الانقلاب وحكومة الأقنعة المزدوجة في العراق

الخوف من وجود قوة عسكرية يقودُها عزت الدوري إنما يُستمدُ من واقعِ أن النظام السياسي القائم الموالي لإيران، ظل منبوذا من جانب الغالبية العظمى لنخبة الجيش العراقي السابق.
الأربعاء 2020/10/07
هل يقود الدوري الانقلاب العسكري القادم في العراق

لغز عزت الدوري نائب الرئيس العراقي السابق عاد إلى التداول بعد أن أعلن وزير داخلية حكومة بول بريمر في العراق، باقر جبر صولاغ، عن مخطط لانقلاب عسكري على النظام القائم.

صولاغ، لم يكشف عن مصدر معلوماته، ولا أكدت ذلك أجهزة الأمن والاستخبارات الرسمية، ولكنه قال إن تدريبات مكثفة يقوم بها الجناح العسكري لحزب البعث في شمال محافظة ديالى ومثلث الموت، الواقع بين مناطق مكحول وخانوكة وسلسلة جبال حمرين، لها هدف واحد، وهو دعم مشروع الانقلاب العسكري الجديد.

ولا أحد يعلم أين يعيش الدوري، أو ما إذا كان حيا من الأساس، ولكن الغموض ظل يُحيط بأدواره منذ أن تكفل بقيادة الحركة النقشبندية، وهي حركة صوفية، ولكنها سرعان ما تحولت إلى حركة مسلحة وشديدة الانضباط والسرية بعد غزو العام 2003.

ويبلغ الدوري 78 عاما من العمر، وكان يعاني من المرض، ولكنه ظل قوي البنية، وقادرا على جذب الولاء والمريدين، بسبب إخلاصه للرئيس الراحل، وبسبب بساطته وزُهده.

تحذير صولاغ من وجود مخطط لانقلاب عسكري، قد يعني أن هناك بالفعل من يُخطط لانقلاب عسكري، ولكن بين أوساطِ الميليشيات التابعة لإيران، بحيث يُتخذُ المخطط المزعوم كذريعة لانقلاب هذه الميليشيات على حكومة مصطفى الكاظمي.

ويسود الاعتقاد بين أكثر هذه الميليشيات ولاء للولي الفقيه، أن الكاظمي يسعى إلى الحد من نفوذ إيران في العراق، وهو ما يعني الحد من نفوذ هذه الميليشيات.

وفي حال أسفرت الانتخابات المزمعة في أواسط العام المقبلِ عن هزيمة الأحزاب التابعةِ لإيران، فإن ذلك يمكن أن يُحفّزها على البحث عن ذريعة لتغيير المسار.

والخوف من وجود قوة عسكرية خفيّة يقودُها الدوري، إنما يُستمدُ من واقعِ أن النظام السياسي القائم، ظل منبوذا من جانب الغالبية العظمى لنخبة الجيش العراقي السابق، فضلا عن أن تبعية النظام الراهن لإيران لم تكن مما يُرضي العراقيين، لا في وسط البلاد ولا في جنوبها. وهي معضلة لم تتمكن إيران من التغلب عليها، حتى انكشفتْ بوضوح عندما اندلعت التظاهرات ضد فساد النظام وولاءاته الإيرانية. ولا سبيل للتيقن من أن انقلابا ميليشياويا على حكومة الكاظمي يمكن أن يحل هذه المعضلة.

إيران تستطيع أن تنظم انقلابا في أي وقت تشاء. وميليشياتها قادرة على شل ليس الحكومة وحدها، ولكن أيضا كل أجهزتها الأمنية والعسكرية، بما فيها أكبر وحدات الجيش العراقي التي قد يستعين بها الكاظمي للدفاع عن نفسه. والسبب في ذلك يعود إلى أن هذه الأجهزة، كغيرها من المؤسسات الحكومية الأخرى مخترقة من جانب هذه الميليشيات. وقد يتوفر لبعضها قادة مستقلون، إلا أنها تحتشد بمن يمكنهم شل هؤلاء، أو قتلهم.

الأميركيون ينسحبون، وأعدادهم لا تكفي لفعل شيء ذي جدوى، ولا حتى لحماية النفس، بما في ذلك السفارة الأميركية.

حكومة تأتمر بأمر قم مباشرة، سوف توفر للاحتجاجات وقودا سريع الاشتعال
حكومة تأتمر بأمر قم مباشرة، سوف توفر للاحتجاجات وقودا سريع الاشتعال

وقد يكون من بديع المخيلة أو مرضها الزائد عن اللزوم، أن تكرر الميليشيات العراقية حصار السفارة الأميركية في طهران، الذي استمر 444 يوما بين الرابع من نوفمبر 1979 والعشرين من يناير 1981. وكانت “ملحمة” ظل يتغنى بها إرهابيو نظام الخميني، وتوفر للولي الفقيه من كانوا طلبة في وقتها، ليصبحوا من أركان السلطة في ما بعد.

كل هذا ممكن، بما في ذلك تكرار المهازل، ولكن المشكلة لا تكمن في قدرة ميليشيات الولي الفقيه على تنظيم الانقلاب. المشكلة تكمن في ماذا يمكنها أن تفعل من بعده.

إيران راهنت على طول الخط على وجود حكومة ترتدي قناعين. بحيث تبدو للأميركيين وكأنها حكومة، قادرة على فعل بعض الأشياء، وتنصاع في الوقت نفسه لمطالب إيران وتتكفل بتغطية أعمال الفساد وتهريب الأموال، وتوقيع العقود الزائفة، وغير ذلك من الأعمال التي ظلت غايتها الوحيدة هي تسريب الثروات العراقية لتصب في صالح خزانة الحرس الثوري الإيراني.

وجود حكومة ميليشياوية، ترتدي قناعا واحدا، يجعلها فضيحة، تجاه الولايات المتحدة، كما تجاه العراقيين أيضا. ولن يكون من السهل عليها أن تظهر كمجرد حكومة مأجورين للولي الفقيه. شيء ما من “العراقوية” يجب أن يطفو على السطح. فيظل مزعجا لطهران.

العراق في وضع المُفلس على أي حال. وعزلة حكومة ميليشياوية سوف تزيده إفلاسا. وهو ما لا يناسب إيران.

ولئن قادت الأوضاع المتدهورة الراهنة إلى اندلاع احتجاجات لم تتوقف على مدار عام، فإن حكومة تأتمر بأمر قم مباشرة، سوف توفر للاحتجاجات وقودا سريع الاشتعال، يمكنه أن يحرق الأخضر واليابس.

المنقلب الأكثر أهمية من ذلك كله، لا يتعلق بخطر وقوع انقلاب، وإنما بالحاجة المتواصلة لوجود حكومة ترتدي قناعين، لتمارس ألعاب “التقية” والخداع من دون نهاية.

وهذا ما لا يكفيه انقلاب.

وما لم يكن العراقيون قادرين على اقتلاع المسامير التي في أحذيتهم، فإن شغل الأباطيل و”الروزخونيات” سيظل ينتج الوجع نفسه.

8