الانفلات المهني للصحافة الإلكترونية يهدد شفافية الانتخابات في مصر

مع تزايد عدد المواقع الإلكترونية والإخبارية في مصر، تبرز مشكلة ثنائية، تتعلق بشرعية هذه المواقع ومدى التزامها بالمعايير المهنية، وجانب آخر يخص تجاهل حقوق العاملين فيها مع رفض نقابة الصحفيين إدراجهم ضمن قيودها بحسب قوانينها الراهنة.
الجمعة 2015/08/14
قلة من الصحف الإقليمية تلتزم المعايير المهنية في خطها التحريري

خلفت الأحداث السياسية والنمو الهائل للمواقع الإلكترونية، حالة من التناقض الصارخ في الصحافة الإلكترونية والإقليمية في مصر، دفع خبراء الإعلام والمؤسسات الإعلامية لإطلاق دعوات التحذير ودق ناقوس الخطر لهذه الظاهرة.

ويرى الخبراء أن اللحظة الراهنة التي تعيشها البلاد، تشكل دافعا قويا لتصويب وضع خاطئ استمر عشرات من السنين، في ما يخص الإقليمي منها، ونحو عشر سنوات من الوهج للصحافة الإلكترونية.

جاءت حالة التناقض هذه نتيجة الأثر البالغ للصحافة الإلكترونية، القومي والإقليمي منها، والذي زاد من أثرها امتلاك صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، يتجاوز عدد متابعي بعضها مئات الآلاف، ما يزيد من أثرها، خاصة مع بدء العد التنازلي لانطلاق مارتون الانتخابات النيابية قبل نهاية العام الجاري، غير أنها رغم ذلك تنشأ وتعمل بدون غطاء من الشرعية القانونية، فلا يوجد قانون منظم لإصدار الصحف الإلكترونية، كما تصدر معظم الصحف الإقليمية الورقية بتراخيص أجنبية معظمها قبرصية.

ويمنح القانون المصري رقم 96 لسنة 1996، المجلس الأعلى للصحافة (المؤسسة التي تنوب عن الدولة في الإشراف على المؤسسات الصحفية)، حق منح الصحف تراخيص الصدور، ويشترط أن تكون الصحيفة طالبة الترخيص، صادرة عن شركة مساهمة مصرية، محدد اسم مالكها، وعنوانه، وعنوان مقر الشركة والجريدة، وأن يكون رأس مال الصحيفة يومية الصدور مليون جنيه بحد أدني ( نحو 130 ألف دولار)، ونصف مليون جنيه (65 ألف دولار) للصحف الأسبوعية وربع مليون جنيه (32,5 ألف دولار) بحد أدني للمجلات الشهرية، وأن يرفق بطلب الترخيص اسم رئيس التحرير، وأعضاء مجلس التحرير، على أن يكون جميعهم أعضاء مشتغلين ومقيدين بجداول نقابة الصحفيين.

وتختص تلك الشروط المالية والمهنية، بالصحف الورقية الصادرة بترخيص من المجلس الأعلى للصحافة، والبالغ عددها حوالي 50 مطبوعة يومية، ما بين ملكية عامة وخاصة وحزبية، إلى جانب 450 مطبوعة، بين عامة ومتخصصة، وتابعة لجمعيات أهلية تتنوع في دورياتها بين أسبوعية ونصف شهرية وشهرية، لكنها لا تنطبق على الصحف الإلكترونية والإقليمية التي تصدر بدون ترخيص ويشرف على أغلبها هواة ليسوا أعضاء في نقابة الصحفيين.

بعض الصحف تزدهر في الانتخابات وتستخدم في الترويج لمرشحين بعينهم وتخلط المادة التحريرية بالإعلانية

وتصدر الصحف الورقية الإقليمية بتراخيص من شركات قبرصية، بتكلفة لا تتجاوز 10 آلاف جنيه (1300 دولار)، دون اشتراط الحرفية للمشرفين عليها، ما جعل أغلبها مجرد مطبوعات تجارية تبحث عن الربح المالي أكثر من كونها باحثة عن جودة المضمون والمحتوى، من ثم تزدهر في زمن الانتخابات، حيث تستخدم في الترويج لمرشحين بعينهم بالأقاليم، وتخلط المادة التحريرية بالإعلانية لتحقيق ربح مادي، والبعض منها يستخدم لتشويه خصوم داعميها ماليا أو ابتزازهم، وقلة نادرة منهم من تلتزم المعايير المهنية. لكن حال الصحافة الإلكترونية يختلف بعض الشيء، فعدد كبير من مواقع الصحف الإلكترونية الخاصة حقق نجاحات مهنية ودرجة كبيرة من التأثير، غير أن انتشارها في مصر جاء تاليا على صدور التشريعات المنظمة لشؤون الصحافة ولشؤون نقابة الصحفيين.

