الانفجار السكاني.. رأس الأزمات في مصر

دق متابعون للشأن الداخلي المصري ناقوس خطر مدوّ، وحذروا من أن تزايد النمو السكاني بين المصريين، بالوتيرة الحالية، سيزيد حتما من معدلات العنف والجريمة والتطرف، وأن الفقر الناجم عن تلك الزيادة سيؤدي إلى تفاقم مشكلة مصر مع الإرهاب، إلى درجة غير مسبوقة.
الأربعاء 2016/12/21
مدن الزحام بيئة ثورية بطبيعتها

القاهرة - تجاوز تعداد سكان مصر في الوقت الحالي 90 مليون نسمة، فضلا عن 8 ملايين مصري آخرين يعيشون في الخارج، وطبقا لتوقعات الجهاز، فإن التعداد سيكون 100 مليون نسمة قريبا.

وبحسب اللواء أبوبكر الجندي، رئيس الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، (منظمة إحصائية حكومية)، فإن استمرار مستويات الإنجاب الحالية (3.5 طفل لكل سيدة)، قد يصل بعدد سكان مصر مع نهاية استراتيجية التنمية الوطنية 2030 إلى حوالي 120 مليون نسمة، وأن يزيد إلى 150 مليون نسمة، بعد 13 سنة أخرى (2043).

وهذه الأرقام تجعل من النمو السكاني في مصر قضية أمن قومي، بل ويذهب خبراء إلى وصفها بأنها “أم الأزمات”؛ فالعدد الكبير للسكان مع سوء التدبير الحكومي والتوزّع الجغرافي العشوائي تكون نتيجته أزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية، تستنزف الموارد الطبيعية المتهالكة وتؤثر في رأس المال البشري.

وترى جهات عديدة أن القضية السكانية، هي أهم القضايا التي تواجه المجتمع المصري خلال هذه الفترة، وأن خطورتها تزيد بمراحل عند الأخذ بعين الاعتبار تطور الحالة الإرهابية في مصر واستثمار الجماعات الجهادية في زيادة الغضب العام لاستقطاب المجندين.

ويشدد خبراء على أن نسبة النمو السكاني التي بلغت في الوقت الحالي 2.6 بالمئة سنويا، يجب أن يواكبها نمو اقتصادي، تصل نسبته إلى 6 بالمئة سنويا، في حين أن النمو الاقتصادي في مصر خلال الخمس سنوات الأخيرة، لم يتعد 2 بالمئة، وبالتالي فإن معدلات الجريمة والعنف قد تصل إلى أعلى مستوياتها خلال السنوات المقبلة.

تأخذ المشكلة السكانية في مصر بعدان رئيسيان: أولهما النمو السكاني السريع الناتج عن تزايد الخصوبة مقابل النقص في ترشيد المتزوجين بشأن سياسات تحديد النسل، خصوصا في المناطق الداخلية وتلك التي تنخفض فيها نسبة التعليم، وتنتشر فيها الأفكار المجتمعية والدينية المتشددة.

ويتمثل البعد الثاني في الزحف العمراني والتوزيع الجغرافي غير المتوازن للسكان. ورغم أن مساحة مصر تبلغ حوالي مليون كيلومتر مربع، إلا أن السكان يتمركزون في شريط ضيق على وادي النيل تبلغ مساحته 7 بالمئة.

وبلغت الكثافة السكانية على أساس المساحة المأهولة 1800 في الكيلومتر المربع وفي القاهرة وحدها 38 ألفا و500 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد. ويؤدي هذا الضغط إلى تزايد العبء على المدن والأحياء حديثة الظهور. ويؤثر سلبا على الخدمات فيها نتيجة قصور في المرافق الصحية وتلوث البيئة وزحف المباني على الأراضي الزراعية وانتشار العشوائيات.

