"الانفصال" للأرجنتينيّة سيلفيا أرازي حكاية امرأة بعيدا عن النمطية النسوية

من الحب إلى اللاحب.. عثرات النساء وجراح الرجال.
الأحد 2021/06/27
التحوُّل من الحب إلى اللاحب

تعد المؤسسة الزوجية من أكثر المؤسسات الاجتماعيَّة ضرورةً، ومع هذا فهي أكثر المؤسسات عرضة للصراع والتصدع والانهيار، وهو ما نراه يتكرر باستمرار دون أن نقف بشكل محايد على أسباب أو ملامح انهيار هذه العلاقة التي قد تتحول من حالة الحب الكبيرة إلى اللاحب وحتى الكراهية والعداء، فيما لا نجد خطابا محايدا يفككها.

قد تكون أزمة منتصف العمر واحدة من أخطر الأزمات التي تمر بها المؤسسة الزوجية في عثراتها وصراعاتها، وتكمن خطورتها في أنها قد تكتب سطر النهاية بالانفصال بين الشريكين.

لكن مع الضرر البالغ الناتج عن هذه الأزمة إلا أن الخبراء يرون أن لها أهمية كبيرة، إذْ تُعد “فرصة حقيقيّة لنهضة محتملة” أو “إعادة ولادة” حيث الصعوبات أو السّلبيات كما تقول إيدا لوشان في كتاب “أزمة منتصف العمر الرائعة”، “قد تكون هي الباعث إلى البدايات الطيبة”. أو لأنها كما يصفها عالم النفس كارل يونغ “المرحلة التي يبتعد فيها البعض عن الاهتمام برأي الآخرين فيهم، ويكون اهتمامهم مُنصبًّا على نمو الذات”، وبعبارة أخرى “يهتمون بحسن تقديرهم لأنفسهم”.

يعتبر الانفصال (الطلاق) أحد أهم الإشكاليات التي تُهدِّد سلامة وأمن المجتمعات الشرقيّة والغربيّة على حد سواء، خاصة مع ارتفاع معدلاته ولاسيما بين المتزوجين حديثًا على نحو ما تقول الوثائق والتقارير الصادرة عن الوزارات والجهات المسؤولة التابعة لشؤون السكان والمرأة.

والجدير بالذكر أن أسباب الطلاق تكاد تكون مختلفة حسب البيئة والثقافة ومن امرأة إلى أخرى، لكن الجامع المشترك بين معظم هذه البيئات والثقافات يتمثّل في غياب الحب، وما يتبعه من حالة ملل تكون معولَ هدمِ الحياة بين الشريكين. المشترك الثاني وهو نتيحة لحدوث فعل الطلاق، ويتمثّل في أن المرأة تسعى لاسترداد ذاتها المستلبة من قبل الرجل بكل ما يتمثّله من صفات ذكورية استبداديّة، وكأن الطلاق/ الانفصال ولادة جديدة لها بعيدة عن كل الإكراهات التي جعلت منها تابعًا له لا مستقلاً عنه.

 خارج التنميط

في رواية “الانفصال” للأرجنتينيّة سيلفيا أرازي تضعنا الروائيّة أمام صورة مصغّرة وإن كانت مفصّلة للتحوّل الذي يطرأ على واحدة من أقوى العلاقات الإنسانيّة؛ حيث يحدث التحوُّل من الحب إلى اللاحب، وتبعات هذا التحول من نفور وانفصال عن الشريك. ومن جهة أخرى تطرح الرواية أزمة المرأة الغربية والتي تكاد تكون مماثلة – بعض الشيء – لأزمة المرأة العربية، فالاثنتان تعانيان من استبدادية ذكورية وقمع لذات المرأة، مع اختلاف الطرائق والذرائع.

كما تشير الرواية إلى طبيعة المرأة الواحدة مع اختلاف الثقافات في الاستعانة بالأعمال السفلية، كما جاء في حديث العرافة مع لوثيا عن طرق “ربط الحبيب” بقطعة من ملابسه الداخلية ورِجل دجاجة، بالإضافة إلى تردد بعض الأمثال العربية. وهو الأمر الذي يدل على تقارب ثقافي بين الشعوب ناتج عن تأثير الهجرات.

