الانفتاح على النظام السوري يقسم الساحة السياسية الفرنسية

الثلاثاء 2015/03/03
الزيارة بين التأييد والرفض

بين من يدعم الانفتاح على النظام السوري وبين من يرفض هذا التوجه، تعيش فرنسا على وقع جدل محتدم قسّم الساحة السياسية بيسارها ويمينها ووسطها إلى شقين متنافرين من حيث الطرح وسبل المعالجة في التعاطي مع الملف السوري بتعقيداته المحلية والإقليمية والدولية.

شق رافض للزيارة شكلا ومضمونا، قاده رئيس الحكومة مانويل فالس وأتبعه لاحقا الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ببيان إدانة شديداللهجة، اعتبر فيه زيارة 4 برلمانيين من مجلسي النواب والشيوخ، مؤخرا إلى دمشق ولقاء 3 منهم الرئيس السوري بشار الأسد خطأ أخلاقيا يستوجب العقاب، ورأى فيها (الزيارة) خروجا عن سياقات الموقف الرسمي كونها تمت دون إعلام أو تنسيق مسبق مع السلطة أولا ومع الأحزاب التي ينتمي لها النواب ثانيا، وبالتالي فإن الزيارة إحراج وإرباك للجهود التي تقودها باريس لعزل النظام السوري.

أما الشق الثاني، فقد تزعمه رئيس الحكومة الأسبق فرنسوا فيون، الذي دافع بشدة عن تحركات النواب الأربعة، وعن ضرورة الانفتاح عن النظام السوري لأنه يعتبر أنه جزء من الحل، سواء قبل به الغرب أم لم يقبل، فيما تتواصل السجالات السياسية الفرنسية حول احتمال أن تكون الزيارة إشارة أو فتحا لباب رسمي مقفل بين باريس ودمشق منذ شهر مارس 2012.

مانويل فالس: رئيس الوزراء الحادي والعشرين في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة تولى المنصب منذ مارس 2014 وكان قبلها وزيرا للداخلية في حكومة جان مارك إيرو.


زيارة النواب الفرنسيين إلى دمشق شخصية ولا تمثل الموقف الفرنسي


شن رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس هجوما عنيفا على النواب الأربعة الذين زاروا دمشق، معتبرا الزيارة خطيئة أخلاقية تجاوز فيها النواب الخطوط الحمراء.

وتساءل في بيان وفي تصريحات لوسائل الإعلام الفرنسية كيف لنواب فرنسيين أن يلتقوا دكتاتورا وجزارا قتل ولا يزال يقتل شعبه، في إشارة إلى الرئيس السوري بشار الأسد.

وسارع فالس للتأكيد على أن الزيارة شخصية لا تمثل الموقف الفرنسي الرسمي، وأن على النواب أن يتحملوا تبعات قرارهم، دون أن يخفي الحرج الذي وقعت فيه حكومته.

ويلتقي فالس في موقفه مع نخبة من السياسيين الفرنسيين من بينهم المتحدث الرسمي باسم الحزب الاشتراكي، أوليفيه فور الذي وصف الزيارة بالعمل الخطير وأنه لا مكان للحوار مع مُستبِدّ دمشق الذي استخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه، وأن على النائب الاشتراكي جيرار بابت الذي كان ضمن الوفد أن يُقدّم تفسيرا لما قام به في دمشق، فيما قال جان كريستوف كامباديليس، رئيس الحزب الاشتراكي الحاكم في فرنسا إن بابت مهدد بالفصل من الحزب، لأنه ذهب إلى دمشق لإجراء أول محادثات مع مسؤولين سوريين منذ إغلاق السفارة الفرنسية في سوريا عام 2012، بينما لم يتوقف رئيس الحكومة الأسبق، ألان جوبيه، عن الحديث عن “نهاية” نظام بشار الأسد وأيضا استبعاده من كل حل سياسي.

وفي تصريحات متفرقة أطلقها مانويل فالس أدان فيها خطوة النواب الأربعة وحاول فيها احتواء الحرج الذي سببته الزيارة، بدت العديد من مواقف الأحزاب الفرنسية اليمينية والاشتراكية والوسطية متناغمة مع الطرح الرسمي.

