الانفجار السلمي في الجزائر

هل “الانفجار السّلمي” يحرّرنا من هذا “الخوف المُركّب”؟ ومن الطبقة السياسية التقليدية؟
الأحد 2019/04/07
التغيير السلمي

نَعتبر الانفجار السّلمي الشعبي منذ 22 فبراير/شباط ومَسيرات أيام الجُمَع، وخُروج الطّلبة والأساتذة والمُحامين والصّحفيين في الأيام الأُخَر مُنعطفاً جديداً في الاشتغال السّياسي عند الشّباب الجزائري الذي كان مُعظَمه غَيرَ مَعنيٍ بالحديث عن شُؤون الحُكم، وكان يُعتبر ذلك في نظر المُتتبعين عُزوفاً وزهداً في السّياسة، يَلحَظونه في اللامبالاة بالانتخابات ومُتابعة الأخبار السياسية التقليدية أو الانضمام إلى النشاط السياسي مما أعطى انطباعاً عند المَاسِكين بمقاليد الحُكم أن الشّباب هَمّه اليومي السّكن والتشغيل وأن يُغنّي أهازيجه ويُعبّر شِعارياً عن أحلامه في مُدرجَات مَلاعب كُرة القدم.

 لكن ظَاهرة الهِجرة غير الشرعية “الحَرقة الانتحارية” وتزايدها حَسبته السّلطة بَحثاً عن عَمل ورِزق في ما وراء البَحر، فكان الاعتراف بالفَشل في التغلّب عليها سياسياً ودينياً (أقصد تحريم الهجرة السّرية وما صَاحبها من خطاب مَسجدي شارح للتّحريم) لأننا كنّا في حقيقة الأمر أمَام “أحْلام البَحث عن نمطِ حياة جَديدة” ليست بالضّرورة خبزاً يومياً ولكنّها مَشاعر ورغبات تكّونت في العِشرين سنة الأخيرة، وقِسْ على ذلك تشكّلت تركيبة نفسية وثقافية ارتبطت بعَوالم افتراضية وفّرتها وسَائل التواصل الاجتماعي مما دفع بجلّ الشباب إلى “هِجرة افتراضية” أصبحت فيها صفحات الفيسبوك مصدر أخباره وفَرحِه وابتهاجه ورغباته، فكان “مَقهاه الجَديد” الذي لا تُحدّه حدود وفضاؤه أرحَب في حرّية التعبير، في حين كان إخفاق تطوّر الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي وغير الرسمي، ولذا نَعتبر “الانفجار السِّلمي” صَدمة جديدة في الوعي السّياسي ـرغم أنها كانت مُنتظرة عند بعض مَصحوب ذلك بالخوف والتحذير من مَصير بعض بلدان عربية عرفت ربيعاً تحوّل إلى صَقيع- ترى ما هي أسبابه؟ وما مستقبله؟ وكيف سيَتفاعل معها المثقف ويُفسّرها؟

الاعتبار النّفسي المَجْروح

يمكن وسْم الانفجار السّلمي بالصّدمة لأنّ ما قامت به الدّولة من بناء آلاف المَساكن وتَوفير مَناصب العمل وقروض بنكية لتشجيع الشباب على الاستثمار، وكان الإعلان عن مَسح ديونهم قبل 22 فبراير/شباط يجري في وسَط الرسميين، هذه السّياسة الاجتماعية كانت تُسمّيها المُعارضة “شِراء السّلم الاجتماعي” ولكن في حقيقته هو استمرار لنَمط تقليدي في مفهوم العَدالة الاجتماعية في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال لم يتجدّد وكانت آثارها ضَرراً على مَفهوم “العَدالة” في حَدّ ذاته وعلى والواقع بيّناً.

كانت الصّدمة في أنّ “نمَط الحياة” الذي يَبحث عنه الشباب ليس بالمعنى التقليدي ولكن البحث عن “الاعتبار النّفسِي والأخلاقي” أي “الكَرامة” التي لم تَستطع الطّبقة السياسية التقليدية بشَقيّها الرسمي والمُعارض تَوفيره، هذا “الاعتبار الشّخصي” لم تُعِرْه بالاً الإدارة التقليدية التي يَراها المُواطن دوماً إرهاقاً وإذلالاً، كما أنّ تصريحات وأقوال بعض الرّسميين في خُطبهم وإجاباتهم كان فيها الجرُح والألمَ لهذا “الاعتبار الشّخصي” خصوصاً ما تعلّق باستهزاء مَطالب الشعب أو الخَدش في الدّين والتاريخ واللغة، وموضوع إخفاق التّواصل الفعّال الايجابي مع المواطنين سنعود إليه بعد قليل.

