المنتشرة في المحيطين الهندي والهادئ مثل الولايات المتحدة.

ومن المتوقع أن يرتفع هذا إلى ثمانية أضعاف بحلول سنة 2025، وفقا لتقدير القيادة الأميركية للمحيطين الهندي والهادئ. وبالمثل وبحلول ذلك العام سيكون التفوق الإقليمي للصين في الغواصات حوالي 6 إلى 1 وفي السفن الحربية من 9 إلى 1.

كما يُعتقد أيضا أن الصين نشرت حوالي ألفي صاروخ أرضي متوسط ​​المدى، في حين ليس للجيش الأميركي أي منها في منطقة. وإذا استمرت هذه الفجوات في الاتساع، فقد تتعرض الأنشطة البحرية الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ إلى قيود شديدة.

ولمعالجة هذا الاختلال في التوازن وتحويل الموارد إلى المنطقة، تعمل وزارة الدفاع الأميركية على صياغة مراجعة عالمية للوضع، وهي خطة إعادة هيكلة عالمية للجيش الأميركي. ويمكن أن يؤثر الانسحاب الكامل من أفغانستان على إعادة الهيكلة هذه ويسمح بتركيز موارد أكبر على منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويبدو أن هناك أيضا نقاشا مستمرا في واشنطن حول الأصول العسكرية التي سيتم نشرها على طول ما يسمى بسلسلة الجزر الأولى في بحر الصين الشرقي والجنوب وسلسلة الجزر الثانية التي تمتد من اليابان عبر غوام إلى بابوا غينيا الجديدة في غرب المحيط الهادئ. ويجب على إدارة بايدن مشاركة أكبر قدر ممكن من المعلومات حول هذه المناقشات مع حلفائها الإقليميين حيث سيكون لها تأثير عميق على التعاون الأمني ​​في المستقبل.

وفي سبتمبر 2013 أعلن الرئيس آنذاك باراك أوباما أن الولايات المتحدة لن تلعب دور شرطي العالم. ومرت ثماني سنوات منذ ذلك الحين، ويبدو أن تصريحات أوباما تتحول إلى حقيقة حسبما شهد العالم لتوه مع انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان. وعلى الرغم من إعادة التموضع العالمي، يعرف الحلفاء مثل اليابان أنه يجب عليهم لعب دور أمني أكبر. وهذا واضح. لكن ما ينقص هو اتخاذ تدابير ملموسة للولايات المتحدة وحلفائها لإنشاء تقسيم جديد للمسؤولية والحفاظ على الاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

6