الانفتاح على السعودية وصفة البشير لعلاج أزمته الداخلية

الثلاثاء 2016/01/12
البشير يعيد اكتشاف موقفه من إيران

الخرطوم - تشهد السياسة الخارجية السودانية استدارة كلية نحو دول الخليج بعد أن كانت بوصلتها موجهة لفترة غير قصيرة تجاه إيران.

ويأتي هذا التغير الكبير واللافت في سياسة النظام السوداني على خلفية المأزق الداخلي الذي يواجهه، سواء كان اقتصاديا أو سياسيا، والذي بات غير قادر على احتماله في ظل عزلة عربية خانقة وعدم وجود أي دعم إيراني ملموس.

ولم يكن قرار الخرطوم بسحب سفيرها وقطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران بسبب حرق السفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد، بغير بعيد عن الرؤية الجديدة للنظام السوداني.

واعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم الطيب زين العابدين، أن قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران يعكس “براغماتية سياسية” لدى الخرطوم.

وأوضح زين العابدين أن السودان يحتاج إلى استثمارات سعودية لإنعاش اقتصاده المتداعي، مضيفا أن “الحكومة تدرك أنها معزولة جدا وسط العرب وقررت أن تغير ذلك”.

ويعاني الاقتصاد السوداني منذ أكثر من 20 سنة من تدهور كبير، نتيجة العقوبات الدولية، وقد ازدادت وطأته بعد انفصال الجنوب الذي حمل معه الجزء الأكبر من الاحتياطات النفطية، وحتى رهان النظام على دعم الحلفاء، لم يأت أكله.

فعلى مر السنوات الماضية ورغم العلاقات القوية بينهما لم تقدم إيران على أي خطوة لانتشال السودان من ضائقته الاقتصادية التي تحولت إلى أزمة متجذرة، حيث لم يسجل لها أي استثمارات ذات قيمة في هذا البلد، بالمقابل حاولت طهران الاستفادة قدر الإمكان من موقع السودان الجغرافي، سواء كان لمقارعة خصومها في المنطقة أو للتمدد في القارة السمراء.

هذا الوضع دفع النظام المعروف عنه براغماتيته إلى تغيير جوهري في سياساته الخارجية، وقد بدا ذلك واضحا في نهاية العام 2014، حينما أمر مسؤولون سودانيون بإقفال المراكز الثقافية الإيرانية في الخرطوم، متهمين موظفيها بنشر المذهب الشيعي في بلد يشكل السنة أكثرية سكانه.

خطوات الخرطوم لمهادنة المملكة العربية السعودية تتالت بعد ذلك عندما قررت منتصف العام الماضي إشراك قواتها في عملية عاصفة الحزم لمواجهة المتمردين الحوثيين (موالين لإيران) في اليمن.

وقال المحلل السياسي المستقل مجدي الجزولي “المحرك لعلاقة السودان الخارجية الوضع في بنك السودان”، في إشارة منه إلى اقتصاد البلاد الكلي.

ولئن كان الوضع الاقتصادي يحتل الأولوية في انفتاح السودان على دول الخليج فهناك، وفق البعض، عوامل أخرى لا تقل أهمية تدفع النظام إلى سلك طريق مغاير، من بينها معركته مع المعارضة بشقيها السياسي والعسكري والتي يتهمها بالحصول على دعم خارجي.

ويرى المتابعون للشأن السوداني أن الرئيس عمر البشير، وجد في تأكيد التضامن مع المملكة العربية السعودية، وقطع العلاقات مع إيران، ناهيك عن التهدئة الحالية مع مصر، من العوامل المهمّة التي تفيده على الصعيد الداخلي، الذي ارتفعت فيه وتيرة انتقادات المعارضة، احتجاجا على عدم الوفاء بمتطلبات الحوار الوطني الذي أوشك على إطفاء شمعته الثانية دون أن ينجز.

ومن هنا أراد البشير ضرب مجموعة من العصافير السياسية بهذه التوجهات الجديدة، أهمها تهدئة انتقادات المعارضة التي تحولت إلى صداع مزمن يطارده شبحها ليلا ونهارا، بسبب عدم قدرته على تحقيق إصلاحات هيكلية، سياسية واقتصادية ودستورية، وبالتالي أراد شغلها بتحركاته الإقليمية التي يعتبرها بعض المواطنين أنها تجعل للسودان دورا يغطي على الإخفاقات الداخلية.

كما أن الإمعان في العداء مع طهران والانخراط في الصراع بصورته المذهبية، يحققان للرئيس البشير مكسبا سياسيا مهما في الوقت الحالي، الذي بدأ فيه التيار السلفي يسترد أنفاسه وينشط في دوائر كثيرة، في الوقت الذي أخذ فيه ما يسمّى بالتيار الإسلامي الإصلاحي الذي يقوده غازي صلاح الدين، يكتسب أرضا سياسية واسعة.

لذلك يعتقد متابعون للشأن السوداني، أن الرئيس البشير أراد أيضا من وراء ورقة إيران مغازلة السلفيين وضمهم إلى صفوفه واستخدامهم لتحجيم تيار غازي وزملائه، كما أن التضامن مع السعودية يرضي غرور القطاع السلفي الجارف في السودان، ويبعث برسالة حاسمة لكل من تشيع في الآونة الأخيرة، مفادها أن اللعبة السابقة مع طهران انتهت ومن اليوم فصاعدا هناك قواعد جديدة تحكمها.

ويتوقع متابعون أن لا ينعكس هذا التغير في سياسة الخرطوم الخارجية بردا وسلاما على المعارضة، في ظل مخاوف من أن تفضي مساعي النظام لكسر عزلته العربية إلى مزيد من التعنّت في التعامل مع متطلبات المرحلة التي تقضي وفق رأيها بالتغيير في الداخل.

2