ومن تجليّات إهانة “الاعتبار الشخصي” الإعلان عن أسماء فريق الذي يَقود الحَملة الانتخابية لصَالح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة من شخصيات سياسية ومالية شكّلت مادّة إعلامية للسّخرية والتندّر والرّفض، واعتبر ذلك المُتلقّون “استخفافاً” بعقولهم وأحَلامهم، وهنا ربما نحتاج لتحليل نفسي ولغوي وسوسيولوجي لخطاب التنكيت بالعبارة والصّورة التي صَاحبت بداية الإعلان عن ترشح الرئيس عبر رفع لوحة كبيرة به صوّرته في تجمع بالقاعة البيضاوية  يوم 9 فبراير/شباط 2019، وعبرّ المعارضون عن ذلك بوسْم هذا الحشد الجماهيري “بتجمع الكَادر أي اللوحة”، وأعتبر ذلك سوء تقدير وضَعف رؤية لأثر ذلك على المُتلقّي، هنا أشير إلى العَجز عند بعض المسؤولين في إدراك نفسية الشّباب وفَهم قدراته في التلقّي والتجاوب، وهذا أثر من “الإخفَاق التواصلي”.

هذا “الاعتبار الشّخصي” الذي يَشعر المُواطن أنّه مفقود وتجلّى أكثر في رفضه للعهدة الخامسة للرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة لكون ذلك استمراراً لاختفاء خطاب مُباشر من حاكمهم وأنّ القابضين على السلطة يَستمرّون في الاستخفاف بالعقول وبالاعتبار الشخصي المفقود، هذا “الاعتبار” أو “الكرامة” ليس فقط في الشعور المُهين الذي تسبّبت فيه مجموعات سياسية مُتحالفة مع أصحاب المصالح والمال ولكن أيضاً يرتبط بكيان الدّولة الجزائرية ويتجلّى ذلك في أهازيج وشعارات الشباب المُدافعة عن “اعتبار الدولة وكَرامتها” في العَداء المتجددّ للنظام الفرنسي كَونه المُستفيد من خَيرات الجزائر ووضعها، بل يعتبر المُواطن أنها تتدخل في شؤون الدَولة الجزائرية.

ولعلَ الوعي الذي تكّون منذ 2011 في كون الانهيار الذي أصاب بعض البُلدان العربية هو تحالف الصّهيونية مع بعض البلدان الغربية، كما أنّ التعاطف مع ليبيا والعراق وفلسطين وسوريا له حضوره في هذا التعبير الرّافض للنظام الفرنسي في المسيرات الشعبية، وهنا أيضاً بحث عن “اعتبار للأمة العربية”، هذا المَزج بين “الاعتبار الشخصي” و”الاعتبار الوطني” و”الاعتبار القومي” قوّة عاطفية ووعيٌ تلازما في الدّفع بآلاف الشباب نحو الاشتغال السّياسي الجَديد، فهل يمكن وصْف البَحث عن “الهُويّة الاعتبارية” أيديولوجية جديدة تَتجاوز خِطاب الهُويّة التقليدي ومفهوم الوطنية الموروث؟ أم تجديد وتأويل اعتباري لوطنية مَجْرُوحة في المضمون والاستغلال السياسي؟

نحو طبقة سياسية جديدة

التغيير المطلوب
التغيير المطلوب

ما يُنبئ به قادم الأيام سنكون أمَام طبقة سياسية جديدة إذا ما تمّ توظيفها وتَوجيهها واستيعابها، ففي ظِلّ ظُروف دَولية جديدة وتزايد الاتصال الجماهيري وخَيبة فشل الطبقة السياسية التقليدية بشقيّها الرسمي والمُعارض نكون أمام خريطة سياسية جديدة، طبعا سوف لن يَختَفي فيها نهائيا الشّحَن الأيديولوجي خصوصاً الإخواني لتجربته المتميّزة، أما التّيارات اليَسارية فمنذ نشوئها زمن الاحتلال الفرنسي لا تستطيع الفِطَام عن ثَدي اليَسار الفرنسي -أقصد في الرؤية والتفكير- وهذا مَأزقها التّاريخي، أما التيار الوطني فقد تكلّس خِطابه ولم يبَقَ له رصيده التاريخي خصوصاً إذا أصبح حزب جبهة التحرير الوطني (FLN) في خبر كان بعد التّغييرات القادِمة التي حَتما يقوم بها النّظام الحالي نفسه كما جاء في وعْد رسالة الرئيس الأخيرة ردّا على مسيرات 22 فبراير أو ما سَيؤول إليه مَسار التفاوض والاختيارات المفتوحة القادمة، هكذا نحن أمام مَوجَة عارمة من انتفاضة ضدّ الطّبقة السياسية التقليدية لم تستطع أن تستوعب أزمنة الشباب والتّطورات الحاصلة في وسائل الاتصال الجماهيري، وتحوّل كلّ شاب إلى مناضلٍ سياسي وصحفي ومحلّل من خلال وسيلة هاتفه عبر الصّوَر والتعليقات التي كَسّرت “الجُملة التقليدية” لغوياً ومضمونياً.