تُجسِّد المؤلفة هذه التغيرات والتحولات في المشاعر عبر حكاية امرأة أربعينيّة تُقرّر الانفصال بعد زواج دام خمسة عشر عامًا، ثم تستعرض لنا الدوافع من وراء هذا القرار المصيري الذي يبدو أن ثمة إجماعًا من الطرفيْن لتحقيقه؛ فالرجل/ الزوج يمتثل للقرار ويغادر المكان، ولم يبق منه إلا بعض آثاره التي تُثير الذكريات والحنين لدى الزوجة، إضافة إلى الرابط المهمّ الذي يصل بين الزوجين المنفصليْن، ألا وهو الإبنة.

وبقدر ما تكشف الرواية عن العوامل الداخلة في عملية التغيير والتحوُّل، إذْ تُرجعها إلى أزمة منتصف العمر، إلا أنّها تقدّم تمثيلات مختلفة تعبّر عن أسباب أخرى – غير تلك التي حدثت بينها وبين زوجها – من خلال حكايات متعدّدة عن الانفصال بكافة أشكاله.

 ولا يقف مفهوم الانفصال في الرواية عند الانفصال في العلاقة الزوجية المهشّمة، وإن كانتْ تركز عليه؛ حيث هناك تعدُّد في علاقات الانفصال بين الأزواج (فيرا وزوجها توماس، إرنستو وزوجته الجميلة، السيد فيرمان وزوجته، ووالد دودي وأمه.. إلخ من علاقات تنتهي بالانفصال سواء بعد الزواج أو بعد الحب على نحو ما يحدث مع ميراندا).

وهناك مفهوم أشمل تطرحه الرواية عبر التمثيلات المتعدّدة، مفهوم يشير إلى الانفصال المعنوي عن العائلة كما في علاقة البطلة بأمها، وبالتوازي علاقة أمها بهم، فالأم منذ صغرهما (هي وأختها) كانت لا تعتني بهما أو لاهية عنهما باهتماماتها المختلفة، وأيضًا بانفصال الأب عنها جسديًّا بنومه في غرفة مستقلة، مع أنهما ما زالا متزوجين، إلى الانفصال عن الوطن كما في صورة عائلتها التي نزحت من البلاد العربية (سوريا – دمشق) وبالمثل انفصال دودي صديق ميراندا عن وطنه في إيطاليا والذي لا يذكر شيئًا عنه.

يطرح النص مشكلة الانفصال بين الشريكين/ الزوجين بعيدًا عن التصورات/ التنميطات النسويّة الغربيّة التي تربطها باحتياجات المرأة الماديّة والجسديّة، أو محاولة الذّات الأنثويّة التحدِّي بأنها قادرة على العيش بدون وصايا ذكورية توفِّر لها الأمان المادي والاجتماعي، أو حتى تلك التي تُنمِّط المرأة بوصفها امرأة ذات جسد (بيولوجي) له احتياجات تحتاج إلى الإشباع ومن ثم تبحث عمن يشبعها، وإنما بربطها باحتياجات معنوية وقيميّة مرتبطة بكيفية تعامل الذكورية/ البطرياركية مع المرأة كأنثى ذات كيان عاطفي ونفسي واجتماعي، لها مشاعر وأحاسيس يجب أن يرقشها دومًا الرجل، ويحرص على تجديدها حتى لا تُصاب بالفتور أو تشعر بالملل والسَّأم. كما يُلمِّحُ النص إلى أن الانفصال بفعل التمرُّد على الذكوريّة وممارساتها الاستبداديّة في حقّ المرأة، ومحاولة تدجين المرأة، وسحقها تحت وطأة انتقادته، والتقليل من شأنها هو الأمر الذي يعدُّ مشتركًا بين الرجلين الشرقي والغربي.

محاولة الترويض

تحولات مصيرية
تحولات مصيرية

تسعى الروائية منذ استهلال النص لاختبار مشاعر المرأة بعد قرار الانفصال، فتقدم ذاتًا متأرجحة بين الحنين للزوج عبر استدعاءات/ شذرات كثيرة ومتناثرة عن علاقته بها وأوصافه لها، أو أشيائه التي تركها في البيت، وتأكيد الانفصال عنه بعدم الاشتياق له وشعورها باسترداد ذاتها، وهو ما يكشف بصورة غير مباشرة طبيعة الذات الأنثويّة وتناقضاتها بين ما تريده وما ينتج من ألم وشروخ عن حدوثه.