وجود حزام من العشوائيات يحيط بالمدن المصرية، يعد "المفرّخ" الأكبر للشباب المنتمي إلى التنظيمات الإرهابية، إذ أن تلك المناطق تتسم بالزيادة السكانية المفرطة

وما يعقّد الوضع أن التزايد في عدد السكان لا يقابله اهتمام مناسب من الجهات التي يمكن أن تشكل عضدا للحكومة في مواجهة هذه الظاهرة. فالانفجار السكاني في مصر أزمة مزمنة، وما المشكلات التي تعيش على وقعها البلاد اليوم من بطالة وفقر وتدن في التعليم، وصولا إلى انتشار الإرهاب، إلا تداعيات للتعامل السلبي مع هذه الظواهر، خصوصا، من قبل الإعلام والمثقفين، والتيارات السياسية الدينية ورجال الدين الذين زادوا من تعقيدها بأفكارهم المعارضة لسياسات تحديد النسل.

عشوائيات وإهمال

قال سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية لـ”العرب”، إن الزيادة السكانية دون أن تقابلها خدمات تستوعبها، تخلق حالة من عدم العدالة الاجتماعية، وهو ما تلعب عليه الجماعات المسلحة في جذبها للشباب، كما أن الزيادة السكانية تكبل الإمكانيات الحكومية نحو إحداث أي تطوير في المجتمع خلال الفترة الحالية، وبالتالي سيظل الاتهام الموجه للحكومة بالفشل قائما، ما يعطي مشروعية لمواجهتها عن طريق استخدام وسائل العنف.

ويربط علماء الاجتماع بين التضخم السكاني وتزايد معدلات الصراعات، وذلك بسبب الصراع على الموارد الموجودة على الأرض، والتي غالبا ما تكون نادرة، كما أن هناك ربطا بين الكثافة السكانية والفوضى، وتحديدا في المجتمعات التي تعاني أوضاعا اجتماعية وسياسية غير مستقرة.

وفي مصر، شهدت الأيام القليلة الماضية، تصاعد الجدل بشأن مسألة الانفجار السكاني، أين يرتكز وإلى أي مدى تمثل تلك المناطق أرضية خصبة للتيارات الدينية والجماعات الجهادية؟ وقد تصاعد هذا الجدل على خلفية حادث تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة.

اعتمد البعض من المتابعين والخبراء على خلفية مرتكب العملية لتبرير “إرهابه”، مشيرين إلى أنه ينتمي إلى أسرة فقيرة مكونة من 9 أفراد (أب وأم وسبعة أبناء)، نشأت في إحدى قرى محافظة الفيوم (جنوب غرب القاهرة) والمعروفة بمحدودية مواردها. التقطه تنظيم بيت المقدس بسيناء، الذي أعلن مبايعته لتنظيم داعش، بعد أن أغراه بالمال، وجعل منه قنبلة انتحارية.

وما يجري اليوم، يخالف ما جرى مع التنظيمات الجهادية الكبرى في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، حيث كان عنصر الجهاد يحتاج إلى سنوات طويلة (لا تقل في حالات كثيرة عن 5 سنوات)، من التربية العقائدية والدينية الصارمة، التي تعطي للجهادي مبررا للقتل والإرهاب، على عكس ما يدور الآن، حيث أصبح من الوارد أن نرى انتحاريا أو إرهابيا، يقتل الناس بعد أسابيع قليلة فقط من تجنيده.

وعلى صعيد المجنّدين أيضا، يلاحظ المتابعون تغيّرا في نوعية المستهدفين، حيث أصبح التركيز منصبا أكثر على مناطق بعينها، خصوصا العشوائيات والمناطق التي ينتشر فيها الفقر بنسب عالية، وإن كان ذلك لا يعني أن هذه المناطق وحدها هي التي تزود الجماعات الجهادية بالمقاتلين، بل بقي اعتمادها كبيرا على استقطاب المتعلمين وأبناء العائلات الميسورة والغنية وأبناء المدن الكبرى.

وتتمثل أهمية العشوائيات والمناطق الفقيرة بالنسبة إلى الجماعات الجهادية في كونها حاضنة لمقاتلين جاهزين؛ فالحرب الدائرة اليوم على نطاق واسع تتطلب عددا كبيرا من الانتحاريين، ولا يمكن التضحية بالقيادات والمجندين المتعلمين، خاصة وأن أغلبهم من طلبة الجامعات العلمية، وهنا يأتي استغلال الأزمة السكانية وحالة الانهيار والسخط الاجتماعي في صفوف الشباب.

