الانطوائي أكثر اجتهادا ونجاحا من الشخص الاجتماعي

تنعت الشخصية الانطوائية بالكثير من السلبيات والصفات السيئة، رغم ما تحويه من صفات إيجابية ومميزات، تظهر للمقربين منها والذين يتمتعون بعلاقات جيدة معها فقط، كما تتضح في حياتها العملية لتصبح أكثر نجاحا من الشخصية الاجتماعية المنفتحة.
الاثنين 2016/03/07
مع العزلة يزدهر الإبداع

تشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 45 بالمئة من الأشخاص يشعرون بآلام الوحدة في مرحلة ما من حياتهم، بحسب تفسير الوحدة بأنها ليست العيش منفردا بعيدا عن المجتمع، وإنما هي هذا الشعور العميق بأن الشخص وحيد وفي عزلة عن المجتمع، وإن كان حوله الكثير من الأشخاص، فهو شعور نفسي أكثر منه واقع مجتمعي.

وبحسب علماء النفس، فإن الوحدة لا تعتمد بالأساس على المحيط الاجتماعي للشخص من أصدقاء وعلاقات، فالبشر تتنوع شخصياتهم وصفاتهم وطباعهم أيضا، حيث يفضل بعضهم البقاء وحيدا، ويجد راحته في العزلة والبعد عن المجتمع، ويطلق عليهم الانطوائيون، في حين لا يستطيع البعض الآخر البقاء منفردا في عزلة عن المجتمع ولو لوقت قصير، ولا يجد راحته إلا في مخالطة الناس والتعامل معهم وبناء العلاقات الجديدة وتكوين الصداقات، ويُعرف هؤلاء بالاجتماعيين أو الانبساطيين.

وعلى خلاف الصفات السلبية للشخصية الانطوائية، فإن جانبها الإيجابي يتمثل في أنها تتمتع بالثقة في المقربين منها، وتتميز بالقدرة على التركيز والتفكير العميق قبل اتخاذ القرارات، كما أنها تستمتع بالوقت الذي تقضيه منفردة، لذلك فهي تفضل الأنشطة الفردية، مثل القراءة، والكتابة، واستخدام الكمبيوتر، ما يجعلها أكثر ثقافة ومهارة من الشخصية المنفتحة والاجتماعية، والتي عادة ما تتسم بالحماس، والقدرة على تكوين الصداقات، وتستمتع بالأنشطة المجتمعية، فتزداد طاقتها في التفاعل مع الآخرين على عكس الشخصية الانطوائية.

وتفيد العديد من الدراسات بأن الأشخاص الذين يستمتعون بالبقاء منعزلين، قد يكونون أكثر نجاحا بنسبة 35 بالمئة من غيرهم أصحاب الشخصية الاجتماعية المنفتحة. ففي عام 2013، أجرت مجموعة من العلماء في جامعة كورنيل الأميركية دراسة على مجموعتين من الأشخاص، الأولى تضم أشخاصا انطوائيين يفضلون الوحدة، والأخرى كان فيها أشخاص اجتماعيون، وعند منح كلتا المجموعتين مكافآت مقابل أعمالهما، كانت نسبة مادة “الدوبامين” لدى الانطوائيين أقل من نظرائهم الاجتماعيين، وهي مادة كيميائية من ضمن النواقل العصبية تؤثر على العديد من الأحاسيس والسلوكيات كما تلعب دورا أساسيا في الشعور بالسعادة والمتعة، لذلك فإن نقص نسبة “الدوبامين” لدى أفراد المجموعة الأولى، يدل على عدم سعادتهم بالمكافآت المقدمة إليهم، وذلك يرجع إلى أن الانطوائيين يفضلون التفكير في الأشياء بدقة وعناية، ففي أعمالهم يكونون أكثر تركيزا على العواقب والنجاح لا المكافأة، مما يجعلهم أكثر دقة وتركيزا، فينعكس ذلك على نتاج أعمالهم، وقد يجعلهم أكثر إنجازا ونجاحا.

وأرجع الباحثون هذا التفوق للشخصية الانطوائية في النجاح والإنجاز إلى العديد من الأسباب، منها أن الأشخاص الانطوائيين يفكرون في الأشياء بعناية وتركيز، ولديهم ذاكرة أفضل، ويستفيدون من قدراتهم الإبداعية، كما أنهم يمتلكون الحكمة في إدارة الأموال، ما يجعلهم يتخذون قرارات أقل اندفاعا وتسرعا، وأكثر حكمة وصوابا.