فمع الرغبة في الانفصال الذي كانت تتنظره طويلا “منذ شهور وربما منذ سنوات”، إلا أنه مع حدوثه تُصاب بألم الفقد، وما إن يقترب الموعد حتى نراها تضعف وتتساءل في ألم “ولكن، كيف يمكن الهروب من ألم الفقد؟ كيف يمكن حتى التوصل لاستيعاب كلمة غياب؟”، وإن كانت تنجح في تمثّل فكرة غيابه في وعيها، إلا أن الذكريات تؤلمها فتتساءل في استياء “كيف أنساه؟”. ومع الأسف فلا تختفي أعراض الانسحاب، بل تزيد حالة الاشيتاق إليه، بل يسبب رحيله آلامًا جسدية علاوة على النفسية، فيتضاعف الصداع.

ومع هذه الآلام التي تنتابها وصراعها لتقبّل التغيّرات اللاحقة للقرار، أو محاولة ترويض ذاتها على بعده وانفصاله، نراها بسرعة تعدّل المسار وتسعى للتكيُّف مع الوضع الجديد، فبعد انتظارها أن يلتفت إليها وهو يستقل المصعد ليقول لها شيئًا، ولو تافهًا، فتراقب بدقة حركة وجهه “قوّس حاجبيه ورفع كتفيه، وانفرجت شفتاه، كما لو كان سيتكلم أو سيبتسم”، لكن فجأة يتبدل المشهد لصالحها، فتنظر في ثبات ولا ترى منه سوى وجه غريب لكليهما “أعزل عار، وعلى درجة من البراءة”.

هكذا تعثر على ذاتها في الانفصال، وتجد فيه فرصتها لتقييم حياتها السابقة، فتسترجع تاريخ القهر والاستبداد الذي مارسه بيدرو بالكلمات فهو كان يستخدم الكلمات كسلاح، فكان يلقي عليها الكلمات الأكثر سحرًا وعذوبة، وفي نفس الوقت يمطرها بالكلمات القاسية، واستردادها لذاتها نراه بصورة واضحة في مشهد تبديل أثاث البيت وفق تصوراتها لحياتها.

ما بين مشهد بداية الرواية ونهايتها، كانت ثمة تغيرات كثيرة حدثت للشخصيتيْن، فبيدرو الذي فارقها ونال لقب الزوج السابق بدا أكثر نحافة ومهتمًّا بأناقته على نحو ما لاحظت لوثيا، بالإضافة إلى أنه غيّر نظاراته، كما أن قُبلته صارت رقيقة بلا اندفاع، أما لوثيا فقد تغيّرت – هي الأخرى – فتخلّت عن الكثير من عاداتها، وصارت تشرب الشاي، وقصت شعرها.

من الغريب أن نجد البطلة بعد الانفصال تكرر عادات الزوج وسلوكياته، فتفعل أشياءً كانت تنتقدها فيه، كالنوم مبكّرًا، وفي توقيتات مختلفة، وترك التلفزيون مفتوحًا لساعات طويلة، وحفظ الملابس الداخلية في أكياس شفافة، وترتيب الملابس حسب الألوان، وترتيب الأدراج بشكل شبه مهووس. وهو ما يشير إلى شدة التعلّق به حتى مع غيابه، بل تسمح لنفسها بأن تتلصص على حياته الشخصية، فتسأله إبنتها عن صديقته التي احتفل بعيد ميلادها، بل وتتجرأ وتسأله – هو – عن المرأة التي ردت عليها ذات مرة.

خطاب متعادل

صورتا الرجل والمرأة متساويتان (لوحة للفنانة زينة مصطفى سليم)
صورتا الرجل والمرأة متساويتان (لوحة للفنانة زينة مصطفى سليم)

لا يتعامل الخطاب الروائي مع الرجل من منظور خطاب نسوي معادٍ للمرأة يُحقِّر من شأنها ويستعلي عليها، أو حتى يُمارِس عليها ذكورية مفرطة/ مستبدة، ومن ثمّ نراها ترفع شعارات نسوية مناهضة للرجل تُحمّله أسباب الانفصال وحده، بل على العكس تمامًا، فالمرأة/ الزوجة لا تُخْلي نفسها من المسؤولية، فتشاطره أسباب الانفصال.

