الانطباعية الأميركية ألوان ضوء جديد لجمهور جديد

الاثنين 2014/08/11
وليم ميريت تشيز وتشيلد هسام وإدموند تاربيل، أخذوا عن الانطباعيين طريقتهم في تصوير آثار الضوء وطبقوها على المناظر الطبيعية

باريس – نظم متحف الانطباعيين في قرية جيفرني بمقاطعة نورمانديا معرضا بعنوان “الانطباعية والأميركان” عرضت خلاله ثمانون لوحة، من بينها اثنتان وعشرون لم يسبق عرضها في فرنسا، للوقوف على دور الأميركان في استكشاف تناسق الألوان الصافية والتوليفات غير المألوفة التي وقع التوصل إليها عبر الاحتكاك بالانطباعيين الفرنسيين.

اكتشف الأميركان الانطباعية بداية من 1880 خلال المعارض الكبرى التي كانت تقام ببوسطن ونيويورك لأعلام هذه الحركة في فرنسا من كلود مونيه وإدغار دوغا وبول سيزان إلى إدوار مانيه وغوستاف كايبوط وبيير أوغست رونوار وسيزلي.

جانب منهم انجذب إلى هذا الأسلوب الفني الجديد، فمضى يستوحي منه عناصره، ويُرضخ على هديه أدواته، فيما اختار آخرون استقاء تلك الخصوصيات من مظانها فهاجروا إلى فرنسا وأقاموا بها وتعرفوا على أعلام تلك الحركة عن قرب، مثل تيودور روبنسن وجون سنغر سارجنت وجيمس ماك نيل وايستلر، وخاصة ماري كسات، أول امرأة في تاريخ الفنون الأميركية.

وكان هؤلاء من أوائل المهاجرين الذين التحقوا بالمجموعة الانطباعية الناشئة، وساهموا في وضع لبنات تلك الجمالية الجديدة. واستطاعوا، تحت تأثير الانطباعيين الفرنسيين ككلود مونيه وإدغار دوغا، أن يطوروا تناسق ألوانهم الصافية ويبدعوا تشكيلات جريئة.

أما اللاحقون كجون ليسلي بريك وتيودور وندل، فكانوا يترددون على كلية الفنون الجميلة وورش الموضة، أو يزورون “مدرسة باربيزون” -إشارة إلى قرية قرب فونتينبلو كان الرسامون يلتقون فيها- لتعلم رسم المشاهد الطبيعية، أو يخالطون الانطباعيين سواء في جيفرني أو في أرجنتوي وباريس. آخرون مثل وليم ميريت تشيز وتشيلد هسّام وإدموند تاربيل، أخذوا عن الانطباعيين طريقتهم في تصوير آثار الضوء وطبقوها على المناظر الطبيعية لبلادهم. وقد عكست لوحاتهم صورا طريفة لسواحل البحر، وألوان الريف الساطعة تحت أشعة الشمس.

من 1890 إلى 1910 تطورت الانطباعية الأميركية داخل ما سمي بـ”تجمعات الفنانين”، وهي مجموعات رسامين كانوا يعيشون معا ويلتقون في الرؤى الفنية، ويتجمعون عادة في مدن صغرى تكون فيها المعيشة مقبولة، والمشاهد غنية بثيمات جديدة، وتحوي في منعطفاتها بعض القادرين على اقتناء أعمالهم الفنية. من أشهر تلك التجمعات كوس كوب آرت كولوني وأولد لايم بولاية كونيكتيكوت، ونيو هوب بولاية بنسلفانيا، وبراون كاونتي بولاية إنديانا.

أعمال استطاع أصحابها أن يسجلوا حضورهم في السوق الأميركية، عن طريق تطويع عناصر فنهم

وكان الانطباعيون الأميركان في مجملهم شاهدين على التحولات الاجتماعية والثقافية المتولدة عن التطور العمراني والتصنيع. إذ نقلوا نشاط الحياة بالمدينة كما في لوحة “نيويورك” لشيلد هسّام، وسكينة المناظر الريفية كما تتجلى في أعمال سارجنت وتشيز وتواشتمان، أو صوروا مواضيع حميمة داخل بيوت تنعم بالهدوء والانسجام، كما في لوحات ماري كاسّات وإدموند تاربيل وفرنك وستن بنسن.

تفرعت هذه الحركة إلى مدارس وفق تقسيم جهوي فإدموند تاربل وفرنك وستن بنسن مثلا انضمّا إلى مدرسة بوسطن المتخصصة في رسم النساء الأنيقات داخل بيوت فاخرة، فيما انضم غيرهما إلى مدارس أخرى بإنديانا وكاليفورنيا وبنسلفانيا وسواها. ثم ظهر جيل ثان من الانطباعيين المهاجرين إلى جيفرني، اهتموا برسم نسوة في الحدائق العامة ومناظر عري، وحازوا شهرة عالمية، نخص بالذكر منهم لويس ريتمان وريتشارد إميل ميلّر وفريدريك كارل فريزيكه.

ثم فتر الاهتمام بالانطباعية منذ المعرض العالمي للفن الحديث بقاعة أرموري شو بنيويورك عام 1913، واتجه الفنانون إلى التيارات الأخرى التي كانت تفد من أوروبا، حتى عام 1950، وهو العام الذي شهد إقبال عدد من كبار المتاحف في أميركا على إقامة معارض تعيد الاعتبار إلى الانطباعية ورموزها في الداخل والخارج.

يبدأ المعرض بالأعمال الكبرى لرواد الانطباعية الأميركية من المهاجرين الأوائل، مثل ماري كسات وجون سنغر سارجنت وجيمس وايستلر، للتركيز على دورهم في استكشاف تناسق الألوان الصافية والتشكيلات المبتكرة التي استوحوها من علاقتهم بالرسامين الفرنسيين.

أحيانا يتبدى التأثير بصورة متدرجة كما هو الشأن مع لوحات تيودور روبنسن وتشيلد هسّام وفيها احتفاء بالريف (جيفرني) أو المدن الكبرى (باريس، بوسطن، شيكاغو) على حدّ سواء. ثم ينتقل الزائر إلى أعمال استطاع أصحابها أن يسجلوا حضورهم في السوق الأميركية، عن طريق تطويع عناصر فنهم وجعل الأفكار الانطباعية مناسبة لاهتمامات الأميركان وأذواقهم، ورسم مشاهد متنوعة من السواحل الصخرية على المحيط الأطلسي إلى الحدائق العامة بنيويورك، مرورا بالمرأة الأميركية، ما أوجد انطباعية ذات خصوصية محلية يمكن تلخيصها في عبارة أحد النقاد: “ضوء جديد لجمهور جديد”.

ما تجدر ملاحظته أن الأميركان ليسوا وحدهم من كانوا يترددون على جيفرني، تلك القرية التي لا يتجاوز عدد سكانها في ذلك الوقت الثلاثمئة نسمة -بلغ تعدادهم الآن خمسمئة- كانت مزار فنانين من شتى أنحاء العالم، وقد كشفت دراسة أجراها بعض المتخصصين على هامش معرض آخر أقيم عام 2007 أن الفترة الممتدة من 1885 إلى 1915 شهدت قدوم ثلاثمئة وخمسة وستين فنانا ينتمون إلى ثمانية عشر بلدا إلى جيفرني ليحظوا بلقاء مونيه ويأخذوا عنه ويستفيدوا منه.

16