الأشخاص الذين يعيشون جزءا من حياتهم في عزلة يغدون أكثر نجاحا نظرا لقدرتهم على تقدير أهمية الأشياء

وفي هذا السياق يقول الدكتور شريف محمد، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة القاهرة إن الأشخاص الذين يفضلون قضاء الوقت بمفردهم يميلون إلى التفكير بعناية في خياراتهم، خاصة عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات هامة، مما يؤدي إلى زيادة احتمالية القرارات السليمة، وانخفاض معدل القرارات المتسرعة الخاطئة، فكون هؤلاء الأشخاص أقل تسرعا يجعلهم أكثر تميزا، إذ يستطيعون التعامل مع أغلب أنواع التحديات من خلال التفكير بهدوء، فيتخذون قرارات أقل اندفاعا، ما يؤهلهم لفرصة أكبر في اتخاذ قرارات صائبة.

وأوضح أن من يفضلون الوحدة يوجهون سلوكهم وفقا للعواقب والنتائج، فعادة يفعلون الأشياء كما يريدون، فهم لا يتقيدون بآراء غيرهم، ويتخذون قراراتهم بأنفسهم دون أي اعتبارات أخرى، مما يجعلهم أكثر تركيزا على القرارات الأفضل لهم، حيث لا يهتم الانطوائيون بالحصول على موافقة الآخرين، وذلك لتفضيلهم الاستقلالية وعدم التقيّد بالآخرين، فيكونون أكثر حرية في اختياراتهم، وتركيزا على إتقان العمل وفقا للمعايير الخاصة بهم، فيصبحون أكثر تقدما ونجاحا.

وتشير دراسة أجريت في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة، إلى أن الأشخاص الانطوائيين، والذين يفضلون قضاء أكثر الأوقات في عزلة عن المجتمع، يملكون ذاكرة طويلة أكثر قوة ودقة بنسبة 20 بالمئة من غيرهم الذين يملكون علاقات اجتماعية واسعة ومتشعبة، مما يجعلهم أكثر قدرة على التركيز والإنتاج، ومن ثم أكثر استعدادا لتحقيق النجاح.

كما أوضحت الدراسة، أن قدرا معينا من العزلة يكسب الأشخاص وجهة النظر الصحيحة والقرار الصواب، ويجعلهم أكثر قدرة على المشاركة الوجدانية، والتعاطف مع الآخرين، والعمل على تحسين حالة الدماغ وتنشيط خلايا المخ.

وتفسر الدكتورة نهى سامي، استشارية الطب النفسي، هذه النتائج بأن قضاء بعض الوقت منفردا يوفر للمرء تأملا عميقا بداخل ذاته، وفهما أفضل للنفس، مما يمكن من تحديد العلاقات الضرورية التي يحتاجها، ويجعل الشخص نفسيا في حالٍ أفضل، فالأشخاص الانطوائيون قد يكونون أكثر نجاحا في علاقاتهم من غيرهم، وذلك لأنهم يختارون أصدقاءهم بعناية شديدة، ولا ينخرطون في علاقات كثيرة، مما يجعلهم يمتلكون علاقات أكثر تقديرا وصدقا، تدفعهم في النهاية إلى النجاح.

وتابعت “العزلة وحدها هي القادرة على جعل الإنسان يرى الأشياء من منظور واضح، فالتأمل والتركيز العميق يظهران القيمة الحقيقية للحياة، فالأشخاص الذين يعيشون جزءا من حياتهم في عزلة يغدون أكثر نجاحا نظرا لقدرتهم على تقدير أهمية الأشياء من حولهم، واستغلالها لصالحهم في تحقيق النجاح”.

وتتحدث سامي عن مميزات الانطوائية والعزلة، فتقول “في العزلة يزدهر الإبداع، فمع الهدوء تزداد القدرة على التركيز، وسماع الأفكار، والاستماع إلى صوت العقل والتركيز على ما يريد، وهو ما يعيق التشتت، حيث تتيح العزلة البيئة الخصبة للتفكير والاستفادة من القدرات الدفينة للنفس، كما يمتلك الأشخاص الانطوائيون الحكمة في الإدارة، فمن أهم الأسباب التي تجعل الانطوائيين أكثر نجاحا من غيرهم، هو قدرتهم على الإدارة بحكمة وخاصة للموارد، وذلك بسبب قدرتهم العالية في التركيز، واتخاذ القرارات السليمة، بالإضافة إلى إدراكهم للعواقب والنتائج الإيجابية”.

21