الانسداد السياسي يحيي تقسيم ليبيا إلى أقاليم

خشية متصاعدة من الإعلان عن حكومة رابعة في فزان، وفيدراليو برقة يعقدون مؤتمرا لبحث مطالبهم السياسية والاقتصادية.
الثلاثاء 2018/02/27
الفوضويون يقودون ليبيا نحو المجهول

ساهم فشل الفرقاء الليبيين على امتداد أكثر من ثلاث سنوات في التوصل إلى اتفاق يوحّد السلطة في إحياء الحدود التي كانت تقسم ليبيا قبل استقلالها سنة 1951 إلى ثلاثة أقاليم هي طرابلس وبرقة وفزان.

ورسّخ الانسداد السياسي الذي تعيشه البلاد انكفاء كل إقليم على نفسه وانشغاله بمشاكله غير عابئ بما يحدث في بقية الأقاليم.

وأعرب المستشار السياسي السابق للقائد العام للجيش محمد بويصير عن خشيته من أن تكون ليبيا تعيش مرحلة التفكك والسير نحو الاندثار. وقال في تدوينة على صفحته بموقع فيسبوك “أخشى من أن نكون بصدد معايشة مرحلة انتهاء وجود الكيان السياسي المسمى ‘ليبيا’، وأن فترة تواجده ككيان متماسك لمدة 60 عاما من 1951 إلى 2011 قد ولت بلا رجعة”.

ويرى بويصير أن “الأقاليم الثلاثة التاريخية باتت ديناميكياتها السياسية منحصرة داخل إقليمها”، مشددا على أن هذا الانحصار سينتج مع الوقت سلطة تحظى بدعم محلي وإقليمي ودولي من قبل أطراف تسعى للاستفادة من التفكك. وتعيش ليبيا منذ يوليو 2014 انقساما سياسيا بسبب انقلاب قادته ميليشيات إسلامية تحت ما سمّي حينئذ بـ”تحالف فجر ليبيا” عقب خسارة تيار الإسلام السياسي للانتخابات التشريعية.

وانقسمت البلاد في البداية إلى معسكرين، معسكر في الشرق (برقة) تقوده حكومة منبثقة عن البرلمان المنتخب، وحكومة للإسلاميين في طرابلس. وفي ديسمبر 2015 وقع الفرقاء الليبيون برعاية الأمم المتحدة اتفاقا في مدينة الصخيرات المغربية، لكن الاتفاق زاد من حدة الانقسام ولم يضف إلى ليبيا سوى حكومة وبرلمان جديدين هما حكومة الوفاق والمجلس الأعلى للدولة، بعد أن رفض مجلس النواب الاتفاق السياسي وطالب بإجراء تعديلات عليه، مازالت المفاوضات قائمة بشأنه.

وليد دوكن: إمكانية إعلان حكومة رابعة في جنوب ليبيا أمر وراد جدا
وليد دوكن: إمكانية إعلان حكومة رابعة في جنوب ليبيا أمر وراد لكن ليس في الوقت الحالي

ومنذ ذلك الحين، أصبحت حكومة الوفاق المدعومة دوليا تسيطر تقريبا على كامل المنطقة الغربية، خاصة بعدما نجحت قواتها في طرد قوات تابعة للجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر من عدة مواقع حيوية كمنطقة ورشفانة التي توصف بأنها بوابة طرابلس. أما حكومة الإسلاميين التي يقودها خليفة الغويل، فرغم فقدانها لنفوذها وسيطرتها، إلا أن ميليشيات تابعة لها مازلت تشن بين الحين والآخر هجمات على منشآت تسيطر عليها حكومة الوفاق في مسعى لاسترجاعها، كان آخرها الهجوم على مطار امعيتيقة.

ويسيطر الجيش الليبي على كامل المنطقة الشرقية باستثناء مدينة درنة التي يستعد لتحريرها من الجماعات الإرهابية.