ولم يعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ورئيس حكومته مانويل فالس صراحة خشيتهما من تفسير الزيارة على أنها فتح للباب المغلق مع دمشق منذ مارس 2012، لكن تصريحاتهما كشفت مدى حرصهما على إظهار البعد الشخصي للزيارة بعيدا عن خطط وبرامج السياسة الخارجية وسبل التعاطي مع أعقد الملفات الدولية والإقليمية التي اختارت فرنسا أن تكون طرفا فيها طوعا.

ويتمسك فالس بسياسية عزل النظام السوري، عبر الدعوة إلى استبعاد الرئيس بشار الأسد من كل حل تفاوضي لإنهاء الأزمة، مؤكدا في أكثر من مناسبة على ضرورة رحيله أو إسقاطه، والعمل على دعم المعارضة سياسيا وماليا وبالسلاح وبتدريب مقاتليها ليكونوا قادرين على تحقيق هذا الهدف.

كيف لنواب فرنسيين أن يزوروا سوريا ويلتقوا دكتاتورا يقتل شعبه، هذه الزيارة غير أخلاقية ولا تمثل الموقف الفرنسي

ويختزل رئيس الحكومة الفرنسية بموقفه الرافض للأسد كجزء من الحل، مواقف داخلية ودولية تلتقي معه في نفس التوجه، مع اختلافات في سبل دعم المعارضة السورية، في ظل مخاوف من وقوع الأسلحة المرسلة إليها في يد الجماعات المتطرفة التي تضم في صفوفها “جهاديين” فرنسيين.

لذلك كانت زيارة الوفد البرلماني إلى دمشق ولقاء 3 منه بالرئيس السوري بشار الأسد صادمة للحكومة الفرنسية ومحرجة لدبلوماسيتها، وقد أسالت حبرا كثيرا وصل حدّ التشكيك في الضجة التي أحدثها فالس نفسه حين هاجم بعنف النواب الأربعة.

الوفد الفرنسي ضم النائب عن حزب “الاتحاد من أجل حركة شعبية” جاك ميار، والنائب الاشتراكي جيرار بابت، إضافة إلى السيناتور عن حزب “الاتحاد من أجل حركة شعبية” جان بيار فيال، والسيناتور عن حزب “الاتحاد الديمقراطي المستقل” فرنسوا زوكيتو.

وهذا الخليط الحزبي بين يمين ويسار ووسط، أعطى انطباعا بأن الأمر لا يمكن أن يرقى إلى مستوى هذا التنسيق ما لم يكن مبرمجا سلفا وعلى أعلى المستويات، ما أوقع الحكومة الفرنسية في حرج شديد دفعها للإدانة والتبرؤ من الزيارة.

وينتمي فالس إلى الجناح اليميني في اليسار الفرنسي، والذي كان من رموزه دومينيك ستراوس كان، وعرف التيار بالخط الثالث، أو بتسمية البليريين نسبة إلى توني بلير رئيس الوزراء البرطاني الأسبق، و يتمحور حول الديمقراطية الاشتراكية و إعادة بناء الحزب الاشتراكي الفرنسي في إطار مواءمة الفكر اليساري مع القيم الليبرالية.

فرنسوا فيون: رئيس الوزراء الفرنسي منذ 17 مايو 2007 حتى 15 مايو 2012، عضو في حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية اليميني.


النواب محقون في مبادرتهم وعلينا الاستماع إلى كل الفرقاء السوريين

على خلاف الإدانة الرسمية لزيارة النواب الأربعة المثيرة للجدل، دافع فرنسوا فيون رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق بشدة عن النواب، قائلا “لو اُتيحتْ لي زيارة سوريا لزرتُها”.

وتابع في تصريحات للعديد من وسائل الإعلام الفرنسية أن النواب الذين التقوا بالرئيس السوري بشار الأسد “محقون بالتوجه إلى هناك من منطلق أنه علينا الاستماع إلى كل الفرقاء”.

وبحثا عن تدعيم موقفه يرى فيون أن قطع العلاقات مع سوريا لم يكن مجديا، لأن الأزمة معقدة وتستوجب التواصل مع جميع الأطراف بما فيها النظام السوري، لأنه جزء من المعادلة الأمنية والسياسية، واستبعاده من أي حل تفاوضي لا يمكن أن ينتج إلا المزيد من إهدار الوقت وبالتالي المزيد من القتلى والجرحى والمآسي الإنسانية.