كما أن صورتي الرجل والمرأة متساويتان، فإذ كان الرجال على حق في تصور أنجيلا “عندما يؤكدون أننا شكّايات”، فإنهم (أي الرجال) “مزعجون في البيت أثناء الأسبوع (وبصفة عامة) تتنفس البيوت في عدم وجود الرجال بالمنزل”. ونفس الشيء نراه عند الآنسة بيجي ذات الاهتمام بالنباتات والزهور، فهي ترى أن الأزواج يتحولون بمرور السنين إلى أشقاء أو أعداء، وإذا كان لديها أشقاء، فما الداعي لجلب أعداء لها.

إذا كان الخطاب السردي يُعرِّي الرجل، فإنه في الوقت ذاته لا يُهادن المرأة فيقدِّم صورًا عنها تُبرز مبالاتها وعدم وعيها بدورها كما في نموذجي أختها ميراندا وأمها بولا. كما ينقل الخطاب مشاعر متباينة نحو الأمومة، وتمرد الإبنة على أمها، وفي نفس الوقت حب الأم لإبنتها، وحبّها فيها ما كانت تكره في أمها (الجدة بولا).

هنا تتماس الحكاية مع طبيعة المرأة ومشاعرها كامرأة التي لا تنفصل عنها، دون الاستجابة لدعوات النسويات بالتمرد على الذكورة. وكأنها تقول لنا إن مشاعر المرأة تتمرد على كافة النظريات والأنساق، فعندما تحب تتمرد، وعندما تنفصل تتمرد، وعندما تغار لا تستطيع أن تخفي مشاعرها الطبعية. فهي في الأول والأخير امرأة ذات مشاعر، تغلب عواطفها قرارات عقلها.

تعرّج الروائية بأثر الانفصال على الأبناء سواء في تمردها وأختها على أمهما، أو في ما يتركه من آثار سلبية ظهرت على ابنتها مورينا؛ فالمدرسة تشتكي من أنها دائمة الشرود في الفصل ومشتتة ولا تستجيب للمدرسة، وبعدوانيتها مع زميلاتها.

لا يغفل الخطاب الروائي مع تكثيفه الشديد أساليب التنشئة الخاطئة التي قد تكون لها علاقة غير مباشرة بتأزُّم العلاقة بين الزوجين، فالبطلة تُعاني من فتور وانفصال شبه تام عن الأم، وإن كانت أبدت انبهارًا وإعجابًا بجمالها، فالأم شغوفة بجمالها، هذا الجمال الذي سحر الأب فتعلّق بها، وبالمثل الفنان ألبرتو كاريغال، وأيضًا بثقافتها العميقة، مع خشيتها بأن تصبح ابنتها مثل جدتها أو تصبح هي مثل أمها في انتقاد تصرفات ابنتها. في مقابل علاقة حميمة مع الأب، فكما يقول الخبراء إن في مرحلة الطفولة تكون الحاجة إلى الآخرين مسألة حياة أو موت، والحاجة إلى الآخرين تعني الشعور بالحب والرعاية.

حكاية امرأة أربعينيّة تُقرّر الانفصال بعد زواج دام خمسة عشر عامًا، تستعرض دوافع هذا القرار المصيري وتقلباتها
حكاية امرأة أربعينيّة تُقرّر الانفصال بعد زواج دام خمسة عشر عامًا، تستعرض دوافع هذا القرار المصيري وتقلباتها

لخصت البطلة/ لوثيا علاقتها بأمها في عنوان إحدى الوحدات السردية هكذا “تلك المرأة” كتأكيد على موقفها السّلبي منها، والذي يشي ببعدها عنها أو سعيها لإبعادها عنها، وهو ما يتحقق على مستوى الخطاب، فتناديها باسمها المجرد (بولا) أو بضمير الغائب (هي)، وفي أحيان قليلة بكلمة “أمي”، لكن دون أن تتقدّم خطوة وتبدّد جفوة العلاقة بيهما وتخاطبها بـ”ماما” فهذا غير ممكن ولا وارد في الأساس.

