البابا تواضروس الثاني زعيم سياسي رغما عنه

الأحد 2015/11/01
رأس الكنيسة القبطية أيد السيسي وعارض الإخوان فوضع على قوائم المستهدفين

القاهرة - صمت غريب ران على قاعة الاحتفالات في الكاتدرائية المرقسية بحي العباسية بوسط القاهرة، عندما أعلن الأنبا باخوميوس أن الأنبا تواضروس الثاني هو بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الجديد.

أجواء الاحتفال التي سبقت الإعلان، وحالة التشوق التي رافقت قيام الطفل معصوب العينين بشوي جرجس بمد يده داخل الإناء الزجاجي الذي يضم 3 ورقات، كل منها تحمل اسم واحد من المرشحين الثلاثة للمنصب، تحوّلت إلى حالة يمكن وصفها بأنها أقرب إلى الذهول، إذ كان الغالبية يتوقعون تنصيب القمص رافائيل أفامينا بطريركا لتاريخه الرهباني الطويل.

لحظات تالية مرت على البعض كأنها دهر كامل قبل أن يتجاوز الحاضرون ذهولهم المؤقت، وينطلقون لمباركة الرجل الذي اختاره الرب، وتحدث كثيرون وقتها عن مزايا أسقف البحيرة السابق، وأبرزها شهرته كرجل روحاني وخادم للفقراء في أبرشيته، وليس له باع في السياسة مثل سلفه الراحل شنودة الذي دفع الأقباطُ غاليا ثمن مواقفه الصدامية المتعددة مع الدولة.

بالفعل حرص تواضروس لشهور طويلة عقب تنصيبه على تأكيد رفضه أن يكون زعيما سياسيا للأقباط، وأعلن في مناسبات مختلفة أن “الكنيسة لا تعرف السياسة”، لأن “السياسة لها رجالها والكنيسة لا تعرف العمل الذي يجمع بين السياسة والدين لأن الجمع بين الاثنين مستحيل، فالدين كيان سماوي والسياسة إنتاج أرضى، وخلطهما يضر ببعضهما البعض”.

لكن تصاعد التوتر في مصر بعد إصدار الرئيس المعزول محمد مرسي إعلانه الدستوري المثير للجدل بعد أيام قليلة من تنصيبه، جعلت الدور السياسي للكنيسة ضرورة لا اختيارًا، دفاعًا عن مصالح ووجود الأقباط الذي رأت الكنيسة أنه يتعرض لتهديد كبير، وكان على البابا أن يقوم بمسؤولياته وفي القلب منها ضمان سلامة المسيحيين.

ظل البابا شنودة القديم

منذ اللحظة الأولى لجلوسه على الكرسي المرقسي وجد البابا تواضروس نفسه في مقارنة إجبارية مع سلفه البابا شنودة، كل تصرف وكل تصريح، وأحيانا بعض الصلوات كانت مجالا للمقارنة بينه وسلفه ليست فقط في الأوساط القبطية إنما في كثير من الدوائر الإعلامية والسياسية، وهي مقارنة تحمل الكثير من الظلم للبطريرك الحالي.

جلوسه على الكرسي المرقسي يزج به في مقارنة إجبارية مع سلفه البابا شنودة، في كل تصرف وكل تصريح، وأحيانا بعض الصلوات، وهي مقارنة تحمل الكثير من الظلم للبابا تواضروس

كان شنودة يتمتع بشخصية كاريزمية ضاعف طول بقائه على الكرسي البابوي لأكثر من 40 عاما من هيبتها، لدرجة جعلت عوام ونخب الأقباط ينصاعون لقراراته دون محاولة النقاش، فهو باختصار لم يكن صاحب نفوذ روحي فقط إنما كان زعيمًا شعبيًّا بكل ما تحمله الكلمة من دلالات شخصية وسياسية واجتماعية، فقد صقلت الظروف التي شهدتها مصر منذ تنصيبه بطريركا في بداية السبعينات من القرن الماضي خبراته السياسية والإنسانية.

البابا تواضروس الذي ينتمي إلى جيل تربّى على معطيات وطنية جديدة، وفرت له إقامته في لندن قبل أن يرسم راهبا ليكمل دراسته الأكاديمية، ميزة نسبية للتمتع برؤية بانورامية لمشاكل مصر وأقباطها فيها وهو خارج إطارها، لكنها في المقابل كلفته عبئا أن يبتعد لفترة عن تفاعلات المجتمع القبطي بشكل عام والكنسي بالخصوص.

مع ذلك لا يخلو الأمر من تشابه بين الرجلين في قوة الشخصية والحكمة ووضع المصلحة الوطنية العليا في الاعتبار، إلا أن أبرز مكامن التشابه تكمن في الظروف التي رافقت تنصيبهما للكرسي البابوي.

