الانسياق وراء توبيخ النفس بقسوة يحطم أسس النجاح

نلجأ في بعض الأحيان، وبطريقة لاشعورية، إلى إلقاء اللوم على الذات وتأنيبها لمجرد خطأ بسيط ارتكبناه أو فشل عابر، ولا نعرف أننا نسيء إلى أنفسنا بهذه الطريقة وأن لوم أنفسنا مراراً وعلى أتفه الأشياء إنما هو نمط من أنماط تفتيت ثقتنا بأنفسنا واحترامنا لها.
الأربعاء 2017/09/27
لوم النفس مرارا يفتت احترامنا لأنفسنا

بعد تجربة وحيدة في الفشل قد نصاب بالخيبة لمجرد أننا فشلنا في تسويق منتجاتنا أو أخفقنا في مرحلة من مراحل عملنا، وقد نقف مكتوفي الأيدي لننتظر الموت لمجرد وعكة صحية بسيطة.

هذه الطريقة الانهزامية في لوم الذات وجلدها، يسميها علماء النفس “الكارثة” التي تحدث إخفاقاً وتراجعا كبيرا في الأداء، بسبب فشل بسيط يبتعد عن تحقيق الرغبة في البحث الدائم عن المثالية، حيث ينتهي بنا الأمر إلى تحطيم أسس نجاحنا وسعادتنا، وهذا هو الخطأ الكبير الذي نرتكبه في حق أنفسنا كما تراه الدكتورة تاشا يوريش؛ وهي أستاذة وباحثة أميركية في مجال علم النفس التنظيمي.

وتتطرق يوريش في كتابها الأخير “البصيرة” إلى مصطلح “الكارثة”، وهو الوصف المناسب لتصورات البعض عن فشل يمكن أن يوصف بأنه عادي أو حتى بسيط، كونه غير معقول ولا منطقي يظهر مصاحباً لظروف معينة يمر بها بعض الأشخاص، وهي نتاج تفكيرهم القاصر وقلة وعيهم.

ويرى متخصصون أن بعض الطرق البسيطة يمكنها أن تعد تقنيات نفسية مناسبة لمحاربة مفهوم الكارثة الذي يتسبب في الإحساس بالذنب على المدى البعيد، ومن أهمها تعزيز القبول الذاتي؛ بمعنى تقبل الخطأ والتعامل معه بموضوعية والبحث عن أسباب ارتكابه عوضاً عن تشتيت الانتباه وتضييع الوقت باللوم، مع ما يرافقه من مشاعر البغضاء التي قد توجه إلى الذات أو الآخرين، لا فرق. ولعل أفضل طريقة لتعزيز هذا القبول من وجهة نظر تاشا يوريس هي “المونولوغ” (الحوار الداخلي)، فبدلاً من أن يكون نقد الذات بهذه الطريقة “لماذا لم ألحق بالموعد؟ لماذا لم انتبه لمرور الوقت، سأخسر الكثير بسبب نسياني هذا”، يمكننا أن نستبدل الحوار الداخلي بكلمات موضوعية أكثر وأسلوب عقلاني يبحث عن السبب ويقدم التبريرات المناسبة كي لا ننساق وراء آليات توبيخ النفس بقسوة غير مبررة، كأن نقول “كان هذا خطأ، ولأنني بشر فأنا معرض لارتكاب مثل هذه الأخطاء، إنها ليست نهاية العالم”.

أما السؤال المهم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل أن ننعتها بأقسى الألفاظ ونصب عليها جام غضبنا فهو “هل كنت سأقول هذه الأشياء الفظيعة لشخص أحبه وأحترمه، إذا ارتكب خطأ ما؟”، بالطبع لا يمكننا ذلك، ولا ينبغي لنا أيضاً أن نكون هذا الشخص الذي نصب عليه جام غضبنا، فاحترامنا لذواتنا يحتم علينا أن نرفق بها، فنحن لا نستطيع أن نغير الماضي.

