البائع المهذب لا يزيد حلاوة التين

الاثنين 2017/07/10

المشهدان متشابهان وإن اختلفت الصورة، فهما يجمعان بائعين للغلال أحدهما على ضفة المتوسط في بلد عربي وآخر في صيف لندن.

هناك حيث الطريق خارج العاصمة عرض بائع الغلال بضاعته على الطريق الخارجي في صناديق ملونة تغري سائقي المركبات بالتوقف عنده، وهذا ما حصل معنا.

توقفنا برغبة الشراء، تلاطفنا مع البائع الشاب قبل أن نختار الفاكهة التي بدت وكأنها قُطفت للتوّ من بستان مجاور ولم تمرّ على المخازن، لم يبد أيّ ودّ وانتظر لنسأله عما نريد، وبمجرد الإقدام على محاولة انتقاء حبات التين، قال لن أسمح لكم بالاختيار، فأنا من ينتقي لكم!

وبوجه متجهم اختار ما يشاء لنا من الكرموس التونسي الذي لا نجده في أسواق لندن، مع ذلك استمر ودّنا وملاطفتنا للبائع الشاب واخترنا كيسا آخر من الفاكهة وزدنا بكيس ثالث، لكننا واجهنا نفس الصدّ والتجهّم الخالي من الودّ، وكأنه لا يريد كسب الزبائن، بل وكأنه لم يسمع من قبل بالجملة الشهيرة “الزبون دائما على حق!”.

قلت له “نحن نشتري منك يا رجل، لماذا أنت مستاء؟” حدّق البائع في وجهي قليلا ولم يجد إجابة، غير التجهّم وافتقاره إلى الودّ.

على الجانب الآخر وقف البائع الشاب أمام الدكان المقابل لضفة نهر التايمز، ينادي بإنكليزية محلية عن تخفيضات على أسعار الفواكه، تكرر المشهد أمامنا واخترنا صندوق التين، في محاولة فاشلة لاستعادة مذاق الكرموس التونسي، أغرانا البائع الشاب بأننا لو أخذنا ضعف الكمية سيكون الثمن أرخص، واخترنا كما نشاء من حبات التين وليس كما يريد البائع!

في داخل الدكان الصغير كان الرجل يقف خلف ميزان رقمي يرحب بالزبائن أو يسألهم عن عدد حبات الفاكهة في الكيس الورقي الصديق للبيئة، وعندما أخبرته أن “الرجل المهذب” أمام الدكان أبلغنا أن الثمن سيكون أرخص كلما اخترنا حبات تين أكثر، قال مازحا “إنه ولدي وليس الرجل المهذب!” في إشارة إلى أن هذا الوصف باللغة الإنكليزية يفوق بكثير ما يقدّمه هذا البائع الشاب.

ابتسم لنا وشكرناه وحملنا الكيس الصغير من التين وفي ذهننا مذاق الكرموس التونسي، لكننا ويا للحسرة لم نجد فيه غير فاكهة البيوت الصناعية الجافة، فلا مذاقه عسل ولا ماءه يسيل في الفم.

وكعادة النساء المفرطة الحساسية في انتقاء الفواكه والخضار، قالت زوجتي إن هذا التين لا يؤكل، قلت لها لا بأس! وفي ذهني تتردّد جملة أن ودّ البائع لا يزيد حلاوة التين.

24