لا تتوقف الروائيّة عند حدود علاقتها بزوجها واسترجاع تاريخهما معًا قبل الانفصال وفقط، وإنما تكتب تاريخًا شخصيًّا لذاتها وللعائلة معًا، فتتوقف قليلاً عند العائلة وأصلها الذي يمتد إلى البلاد العربية (سوريا) وما تعرضت له من إخفاقات وفقد، وتمرر أثر البيئة في الاحتفاظ ببعض العادات العربية في حياتهم الجديدة، كشرب المتّة، والميل إلى البهجة والفرح كما ذكرت العمة.

لم تنغلق الساردة على ذاتها ولم تكتف باجترار مأساتها الشخصيّة، وإنما توزّع المآسي والآلام على أفراد من داخل الأسرة ومن خارجها، فتسرد بعضًا من تفاصيل مَن مروا بها كالخادمة أنجيلا وزوجيها، وما تعانيه من آلام صحيّة، وبالمثل حكايات عن الأصدقاء وإخفاقاتهم كما في نموذج صديقتها فيرا التي ارتبطت بها منذ أن كانتا طالبتين في المرحلة الثانوية. وخيبتها في زوجها الذي أحبته عندما كانت في العشرين، وبعد أن رزقا بطلفين ترك لها رسالة يخبرها فيها بأنه على علاقة حب بأخرى. وكذلك سيدة مركز الساونا التي تحكي عن ابنتها وزوجها وعلاقتهما التي ليست على ما يرام.

كما تقدم الرواية مقابل صورة المرأة المستهترة التي لا تُبالي بأي شيء، كما في صورة ميراندا، فهي تزوجت مرتين ولها علاقات متعددة؛ صورة الرجل المستهتر والدنجوان في صورة دودي صاحب الخمسين عامًا، إلا أنه يعيش تجربة حب جارفة وملتهبة مع طالبة صغيرة في العشرين، فحياته تعج بالنساء على اختلاف درجة علاقته بهن، فالمرأة عنده “هي كل شيء” سعادته وشقاؤه، ومهمته أن يكشف سر غموضها.

تؤكد الكاتبة على أهمية استقلال المرأة ماديًّا، فهو الوسيلة التي تضمن لها استقلالاً كاملاً بعيدًا عن الانصياع لتحيزات الرجل، أو البحث عن ذارئع للارتماء في حضن الرجل من أجل توفير الأمان المادي والاجتماعي.

ينتصر الخطاب الروائي للمرأة، فالمرأة – كما تظهر – مثقفة من طراز رفيع على نحو ما جسّدت الأم باولا التي كانت تثور على كل ما هو تافه، وعندها كل ما ليس من أعمال شكسبير وتولستوي أو دوستويفسكي مضيعة للوقت. كما تحفظ أشعار لوركا وتلقيها من الذاكرة، وهذه إشادة بثقافة المرأة علاوة على ولعها بالفنون.

لا تتوقف الرواية عند المشاكل العاطفية أو مشاكل الزواج أو حتى المشاكل الأسرية، وإنما تسرد أيضًا عن معاناة المرأة بصفة عامة، وكأن الرواية تسعى لتقديم تنويعات متعدّدة لممارسات القهر والاستلاب التي تُعاني منها المرأة. فلا المرأة المتزوجة سعيدة ولا غير المتزوجة، الجميع يدور في ذات الحلبة والصراع. فقد عانت أنجيلا من زوجها الأول، فهو سكير عنيف اضطرها لأن تبيع أثاث منزلها كي تسدد له ديون القمار. أما زوجها الثاني (عمر) مطرب الروك السابق ترك القيتار كي يتفرغ لإصلاح الأسقف، فمع أنه رائع يعتني بها ويتحمل آلامها وانفلات أعصابها، إلا أنه غيور، لا يفارقها في أي مكان، وهو ما كان يخنقها منه.

عبر وحدات سردية مكثفة أشبه بالشذرات، عالجت الرواية الصادرة عن دار مسعى بترجمة طه زيادة، واحدة من أشد العلاقات الإنسانية اضطرابًا وتعرضًا للهزات دون انحياز لطرف على حساب الآخر، أو حتى تبنّي وجهات نظر سابقة، أو محاولة للانتصار لمقولات النسوية وشعاراتها. ومع أن الصورة البارزة للنص هي عن الانفصال وآلامه، إلا أن الحقيقة أن الرواية تعيد تعريف الحب في ضوء الانفصال، وترى أن الحب في أبسط معانيه هو”ألم الذكرى”.

12