الانفصال لا يلغي التطبيع بين اسكتلندا وبريطانيا

الخميس 2014/09/18
اسكتلندا تعمل على ترتيب تعاون قوي مع بريطانيا إثر الاستفتاء

اليوم ينطلق الاستفتاء على استقلال اسكتلندا، وهناك إمكانية كبيرة بأن يصوت الاسكتلنديون لفائدة الاستقلال عن باقي المملكة المتحدة بعد قرون من الوحدة. ونظرا للترابط الوثيق بين البلدين يطرح استقلال اسكتلندا مسائل عدة منها ضرورة التعاون في المجال العسكري وكيفيته إذ تحتاج بريطانيا إلى المساندة الاسكتلندية (بالخصوص في احتضان أسطول الغواصات النووية) ويحتاج هذا البلد المستقل مستقبلا الحماية من جاره الأكبر والأقوى نظرا لضعف إمكانياته.

في الواقع الحكومة الاسكتلندية هي من دفع بمسألة التعاون العسكري، لكن هل سيكون هذا التعاون بنفس القدر من الأهمية بالنسبة إلى باقي المملكة المتحدة؟ وما سيكون شكل هذا التعاون بين البلدين؟

إن عزم الحكومة الاسكتلندية على تعزيز أمنها كجزء من الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي وعبر تطوير علاقة دفاعية مع بقية المملكة المتحدة يعكس النماذج الراهنة في السياسة الدولية.

ورغم أن الحكومة الاسكتلندية دفعت قدما ببرنامج الاستقلال، شدد كل من الحكومة والحزب القومي الاسكتلندي على الاستمرارية (مثل استمرار وحدة التاج والوحدة النقدية) إلى جانب التغيير (الاستقلال السياسي) داخل الخطاب حول الاستقلال. وتبقى مسألة التعاون العسكري جزءا مهما من النقاش وهو يندرج ضمن حاجة الطرفين للتفكير في النواحي العملية لما بعد التصويت بالموافقة.

نتيجة للعمليات المتزايدة تعقيدا والتكنولوجيات المتقدمة والباهظة وصرف الولايات المتحدة اهتمامها بمنطقة الحلف الأطلسي والمتاعب التي سببها التقشف المالي، أصبح ينظر إلى إقامة علاقات تعاون عسكري بين القوى الأوروبية على أنه أمر ضروري سواء من الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية ذاتها. وهكذا أصبحنا نشهد تطبيعا للتعاون العسكري في كافة أرجاء منطقة الحلف الأطلسي.

في الواقع يتخذ تطبيق التعاون العسكري بين الدول الأوروبية عدة أشكال مختلفة في مناطق متعددة ولا يأتي بإملاءات فوقية من الحلف الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي. وفي حين أن أغلبية الدول الأوروبية تتفق على الحاجة إلى التعاون هناك هواجس وطنية بخصوص مفهوم التخصص – حيث تأخذ كل دولة دورا محددا في عملية دفاع شبكية- لأنها تقلص في معنى الدولة.

من ثم من المهم الإشارة إلى أن الحديث عن التعاون المحتمل بين اسكتلندا “المستقلة” وبقية المملكة المتحدة يأتي في إطار عملية تطبيع أوسع للتعاون العسكري بين دول الأطلسي. ورغم بقاء التحفظات والخطوط الحمر مستقبلا يبقى التعاون ضروريا وهو بمثابة نزعة لن تتوقف.

ويمكن أن نتوقع الفوائد والتحديات المستقبلية للتعاون الاسكتلندي البريطاني بمقارنته بالتعاون العسكري بين بلدان الشمال الذي يسمى اختصارا ‘نوردفكو’ ويجمع النرويج والسويد والدنمارك وايسلاندا وفنلندا وتأسس في 2009.

وإذا كان هناك درس من المثال المبين أعلاه يمكن أن يستفيد منه النقاش حول التعاون بين اسكتلندا وباقي المملكة المتحدة فهو أن توافق السياسات ليس بالضرورة شرطا مسبقا لنجاح التعاون العسكري، بل بالعكس حتى ينجح التعاون لابد من قبول وجود بعض الاختلافات في السياسات وتفهم أن تحركات الدولة ستقودها انشغالات حول السيادة والأولويات الوطنية.

الاقتراحات في المجال العسكري والدفاعي التي قدمتها الحكومة الاسكتلندية في ورقتها البيضاء تركز على الأهمية التي توليها للإبقاء على التعاون العسكري مع باقي المملكة المتحدة في صورة التصويت لفائدة الاستقلال. ونظرا للموقع الاستراتيجي والجيوسياسي لاسكتلندا وأوجه الشبه مع جيرانها من بلدان الشمال من المحتمل أن تسعى اسكتلندا إلى التعاون أيضا مع منطقة الشمال وربما في إطار نوردفكو ذاته.

ومع ذلك تبقى العلاقة الدفاعية مع باقي المملكة المتحدة أكثر أهمية لذلك تسعى الحكومة الاسكتلندية إلى تطوير ترتيبات تعاون قوي منذ اليوم الأول إثر الاستفتاء. وهذا في الواقع أمر بديهي في جزء منه نظرا إلى أن الحكومة الاسكتلندية أعدت جدولا زمنيا على مدى عشر سنوات تقوم خلالها بتحويل القوات العسكرية من جزء من القوات البريطانية إلى قوة مستقلة.

وستكون المرحلة الانتقالية الهادفة إلى تكوين قوة دفاع اسكتلندية جاهزة تماما على مدى السنوات العشر القادمة في مصلحة اسكتلندا، لذا ستكون الحكومة الاسكتلندية في حاجة إلى مساعدة لندن خلال هذه الفترة.

من الصعب جدا، إن لم نقل من المستحيل، على الحكومة الاسكتلندية تطوير قدراتها العسكرية المستقبلية دون المساعدة من لندن. لكن هذا لا يعني أن التعاون ليس في مصلحة لندن فوجود حليف قوي وقادر على الحدود الشمالية سيكون أفضل بكثير من أن تكون اسكتلندا في وضع صراع لتوفير الاحتياجات الدفاعية الأولية.

قد لا تكون لندن سعيدة بنتيجة الاستفتاء إذا كانت لصالح الاستقلال لكن ليس هناك من سبب يجعل اسكتلندا لا توفر قوة عسكرية عصرية ومرنة قادرة على تأمين الحدود الاسكتلندية ولعب دورها في أمن الجزر البريطانية بشكل أوسع.

لكن مرة أخرى يجب لفت النظر إلى أن أي علاقة بين المملكة المتحدة واسكتلندا ستكون غير متكافئة، فاسكتلندا بلد صغير لديه أولويات إقليمية قد تكون له أهداف تختلف عن أهداف باقي المملكة المتحدة التي من المتوقع أن تحافظ على نفوذها الدولي. ومن ثم يجب أخذ عامل التقارب في السياسات (أو غيابه) في كل اتفاقية حتى إذا تباعدت السياسات الدولية سوف لن يضر ذلك بالتعاون بين اسكتلندا وبقية بريطانيا الذي سيتواصل كسالف عهده.


باحث بالمعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية "تشاتام هاوس"

7