سعيد صادق: الانفجار السكاني أحد العوامل المساعدة على تنامي الإرهاب

ويشير مراقبون، إلى أن مصر باتت مستهدفة من جماعات إرهابية تتبنى خطابا سياسيا قائما على “المظلومية” والرغبة في الانتقام، والرفض الجذري للأوضاع الاقتصادية والسياسية الحالية، ومن ثم أصبحت هناك دوافع سياسية واجتماعية وطائفية تدفع شبابا صغير السن إلى ارتكاب عمليات القتل. وهو ما أكد عليه كمال حبيب، الخبير في شؤون الجماعات المسلحة، حيث حذر من خطورة وجود بيئة حاضنة للإرهاب، تنشأ مع تردي الخدمات في العديد من المناطق المحيطة بالمدن، والقرى ومحافظات الصعيد، بالإضافة إلى المحافظات الحدودية.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن وجود حزام من العشوائيات يحيط بالمدن المصرية، يعد “المفرّخ” الأكبر للشباب المنتمي إلى التنظيمات الإرهابية، إذ أن تلك المناطق تتسم بالزيادة السكانية المفرطة، بالتوازي مع النقص المسجل في البنايات وغياب كامل للخدمات، في وقت تتمتع فيه المدن بحياة كريمة، ما يولد شعورا بالغربة، يتحول إلى عنف مجتمعي. وأوضح حبيب أن مشكلة الزحام التي تعانيها العاصمة المصرية القاهرة، بالإضافة إلى العديد من المحافظات الأخرى، تعد بيئة مساعدة على انتشار الجرائم والقلق الاجتماعي ومختلف أنواع العنف، لأن مدن الزحام، تعد بيئة ثورية بطبيعتها وتمارس فيها العديد من حالات العنف الطبيعي.

استباق الخطر

رغم العلاقة السببية الكبيرة بين تداعيات الانفجار السكاني والإرهاب، إلا أن الخبراء يؤكدون أنه لا يجب فقط التعاطي مع هذه الأزمة من هذه الزاوية فقط؛ فالتجربة أثبتت أن الإرهاب في حد ذاته، وكما وصفه البعض، “ظاهرة موسمية”، قد تأتي أشهر وسنوات لا تسجل فيها حوادث وإن وقع حادث فيكون حادثا منفصلا وله أسبابه الخاصة.

وما يجري الآن من عمليات إرهابية هو نتيجة للوضعين الإقليمي والدولي، وقد نجحت الجماعات الجهادية في استقطاب المجندين لأنه لم يتم من قبل استباق الخطر ومعالجة المشكلات التي تعطي قبلة الحياة لهذه الجماعات. وتؤكد هدى زكريا، أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة الزقازيق، أن الزيادة السكانية بمفردها لا تصنع إرهابا، ولكن غياب التعليم وانتشار الخطاب الديني المتشدد وغياب الحكومات عن أدوارها تعد من أهم أسباب انتشاره.

وأضافت لـ”العرب” أن البيئة الحاضنة للإرهاب هي بيئة فكرية بالأساس، ولكن يُستغل فيها الظرف الاجتماعي والاقتصادي القائم والذي يعد أحد أهم أسباب الزيادة السكانية، كما أن فشل الدولة في القضاء على الأمية وفي إعداد خطة واضحة للحد من الزيادة السكانية قد ساهما في تزايد معدلات العنف بشكل عام.

وأشارت الباحثة المصرية إلى أن البيئة المتشددة التي ظهرت من خلال سماح الحكومات السابقة بنشر الأفكار المتطرفة لعدد من الشيوخ وعدم السيطرة على منابر المساجد وخصوصا في القرى والنجوع والمناطق العشوائية المحيطة بالمدن ساهمت في وجود طبقات واسعة لديها الاستعداد للانضمام إلى الجماعات الإرهابية، وهي بيئة ظهرت نتيجة فقدان سيطرة الحكومة على العديد من المناطق النائية، وليس بفعل الزيادة السكانية وحدها، ولكن بسبب الإهمال الذي كان سمة سائدة على مدار سنوات طويلة ماضية.

كاتب مصري

7