من جانبه يؤكد الدكتور جيفري نيفيد، أستاذ علم النفس ورئيس قسم علم النفس السريري في جامعة سانت جون الأميركية، على أن لوم النفس إذا زاد عن حده يتحول إلى شعور بالذنب مزعج، وهو شعور عديم الجدوى مثله مثل القلق تماماً، فنحن لسنا بحاجة إلى الإحساس بالسوء تجاه أنفسنا من أجل تصحيح خطأ ما، ببساطة لأننا لا نستطيع تغيير الماضي حتى لو قضينا عمرنا في الإحساس باللوم والذنب.

الحب لن يكون كافياً إذا لم يعزز بفهم الآخر حتى وإن كان طفلا صغيراً، ومن هذه الزاوية يكون الطفل صورته عن نفسه

كما أن الإصرار على البقاء في هذا الماضي قد يمنعنا من رؤية المستقبل، وهذا بدوره يمنعنا من تصحيح الخطأ، لكوننا نهدر طاقاتنا العقلية والنفسية في اجترار الحزن عليه بدلا من تعلم كيفية تصحيح أخطائنا والتخطيط لمستقبل أكثر نجاحاً، كما يقول المثل “الماضي أصبح تاريخاً، أما المستقبل فلم يكتب بعد”، والأهم من ذلك أن ارتكاب الأخطاء لا يعني بالضرورة أننا أشخاص سيئون. ويرى نيفيد أن بعض الأشخاص الذين يصابون باليأس بصورة سريعة وتحت تأثير أي نوع من الضغوط والأخطاء، مدفوعون على الدوام بالحاجة إلى الشعور بالفشل؛ يتوقعون دائماً بعد كل شعور بالسعادة أن هناك أمرا ما سيئا سيحدث، أن حياتهم تعيسة ولا أمل في تغييرها وعليهم أن يتأقلموا مع هذه الحقيقة، أو أنهم لا يستحقون حظا أفضل مما كان لأنهم أشخاص ليسوا جديرين بالنجاح ويستحقون ما يحصل لهم.

بل قد يسعى بعضهم إلى تكرار الفشل مرة بعد أخرى ومحاولة إحباط الذات أو ربما تدميرها، ليثبت للآخرين أن هذا هو قدره مهما فعل أو اجتهد وكأنه في حاجة دائمة إلى الفشل! في مرحلة الطفولة يتم تكوين أغلب القواعد العامة التي تبنى وفقها السمات الشخصية، ومنها تقدير الذات واحترامها، فربما يحصل الطفل على محبة والديه لكنه لا يجد بينهما من يفهمه أو حتى يحترمه وهذا هو الأهم.

فالحب لن يكون كافياً إذا لم يعزز بفهم الآخر واحترام كيانه حتى وإن كان طفلاً صغيراً، ومن هذه الزاوية الضيقة من الشخصية يكوّن الطفل صورته عن نفسه، ويرسم على أساسها احترامه لذاته.

أما الطفل الذي لا يحصل على حب كاف من والديه أو يفقد هذا الحب لسبب ما، فإنه يميل في الغالب إلى لوم نفسه لكونه ربما يكون قد ارتكب خطأ ما يستحق عليه هذا الجفاء، وهذا هو الفرق في وجود سمة تقدير الذات؛ فالطفل الذي يتعلم كيفية غرس هذه السمة المهمة في شخصيته قد يدرك في بعض الأحيان أن الخطأ ليس خطأه وأن جفاء والديه تجاهه قد يؤشر على خلل في سلوكهما أو تقصير في واجباتهما، وليس صادرا عن خطأ ناتج عن سلوك ارتكبه يستحق عليه أن يلوم نفسه ويشعرها بالذنب.

فإذا نجح الطفل في تجاوز هذه المرحلة من سوء الفهم مع نفسه، سيكون في الكبر شخصا جديرا باحترام الآخرين، شخصاً واثقا بنفسه ومعتداً بسلوكه، يعرف كيف يحول أخطاءه إلى عتبات لنجاح مقبل.

21