وحسب رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق اليميني، يمكن قبول مواقف الحكومة الاشتراكية الحالية من النظام السوري إذا كانت مواقف تساعد على حل الأزمة الراهنة، أما إذا كانت تصعيدية لمجرد التصعيد، فإنها لن تزيد الوضع إلا تأزما ولا تقدم حلا أو تساعد على إنهاء هذه الحرب التي كان الشعب السوري وقودها.

ويرى السياسي الفرنسي في ذات السياق أن تقييم الوضع في سوريا يركز على النظام السوري، ويتجاهل أو يتغافل عن الخطر الذي باتت تمثله الجماعات المتطرفة التي يتصدر صفوفها الأمامية جهاديون فرنسيون، وما قد يشكلونه من خطر على أمن فرنسا في قادم الأيام حين تسمح لهم الظروف بالعودة بخبرات قتالية وتفجيرية، وهو تحدّ على الحكومة الحالية أن تنظر له بجدية.

ويعتقد فرنسوا فيون أن الأمر يستدعي أن تكون هناك اتصالات مع النظام السوري لحل هذه المعضلة، مؤكدا أن هذا النظام بات الضلع الأهم في المساعدة على حل هذه المعضلة، لأن العدو بات مشتركا.

وكان فيون أكد مرارا أن التواصل مع النظام السوري لا يسقط عنه الاتهامات بارتكاب جرائم حرب، لكنه اعتبر أن الوضع الراهن يستدعي أن تكون هناك قنوات حوار وتواصل لتقييم الوضع بشكل موضوعي.

واستغرب من الهجوم العنيف الذي شنته الحكومة الفرنسية على النواب الذين زاروا دمشق، مؤكدا أنه لا يحق لأحد إدانتهم، كما لا يحق لأحد مصادرة حقهم في التحرك بحثا عن حل للأزمة أو سعيا لفهم الوضع والاستماع لكل طرف، خاصة أن فرنسيين متطرفين التحقوا بجبهة القتال في سوريا.

لا يحق لأحد مصادرة حق النواب الأربعة في التحرك بحثا عن حل للأزمة، التواصل مع النظام السوري لا يسقط عنه جرائم الحرب

ويلتقي فرنسوا فيون في طرحه هذا مع العديد من الشخصيات الحزبية والسياسية الفرنسية، من اليمين واليسار والوسط، حيث يرى النائب الاشتراكي بوريا أميرشاهي أن زيارة البرلمانيين لا تحتاج إلى موافقة وزارة الخارجية من باب الفصل بين السلطات، بينما قال هنري غينو المقرب من الرئيس السابق نيكولا ساركوزي “نحن مضطرون للحوار مع بشار الأسد بما أننا إزاء عدو بات يحتل الأولوية هو تنظيم الدولة الإسلامية”.

وأوضح فيون أيضا أن زيارة الوفد البرلماني الفرنسي ولقاء 3 منه بالرئيس بشار الأسد لا تعني في مجملها أنهم باتوا مؤيدين للنظام السوري، وهو الموقف ذاته الذي أكده النائب جاك ميار قائلا “الرئيس السوري ليس بريئا، وأوافقكم الرأي أن يديه ملطختين بالدماء، لكنه طرف ضروري في مسار التسوية السياسية للحرب الأهلية في سوريا”.

وتابع أن “على المجتمع الدولي أن يتعاطى مع الرئيس السوري بشار الأسد على أنه جزء من الحل السياسي في سوريا لأنه بقي في السلطة على الرغم أن هناك من بنى سياساته وأعتقد أنه سيموت سياسيا مع الأيام”.

وشدد على “ضرورة أن تدرك حكومة باريس أن الحالة السياسية والاستراتيجية في سوريا قد تبدلت وأن العلاقات الدبلوماسية لا تعقد فقط مع الدول التي نحب وإنما هناك ضرورات دبلوماسية تفرضها”.