ونلحظ منذ سَنوات القُدرة الاتصالية في شنّ حَملات الشباب على أقوال الوزراء والمسؤولين وقراراتهم عَبْر مِنصّات التّواصل الاجتماعي خُصوصاً ما تعلّق بإثارة العَواطف الدينية واللغوية والعرقية والجهوية والتاريخية، فقد كان حُضور المسؤولين غير المُدرك لمخاطر القوة الإعلامية الجديدة ونقص التجربة في التمرّن على المُخاطبة وانتقاء الجُمل والكلمات، وشَهوة البعض منهم في الحضور الإعلامي اليومي أثره السّلبي على صُورتهم وصُورة السّلطة التي يُمَثّلونها، آخرها تَصريح وزيرة التربية المَحسُوبة على اليَسار الفرنكفوني في مَنع الصّلاة داخل مدارس التعليم، وكان ذلك ردّاً على حادِث مُنفرد في مدرسة جزائرية بباريس.

ونعطي مثلاً آخر على الإخفاق التّواصلي في استبدال الحُضور الشّخصي لرئيس الجمهورية -الذي له رمزيته الرسمية والتاريخية والوطنية- بصورة جامدة في لوحات تُهدَى في مَشاهد وكأننا نتحدّث عن رئيس توفّى ونُحيي ذِكراه، هذا المَشهد البائس المُتكرّر كان له التأثير النفسي عند المُتلقّي في كَون المُتحدّث عنه غائباً، وهذا يؤدي إلى اتساع الهُوّة بين السّلطة والمواطن في مجتمعات ثقافتها ونفسيتها ترتبط بالزعيم والحُضور للقائد بلاغة وقوّة، ونُفسّر مأزق الطّبقة السياسية الرّسمية في كونها بقيت تجنّد الشعب وتمرّر خطابها بصورة تقليدية لأدركنا أنّ السّبب في الهيجان الشعبي ضدّ “العُهدة الخامسة” سَببه هذا الإخفاق التّواصلي وفي نجاح الفَاعلين الزّرق في شَحن نفسيّة المُواطن ضِدّ التنظيمات الحِزبية التقليدية وتحميلها  كلّ النتائج، وإدراكاً من بعض الشخصيات الحزبية للإخفاق انسحبت من الترشح للرئاسيات أو النزول للمسيرات والاستقالة من أحزابها.

إن الواقع اليوم في الجزائر أبلغ من الجُملة والتأمّل وأسرع في القَول والتعبير، وربما “الخَوف المُركب” من شبحين استحكم في السياسيين والمثقفين وأعجزنا عن التنبؤُ ومُصاحبة الحَدث بالتحليل العلمي، شبح الخوف من عودة المأساة الدموية التي عاشتها الجزائر زمن التسعينات من القرن الماضي، ومصيرٌ مأسوي انتهت إليه بعض بلدان الربيع العربي، هذا “الخَوف المُركب” إحساس عام يشترك فيه الجميع.

ترى هل “الانفجار السّلمي” يحرّرنا من هذا “الخوف المُركّب”؟ ومن الطبقة السياسية التقليدية؟ أم هي انتفاضة فيسبوكية حَماسية سُرعان ما تساعد على إعادة تنظيم البيت الدّاخلي للسّلطة؟ وقد تكون أيام العفوية قليلة وزائلة إذا لم تكن مؤطرة مُعقلَنة، فالمجهول شَبح نحسبه مَهدِيّنا المُنتظر الذي قد لا يَظهر ويبقى في سِردابه لأننا لم نقدّم لها الطّقُوس المطلوبة، فيقول لِسان الحال “سُلطان ظَلوم غَشوم خيْر من فِتنة تَدوم”. 

ينشر المقال بالاتفاق مع "الجديد" الثقافية اللندنية

12