الانفتاح والتسامح

السبت 2017/09/23

قرأت أخيراً، كتاباً بعنوان “المسيحية في العراق.. بدايتها وتطورها إلى يومنا هذا” وهو كتاب تاريخي، لا يتناول ما هو عقيدي في موضوعه، إلا حينما يتعلق بالتاريخ. لذا تستعرض الكاتبة التاريخ الحضاري العراقي، في معرض تناولها تاريخ المسيحية في بلاد الرافدين، ومتغيراتها ثقافيا وسياسياً.

لقد صدر هذا الكتاب في لندن، باللغة الإنكليزية، والمؤلفة هي د. سهى رسام، وهي طبيبة وأكاديمية عراقية، تقيم في لندن منذ العام 1990 لمواصلة دراساتها الطبية، غير أنها خلال إقامتها هذه درست موضوع المسيحية الشرقية في جامعة لندن، وقد أفادت من هذه الدراسة في تأليف كتابها الذي نحن بصدده.

بين يدي الآن النسخة العربية من الكتاب، التي ترجمها عن الإنكليزية السيد نافع توسا، وهي صادرة عن مطابع الأديب في العاصمة الأردنية، عمّان.

لا شك أن المسيحية منذ بداياتها في العراق، في القرن الميلادي الأول، حتى يومنا هذا، كما جاء في عنوان الكتاب، قد مرّت بأزمات وتحديات ومصاعب، وصراعات داخلية وتجاذبات إمبراطورية، لكن ما لفت نظري وأنا أتابع هذا التاريخ أن إنجازها الثقافي ودورها الحضاري يتحققان في ظل الانفتاح والتسامح، ويتراجعان في ظل التعصب والانغلاق.

وتكاد تكون بغداد في عصرها الذهبي، في مرحلة التأسيس والعصر العباسي الأول، هي الحاضنة النبيلة والمحيط الأمين، الذي اتسم بالانفتاح والتسامح.

وأنا من عشاق بغداد، وبخاصة في عصرها المجيد، وما قرَّبني إليها أكثر فأكثر عملي في بيت الحكمة، الذي هو الآخر عرف عصراً مجيداً قبل الاحتلال الأميركي- الإيراني لبغداد، حيث ظهرت نزعات تدميرية تستهدف بغداد ومؤسسيها وتاريخها وحضارتها، ففي بيت الحكمة تكون علاقتك ببغداد علاقة صوفية، وهذا ما حدث معي.

لقد شهدت بغداد العباسية، في ظل ما عرفت من انفتاح وتسامح، تقدماً ثقافياً ونشاطاً فكرياً، نبغ خلاله مسيحيون في ميادين معرفية مختلفة، كما نبغ غيرهم، وبخاصة في الطب والفلسفة والترجمة من اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية، ويكفي أن نعرف، كما أشارت إلى ذلك د. سهى رسام، أن طبيب الخليفة المنصور، الخاص، جرجس بن بختيشوع كان مسيحياً، وكان المنصور يستشيره في بعض القضايا العامة، وكان ذلك مع الرشيد أيضاً، حيث توثقت علاقته بطبيبه جبرائيل بن بختيشوع، وكان من مستشاريه المقربين.

وفي هذه المرحلة أنشئ بيت الحكمة، الذي كان في البدء ملحقاً بقصر المنصور في بغداد المدورة، ثم تطور في عصر المهدي والرشيد، ليبلغ أتم حالات نضجه في عهد المأمون، الذي عرف باهتماماته الفكرية، وقد أشرف على بيت الحكمة أيامذاك الطبيب والفيلسوف والمترجم حنين بن اسحق، وهو كما تقول عنه د. سهى رسام في كتابها “أشهر المترجمين في ذلك الزمان، وهو عربي من الحيرة، ومن أبناء كنيسة المشرق، كان يتقن العربية واليونانية والسريانية والفارسية”.

وفي بيت الحكمة ترجمت أهم الآثار الفكرية عن اليونانية والسريانية والقبطية، ومن المعروف أن الكثير من هذه المصادر المترجمة إلى العربية في بغداد قد اعتمدتها الجامعات الأوروبية منذ بداية عصر النهضة، وقد حصلت عليها من المكتبات الأندلسية، بعد أن ضاعت أصولها في لغاتها الأولى، وبخاصة اليونانية منها.

كما شهدت بغداد في هذه المرحلة حركة فلسفية نشيطة، عبَّرتْ عنها مؤلفات فلسفية مهمة، وحوارات ذات طابع فلسفي، وتذكر الكاتبة منها على سبيل المثال الحوار الفكري الذي جرى بين الخليفة المهدي والبطريرك طيماثيوس الأول.

ومن دلائل دور الانفتاح والتسامح في التقدم الحضاري أن الفيلسوف المسيحي أبا بشر متّى، تتلمذ على أيدي فلاسفة مسلمين، منهم الكندي والفارابي.

فهل يتعلم المتعصبون الجهلاء من دروس تلك المرحلة المجيدة، أم يغضون الطرف عنها، ويلعنونها، ويعدون الانفتاح والتسامح فيها كفراً وتجديفاً؟

كاتب عراقي

16