باريس ولندن: الأسد جزء من المشكلة وليس طرفا في الحل


باريس – أكد وزيرا الخارجية الفرنسي والبريطاني في مقال نشر في صحيفة لوموند الفرنسية أن الرئيس السوري بشار الأسد “لا يمكن أن يكون جزءا من مستقبل سوريا” التي تشهد حربا مدمرة مستمرة منذ أربع سنوات لأنه يمثل “من يغذي الظلم والفوضى والتطرف”.

وكتب لوران فابيوس وفيليب هاموند أن “الأسد هو نفسه في واقع الأمر من يغذي الظلم والفوضى والتطرف وفرنسا والمملكة المتحدة عازمتان على الوقوف معا لمواجهة هذه الأمور الثلاثة”.

وأضافا أن “اقتراح الأسد حلا لمواجهة المتطرفين يعني عدم فهم مسببات التطرف فبعد سقوط 220 ألف قتيل واضطرار ملايين السوريين إلى النزوح من بيوتهم، من الغباء والسذاجة افتراض أن غالبية السوريين على استعداد للعيش بإرادتهم تحت سيطرة من أحال حياتهم عذابا”، على حد تعبيرهما.

وتابعا أنه “سيكون عمْدُنا إلى تحطيم أحلامهم (السوريون) في أن يكون لهم مستقبل أفضل من دون الأسد عاملا في تحول مزيد من السوريين إلى التطرف ودفع المعتدلين نحو التطرف بدل العكس وتثبيت موطئ قدم الجهاديين في سوريا”.

وشكك الوزيران الفرنسي والبريطاني في موافقة الأسد على وقف قصف المدنيين في مناطق حلب (شمال سوريا) لمدة ستة أسابيع، وهو الاتفاق الذي توصل إليه مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا.

لوران فابيوس: البعض يميل إلى قبول بشار الأسد شريكا في محاربة الإرهاب

وتابعا أن “الأسد لا يكتفي فقط بشن حرب ضد شعبه من القصر الذي يقبع فيه بل يحاول أيضا تلميع صورته أمام العالم وعبر وسائل الإعلام الغربية، مستغلا فظائع المتطرفين ليطرح نفسه شريكا لنا في مواجهة فوضى بلاده”.

وأشار فابيوس إلى أن “البعض يميلون إلى ذلك على ما يبدو قائلين إن ظلم الأسد ودكتاتوريته في وجه التطرف أفضل من الفوضى”.

وجاء هذا المقال غداة زيارة مثيرة للجدل لأربعة نواب فرنسيين إلى دمشق حيث التقوا الرئيس السوري، في الوقت الذي تعالت فيه المزيد من الأصوات للمطالبة باستئناف الاتصالات مع النظام السوري لمكافحة جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف باسم داعش.

وأكد فابيوس وهاموند أنه “للحفاظ على أمننا القومي علينا هزيمة داعش في سوريا ونحن في حاجة إلى شريك في سوريا للعمل معه لمواجهة المتطرفين وهذا يعني تسوية سياسية تتفق عليها الأطراف السورية وتؤدي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية في سوريا”.

وأضافا إنه “من المرجح أن يشمل ذلك بعض أقسام هيكل النظام الحالي والائتلاف الوطني السوري وغير هؤلاء من المعتدلين ممن يؤمنون بسوريا تمثل الجميع وتحترم مختلف أطياف المجتمع السوري”، لكنهما أكدا أنه “من الواضح لنا أن الأسد لا يمكن أن يكون طرفا في أي حكومة كهذه”.

وقالا ” إن الواقع هو أن الأسد بات الآن أضعف كثيرا مما كان قبل عام ولم يعد المسيطر على زمام الأمور في بلده”.

وفي ظل صعود مقاتلي تنظيم داعش يقول دبلوماسيون إن بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تنتقد موقف باريس ولندن وتقول إن الوقت ربما قد حان لاستئناف الاتصالات مع دمشق في ضوء فشل الانتفاضة التي بدأت قبل أربع سنوات في الإطاحة بالأسد.

لكن بريطانيا وفرنسا ترفضان من حيث المبدأ أي انفتاح على النظام السوري، بوصفه حسب تقدير البلدين جزء من المشكلة لا من الحل. وسبق للبلدين أن أعلنا رفضهما القاطع لأي مبادرات قد تعصف بالتوافق الدولي المنادي بعزل الأسد سياسيا واقتصاديا.

12