وتسبب التقصير في عدم إدخال تعديلات تشريعية من قبل القائمين على المهنة والحكومات المتوالية، إلى تقنين أوضاعها، ما أدى إلى إنشاء المئات من المواقع الإلكترونية الإخبارية بدون سند قانوني، ما أسفر عن توالد وتكاثر المشكلات المهنية التي تهدد بانفجار قد يهز أركان مهنة الصحافة.

أبرز تلك المشكلات وجود قطاعين، الأول شديد المهنية والحرفية، غير أنه يعمل خارج أطر الحماية النقابية، حيث تشترط نقابة الصحفيين لقيد الصحفي في جدولها، أن يكون معينا بمؤسسة تصدر مطبوعة ورقية، وهو لا يتحقق في الصحف إلكترونية النشأة، وقطاع آخر من الهواة، من غير محترفي المهنة والدخلاء الذين يشيدون صحفا إلكترونية بدون التزامات قانونية أو مالية، لاستغلالها في الابتزاز وخلط الإعلان بالتحرير للتربح وتقديم خدمات لفصائل سياسية أحيانا، عبر تعمد نشر شائعات بحق الخصوم، وكون المشرفين عليها غير نقابيين جعل محاسبتهم مهنيا غير ممكنة، إلى جانب أن تجاوزاتهم تسيء كثيرا لمهنة الصحافة.

دفع هذا الوضع خبراء الإعلام إلى الدعوة لاستغلال اللحظة الراهنة، والتيتجعل من صياغة تشريعات جديدة منظمة لشؤون الإعلام المرئي والمسموع والمقروء والإلكتروني أمرا حتميا، وفقا للدستور الجديد الذي نص على أن ينظم القانون تشكيل واختصاصات المجلس الأعلى للإعلام وما ينبثق عنه من المجلس الوطني للصحافة والمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، لوضع ضوابط لإصدار الصحف وتصحيح أوضاع الصحف الإلكترونية.
نقابة الصحفيين تشترط لقيد الصحفي أن يكون معينا بمؤسسة إعلامية تصدر مطبوعة ورقية

ودشن عدد من محرري الصحف الإلكترونية حملات ضغط، لمواجهة أزماتهم وانتزاع حق القيد في نقابة الصحفيين عن طريق وضع نص تشريعي يسمح لهم بالالتحاق بجداول نقابة الصحفيين، ودشنوا في سبيل ذلك هاشتاغ “أنا صحفي إلكتروني”، إلا أن نقابة الصحفيين شددت على أن القانون الحالي يمنع ذلك، وأن تحسين أوضاع الصحف الإلكترونية يتطلب أولا تحديد ماهية الصحيفة الإلكترونية وضمانات أن تكون مؤسسة إعلامية يشرف عليها حرفيون أعضاء بجداول النقابة، وذات رأس مال ومقر وضمانات لحقوق العاملين بها، كي تميز بين الصحيفة الإلكترونية والمدونات الخاصة.

ويسعى عدد من المهتمين بالتشريعات لتأسيس نقابة خاصة بهم، موازية لنقابة الصحفيين الحالية، بعقد ندوات ومؤتمرات للوقوف على مقترحات لتضمينها التشريعات المرتقبة، وسط الزخم والجدل اللذين تزايدا بدعوة عدد من العاملين بالصحف الإلكترونية.

فيما سعت مؤسسات صحفية كبرى للبحث عن رواج إقليمي لها، عبر التواصل مع القائمين على الصحف الإلكترونية والورقية بالأقاليم وعقد دورات لهم ومؤتمرات، فعلى الرغم من رواج عدد من الصحف العامة الصادرة بالقاهرة، إلا أن اهتماماتها تنصب على الأحداث السياسية والاشتباك مع القرارات الحكومية في شبه تجاهل لواقع القرى والمدن بمحافظات الأقاليم.

18