فقد ترافق مع تنصيب كليهما صعود تيارات الإسلام السياسي داخل المجتمع، بما تفرضه من جدليات سلفية تختصم في مجملها الأقباط وتراهم عقبة كؤودا أمام مشروع الدولة الإسلامية الذي يحلمون به، الأمر الذي وضع البطريركين في حالة صدام إجباري معها.

تنصيب البابا شنودة تزامن تقريبا مع تولي الرئيس المصري الراحل أنور السادات رئاسة الدولة، في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية عن عصر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، التي أفرزت مجموعة من التغيرات الجذرية في سياسة الدولة، كان أبرزها تشجيع السادات لصعود التيار الإسلامي من أجل ضرب اليساريين الموالين لسلفه، وهي سياسة أشعلت نيران التعصب الديني في العديد من محافظات مصر، وأدخلت عبارة جديدة لقاموس التعايش المجتمعي عند المصريين هي “الفتنة الطائفية” قبل أن تنتهي بعداء علني بين السادات وشنودة قام على إثرها بعزله من الكرسي البابوي قبل فترة بسيطة من مقتل الرئيس على أيدي تنظيم الجهاد، أحد تيارات الإسلام المتشدد التي رعاها.

هذه الأجواء تقريبا رافقت تنصيب البابا تواضروس في نوفمبر 2012 بعد شهور قليلة من تنصيب القيادي الإخواني محمد مرسي رئيسا لمصر، ووسط تنام مخيف لهيمنة الجماعة التي ظلت محظورة لعقود طويلة على الحياة السياسية بمشاركة أقل نسبيا من حزب النور السلفي.

أسقف البحيرة السابق، تبدو أبرز صفاته شهرته كرجل روحاني وخادم للفقراء في أبرشيته

لم تنتظر الأزمات طويلا حتى داهمت البطريرك الجديد، فكانت أزمته الأولى في انسحاب ممثلي الكنائس من لجنة صياغة الدستور الإخواني آنذاك، وتلتها على الفور “أمّ الأزمات” بعد إصدار مرسي الإعلان الدستوري الشهير في نوفمبر 2012 الذي جيّش مختلف طوائف الشعب ضده، ومنهم الأقباط والكنيسة الذين اصطف غالبيتهم في خندق الرافضين للإعلان الدستوري وشاركوا في المظاهرات المناهضة له.

من بين صفوف الرافضين اختارت جماعة الإخوان ومن ثمة الرئاسة، الكنيسة القبطية لتحميلها وزر تأجيج المعارضة السياسية لهم، وهو ما انعكس في الفتور الواضح للعلاقة بين الرئيس والبابا، وتأجج لاحقا بعد أحداث قصر الاتحادية التي شهدت مواجهات دامية بين المتظاهرين ضد الرئيس وإعلانه الدستوري، وبين الداعمين له من الإخوان والتيارات المتشددة، لتبدأ موجة التحريض الطائفي بإعلان القيادي الإخوانى محمد البلتاجي أن 80 بالمئة من متظاهري الاتحادية كانوا أقباطا.

لم يغفر الإخوان لتواضروس أنه كان من بين من رفضوا لقاء الرئيس المعزول في قصر الاتحادية لمناقشة أزمة الإعلان الدستوري، وتأكيده أن الرئيس المنتخب يقود البلاد لصالح جماعته ولا يلتفت لمن سواهم.

تلا ذلك موجة من الاعتداءات المجهولة على كنائس تابعة للأقباط في بعض القرى والمدن البعيدة عن السيطرة الأمنية، قبل أن تتوّج بالاعتداء على الكاتدرائية الرئيسية في منطقة العباسية القريبة من مقر وزارة الدفاع بالقاهرة، لأول مرة منذ إنشائها.

ما يحسب للبابا تواضروس تمتّعه بقدرة هائلة على ضبط النفس رغم تصاعد الأحداث، وعدم الانجرار إلى مواجهات طائفية كانت ستدخل مصر بالتأكيد في حرب أهلية دينية، حتى أنه رفض بشكل قاطع ضغوطا خارجية متنوعة لسكب الوقود على نيران امتدت أمام أبواب كنيسته، وكان كل ما قاله وقتها إنه يدعو الله بالهداية لكل المعتدين، كما يتذكر المصريون تصريحه الذي يفيض وطنية في تلك الأوقات حينما قال “إن وطنا بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن”.

لكن حكمة البابا لم تمنعه من تأييد الجهود المتزايدة وقتها لعزل الرئيس الإخواني، ثم دعوته الوقورة للأقباط للنزول في 30 يونيو 2013، فعلى حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) الذي ظل فارغا من التدوينات لعدة شهور منذ إنشائه كتب البابا في اليوم السابق لاندلاع ثورة 30 يونيو يقول “مصر تحتاج كل المصريين اليوم، نفكر معًا.. نتحاور معًا.. نعبّر معًا عمّا في قلوبنا تجاه الوطن، صلُّوا من أجل مصر”، ثم عاد ليغرد في اليوم التالي مرتين كتب في أولاهما “مصر بلادنا جميعا.. أرض النيل تحملنا كلنا، واجبنا أن نحفظها بلا عنف أو اعتداء، وكل مصري دمه غالٍ. أرجوك يا مصري شارك وعبّر ولكن احترم الآخر”، بينما اكتفى بكتابة عظة دينية في الثانية قائلا “في مزمور 23: إن سرت في وادي ظل الموت ﻻ أخاف شرًّا أنك أنت معي”.