وتنتج الحقول النفطية الواقعة في منطقة الهلال النفطي شرق البلاد، حوالي 80 بالمئة من ثروة ليبيا النفطية، لكن سكان برقة يشتكون التقسيم غير العادل للثروة، كما يتهمون المجلس الرئاسي بتنفيذ حصار عليهم وحرمانهم من ريع النفط.

ورغم سيطرة الجيش على الحقول النفطية، إلا أن عائدات بيع النفط تصب في حساب المؤسسة الوطنية للنفط الخاضعة لسيطرة حكومة الوفاق.

ويستعد عدد من نشطاء التيار البرقاوي (يدعو للفيدرالية) لعقد “المؤتمر البرقاوي الجامع” في مدينة بنغازي. وقال عضو مجلس النواب عيسى العريبي إن المؤتمر سيبحث سبل إعادة العمل بدستور 1951 و”التوزيع العادل للثروة في كامل أقاليم ليبيا”.

وكان أعضاء بمجلس النواب عن المنطقة الشرقية أعلنوا عدم اعترافهم بالهيئة التأسيسية لصياغة الدستور ورفضهم إصدار قانون الاستفتاء على المسودة الصادرة عنها.

وطالب النواب في بيان أصدروه الأسبوع الماضي بسرعة نقل مقر المفوضية الوطنية العليا للانتخابات من مدينة طرابلس، كما أعربوا عن استنكارهم لما وصفوه بالتهميش الممنهج الذي يتعرض له إقليم برقة.

ويطالب التيار الفيدرالي بالتقسيم “العادل” لثروات البلاد، أي أن يتم تقسيم الثروة النفطية بالتساوي بين أقاليم ليبيا الثلاثة، وهو ما ترفضه السلطات المركزية، التي تعتبر أنه من غير العدل منح نفس الميزانية لإقليم عدد سكانه أقل من نصف عدد سكان إقليم طرابلس.

واعتبر مراقبون أن عقد هذا المؤتمر يشير إلى أن النزعة الجهوية عادت لتطلّ برأسها مجددا وربما بشكل أعمق، أكثر تنظيما لتستهدف ما لا يمكن حلّه أو حسمه خارج الإجماع الوطني، كقضايا التشريع والطاقة والسلطة التنفيذية.

وفي الجنوب الذي يعرف تاريخيا بإقليم فزان، ازدادت الخشية من استغلال حالة التهميش والفوضى التي يعيشها للإعلان عن حكومة رابعة. وتصاعد الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية حول استعداد رئيس الحكومة السابق علي زيدان للإعلان عن حكومة انفصالية جنوب ليبيا.

لكن رئيس المجلس الأعلى لتوارق ليبيا مولاي قديدي نفى الأمر، واصفا إياه بـ”الشائعات”. وقال لـ”العرب” إن الهدف من نشر هذه الشائعات هو التشويش على مؤتمر فزان الذي عقد في مدينة سبها جنوب ليبيا منذ أكثر من أسبوع.

وأكد أن المؤتمر شدد على أن أهل فزان لا يسعون إلى زيادة التشظي بل إلى لم الشمل وتوحيد أجسام الدولة.

وفي المقابل قال الصحافي الليبي وليد دوكن، إن إمكانية إعلان حكومة في الجنوب أمر وراد جدا لكن يحتاج في البداية إلى توحيد الجنوب نفسه. وأضاف لـ”العرب” أن “العديد من الشخصيات المؤثرة في الجنوب لها ولاءات سواء للشرق أو لمعسكر الغرب”.

واعتبر دوكن أن استمرار الصراعات القبلية في الجنوب من شأنه تعطيل إعلان أي حكومة في الوقت الحالي.

ورغم حالة التهميش والاقصاء التي يعيشها الجنوب، إلا أن دوكن اعتبر أن الأصوات المنادية بالانفصال ضعيفة جدا لأن الجميع يدرك أن اتخاذ مثل هذه الخطوة ستكون نتائجها مؤلمة للغاية.

4