الانهيار الأخلاقي بين الإمكان والاستحالة

الملاحظ والملفت للانتباه أن مظاهر الانحدار الأخلاقي لم تعد مظاهر فردية منعزلة بل اتخذت صبغتها الاجتماعية المنتشرة والعامة حيث شملت كل الشرائح الاجتماعية دون اعتبار للسن.
الأحد 2018/06/17
التدخين أصبح عملية معلنة دون مواربة أو تخفّ

من المواضيع الساخنة في أيامنا هذه والتي استطاعت أن تجمع حولها توافقا فريدا، موضوع الانحدار الأخلاقي في المجتمعات العربية بشكل لافت للنظر، حيث غدت المنظومة الأخلاقية والقيميّة هشة وفي طريقها إلى التحلل، والمؤشرات الدالة كثيرة بل اتخذت شكل الظواهر الاجتماعية التي تنخر في صلب النسيج العائلي والمجتمعي وحتى الكوني.

الشاعر المصري أحمد شوقي يقول في بيته الشهير:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ومن هنا يتجلّى الإشكال الأهم والمتعلق بهذا الموضوع والذي يتمثل أساسا في أسباب هذا الانحطاط الأخلاقي ومظاهره وارتداداته على الفرد والأسرة والمجتمع عموما.

إن السيرورة التاريخية والصيرورة الحضارية الكونية تجيزان بما لا يدع مجالا للشك الاختلاف على مستوى الأفراد والجماعات والشعوب بل الاختلاف فطري في البشرية، وكذلك تجيزان التطور الطبيعي لبنية العقول في علاقتها بالفلسفة والفكر والدين وجميع المرجعيات والقوالب التي تساهم في التغير المبني على التراكم ثم التجاوز.

يعني كل هذا أن الاختلاف في تقييم وتقويم المنظومة القيمية الأخلاقية طبيعي في العلاقة التي تربط الأجيال ببعضها البعض، ولكن أيضا من غير المعقول أن تُهدّم المنظومة بأكملها في شكل يقوم على ما يسمى في علم الاجتماع بـ”الانبتات” بمعنى قطع الجذور الحضارية والثقافية التي تصلنا بالماضي.

إن المشاهد التي تتكرر يوميا أمام الفضاءات المدرسية والتعليمية بل في بعض الأحيان داخل أسوارها، ولعل أبرزها التلفظ بألفاظ نابية وخادشة للحياء بمناسبة أو دونها مع تواجد الجنسين معا وكأن الحدود الفاصلة بين الذكر والأنثى امّحت تماما، أما التدخين فأصبح عملية معلنة دون مواربة أو تخفّ يمارسها المراهقون -ذكورا وإناثا- وقد يصل الأمر إلى أخطر من ذلك مثل تعاطي المخدرات والأقراص المخدرة وغيرها من وسائل الإدمان.

فإذا كان الوسط المدرسي ومحيطه أضحى مسرحا لهذا التدهور الأخلاقي وهو فضاء التعلم، فما بالك بالفضاءات الاجتماعية الأخرى. وعلى سبيل المثال المتجول في شوارع المدينة في شهر رمضان -من المفروض هو شهر الستر والتقوى واحترام مشاعر الآخرين- يشاهد ظواهر لا تمت بأي صلة إلى المنظومة الأخلاقية المترسخة عبر الزمن والأجيال، منها المجاهرة بالإفطار والتدخين، وهي قناعة شخصية، ولكنها تصبح غير مقبولة إذا كانت استفزازية.

ومن المظاهر الدالة أيضا على الانحطاط الأخلاقي الكلام البذيء في الأماكن العامة كالشارع ووسيلة النقل والملعب والمتجر وغيرها، دون أدنى احترام لكبار السن أو الأطفال أو النساء.

 كلنا يدعم مشاعر الصداقة الجميلة وأحاسيس الحب النقية، ولكن ما نرفضه هو الاستهتار بمثل هذه المشاعر وإفراغها من محتواها الروحي والأخلاقي لتصبح مجرد ممارسة جسدية لا معنى لها والأدهى والأمر أنها تمارس في كل الأمكنة وعلى الملأ. إن المرأة وما يحيط بها من نبل وقداسة تفقدها بمجرد كسر الحواجز الأخلاقية بينها وبين الرجل، وهنا لا نقصد الممارسات الجنسية ولكن بمجرد كسر الحواجز تهتزّ أنوثة المرأة خاصة في نظرة المجتمع، وحتى الذكور يفقدون هيبتهم الاجتماعية في سياق ممارساتهم اليومية غير المحسوبة.

الملاحظ والملفت للانتباه أن مظاهر الانحدار الأخلاقي لم تعد مظاهر فردية منعزلة بل اتخذت صبغتها الاجتماعية المنتشرة والعامة حيث شملت كل الشرائح الاجتماعية دون اعتبار للسن أو الفوارق المادية والطبقية، ولذلك طبعا أسباب عديدة، من أهمها النسق الحضاري العام الذي انخرطت فيه جميع المجتمعات دون استثناء في إطار العولمة ومركزية المعرفة وبطبيعة الحال فقدت القيم المعنوية والروحية قيمتها لصالح التفكير النفعي البراغماتي حيث لا قيمة لأي فعل إلا إذا حصلت من ورائه فائدة مادية مباشرة.

فالصداقات والعلاقات بين الأجيال وبين الكبار والصغار وبين الرجال والنساء أصبحت تقودها المصالح لا غير في غياب شبه تام للخصوصية وللأنساق الأخلاقية المبنية على الاحترام المتبادل والمحافظة على الثوابت القيمية التي من المفروض أن تحافظ على مكانتها الثقافية والحضارية رغم التطورات العميقة التي شهدها العصر.

 أما السبب الثاني فهو بالتأكيد فقدان الإحاطة الاجتماعية أو بالتحديد “المرافقة” بالمعنى التربوي الأكاديمي، في خضمّ تراكم المشاغل اليومية وتعددها على حساب تربية النشء ومرافقته وتعليمه الثوابت والأسس الأخلاقية المتجذرة، وحمايته من الانجرار الأعمى وراء مغريات الحضارة الكونية الوافدة دون استئذان بواسطة انتشار شبكات التواصل الاجتماعي والتي طرقت باب كل شخص وكل بيت وكل مجتمع.

إذن فالإهمال الذي يمارسه الكبار -بقصد أو دونه- يعود بالسلب على الأجيال حاضرا ومستقبلا، وبعد ذلك هؤلاء الكبار أنفسهم هم الذين يشتكون من سوء الأخلاق وينعون “الزمن الجميل الذي ولى ولم يعد”، متناسين دورهم المركزي في ما وصلت إليه الأمور.

ورغم النظرة التي يغلب عليها التشاؤم إلا أن الحلول ممكنة بإدارة حوار مجتمعي لا يستثني أحدا لتشخيص الظاهرة تشخيصا موضوعيا دون السقوط في الإسقاطات الدينية أو الأيديولوجية، ثم البحث عن المخرجات الموضوعية وفق مشاريع استراتيجية على المدى المتوسط والبعيد.

21