ونصح الجميع بالالتزام بخمس لاءات خلال المظاهرات هي لا للعنف، لا للاعتداء على منشأة، أو شخص، لا للاصطدام، ولا للدم.

الجيش والكنيسة

كانت مشاركة البابا تواضروس في إعلان الثالث من يوليو 2013 الذي تلاه قائد الجيش المصري وقتها عبدالفتاح السيسي، وأعلن فيه عزل مرسي استجابة للثورة الشعبية عليه، مثّل أكثر المواقف الكنسية جدلا، خصوصا في ضوء حساسية الوضع، وكون الرئيس المعزول ينتمي لأكبر جماعات الإسلام السياسي، ما قد يجر الأقباط لمواجهات طائفية لا تنتهي.

الإخوان يحملون حقدا على تواضروس لأنه كان بين من رفضوا لقاء الرئيس المعزول مرسي في قصر الاتحادية لمناقشة أزمة الإعلان الدستوري، ولتأكيده على أن الرئيس المنتخب يقود البلاد لصالح جماعته ولا يلتفت لمن سواها

لكن الحقيقة أن تأييد البابا لإعلان الجيش كان مجرد حلقة في سلسلة طويلة من مواقف الثقة المتبادلة بين المؤسستين الوطنيتين، بدأت أولى حلقاتها في القرن التاسع عشر بإعلان البابا كيرلس الخامس انحيازه للزعيم الوطني أحمد عرابي في مواجهة طغيان الخديوي توفيق، ثم وقوف البابا كيرلس السادس مع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ومساعدته في تثبيت مصر كقوة إقليمية في القارة الأفريقية عبر استغلال هيبته الدينية على الكثير من كنائس الدول الأفريقية، وأبرزها الكنيسة الأثيوبية.

رغم ذلك فإن الحضور السياسي للكنيسة بعد 3 يوليو تفوّق بكثير عمّا كان عليه في عهد البابا شنودة الثالث، فقد شاركت الكنيسة بممثليها في لجنة الخمسين لتعديل دستور 2012، ثم خلال الاستفتاء على الدستور المعدّل الذي كان أول استحقاق سياسي كبير بعد عزل مرسي، دعا تواضروس الأقباط صراحة للتصويت بنعم وكتب مقالا بجريدة الأهرام تحت عنوان “نَعَمْ تجلب النِّعَم”.

كذلك أعلن تأييده الصريح لترشح السيسي للرئاسة وقال مفسرا موقفه “كنت أشفق عليه من المتاعب فعندما يكون ابن من أبناء القوات المسلحة هو الرئيس ويحمل معه صفات القوات المسلحة من الضبط والحزم، علينا أن نطمئن أن مصر ستعبر من النفق المظلم في أسرع وقت”.

مواقف البابا وضعته في مواجهة نيران التيارات المتشددة التي وضعت اسمه على قوائم الشخصيات المستهدفة للاغتيال، ووقتها اكتفى بالتعليق قائلا “هذه ضريبة الحرية نقدمها نحن الأقباط بكل سرور فداء لبلادنا”، بينما علّق على إهدار دمه بقوله “نحن نؤمن أن الحياة في يد الرب والله هو الذي يعطينا حياتنا وأعمارنا وهو الحارس عليها”.

في المقابل حظيت الكنيسة في عهده بأول زيارة من رئيس مصري على مدى تاريخها لقدّاس الميلاد، حينما حضر الرئيس عبدالفتاح السيسي ليصافح البابا ويقبّل وجنتيه في خطوة وصفت بأنها تحمل شكرا ضمنيا لمواقف الرجل المؤيدة له.

لكن الطريف أن الزيارة المفاجئة أربكت البابا وأوقعته في ثلاثة أمور لم يسبق أن حدثت من قبل خلال صلاة القداس، حيث سمح للرئيس السيسي بالصعود إلى الهيكل وهو غير مسموح به لأيّ شخص، ثم نزل من على الكرسي الرسولي ليسلّم على الرئيس وهو مخالف للتقاليد المسيحية، كما تم وقف صلاة القداس منذ دخول السيسي وحتى خروجه مرورًا بالكلمة التي ألقاها، الأمر الذي لا يُسمح بحدوثه نهائيًا، حيث إنه يسمح بوقف العظة أو قطعها ثم استكمالها، لكنه غير مسموح بقطع الصلاة.

8