البابا فرنسيس في رسالة التواصل والحوار

الخميس 2013/08/08
البابا.. دعوات للحوار والاحترام

بمناسبة عيد الفطر وجه البابا فرنسيس رسالة إلى العالم يدعو فيها إلى تعزيز الاحترام المتبادل بين الديانات والتأكيد على التفكير والتكلم والكتابة بطريقة تحترم الآخر.وجه البابا فرنسيس مؤخرا تهنئة حارة إلى «الأصدقاء الأعزاء» من المسلمين بعيد الفطر، داعيا إلى تعزيز «الاحترام المتبادل» بين الديانتين، ومؤكدا تقديره ومودته لجميع المسلمين وخاصة القادة الدينيين بينهم.

وقد وقع البابا باسمه الشخصي الرسالة السنوية للمجلس البابوي للحوار بين الأديان في الفاتيكان الذي يرأسه الكاردينال الفرنسي جان – لوي توران. وقال البابا حسب الترجمة الرسمية لرسالته إلى العربية التي خاطب فيها المسلمين في العالم: «جرت العادة أن يوجِّه إليكم المجلس البابوي للحوار بين الأديان التهاني بالعيد، هذه السنة، الأولى من حَبريَّتي، قرّرت أن أوقِّع أنا بنفسي هذه الرسالة إليكم، أيها الأصدقاء الأعزاء، للتعبير عن تقديري ومودَّتي لجميعكم، وبصورة خاصّة للقادة الدينيّين بينكم». ويعتبر المراقبون ما قام به البابا خطوة نحو فتح آفاق جديدة للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين يكون الاحترام المتبادل عنوانها.

تجدر الإشارة إلى أن البابا يوحنا بولس الثاني وحده قام بالخطوة نفسها عام 1991.

وقال البابا في رسالته: «في هذه السنة، الموضوع الذي أوَدّ أن أتأمّل فيه وإيّاكم وجميع الذين سيقرؤون هذه الرسالة هو موضوع يهمُّنا كلَّنا، مسيحيّين ومسلمين، ألا وهو: تعزيز الاحترام المتبادل من خلال التربية».

وأضاف البابا فرنسيس: «رسالة هذه السنة تركِّز على أهمّيّة التربية في الطريقة التي نفهم بها أحدنا الآخر، والتي أساسها الاحترام المتبادل. «الاحترام» يعني موقفًا من المودّة لأناس لهم في مشاعرنا اعتبار وتقدير. و»المتبادل» يعني أنّ الموقف ليس موقفًا من جهة واحدة، بل هو موقف يشترك فيه الجانبان».

وتابع البابا: «ما نحن مدعوون لاحترامه في كلّ شخص هو قبل كلّ شيء حياته وسلامته الجسديّة، ثم كرامته كإنسان والحقوق الناجمة عن هذه الكرامة، وسمعته وكلَّ ما يملك، وهوّيّته الإثنيّة والثقافيّة، وأفكاره وخياراته السياسية.

لذلك نحن مدعوُّون إلى التفكير والتكلّم والكتابة بطريقة تحترم الآخر، وليس فقط إذا كان حاضرًا، بل دائمًا وفي كلّ مكان، فنترك جانبًا كلَّ نقد لا يليق وكلَّ تشهير. وللعائلات والمدارس والتربية الدينيّة ووسائل الإعلام بجميع أشكالها دور تلعبه من أجل تحقيق هذا الهدف».

وأضاف: «نحن مدعوون لاحترام ديانة الآخر وتعاليمها ورموزها وقيمها، ويتوجب كذلك احترام خاص للقادة الدينيين ولأماكن العبادة، كم هي مؤلمة الاعتداءات التي يتعرّضون لها».

وتابع البابا فرنسيس: «من الواضح أنَّنا إذا أبدينا احترامنا لديانة الآخر أو قدَّمنا له تمنِّياتنا الطيِّبة في مناسبة الاحتفالات الدينية، فإننا نشاركه فرحه وسروره بالعيد، دون التطرق إلى مضمون قناعاته الدينيّة».

وتطرق البابا إلى دور التربية في التقريب بين الديانتين وقال: «أما بالنسبة لتربية الشباب المسلمين والمسيحيين، فعلينا أن نربي الأجيال الصاعدة على التفكير والتكلم باحترام عن الديانات الأخرى وأتباعها، والابتعاد عن كلَّ استخفاف أو إساءة لعقائدهم وممارساتهم».

واعتبر أن «الاحترام المتبادل أساسيّ في كلّ علاقة بشريّة وخاصة بين أتباع الأديان. بهذه الطريقة يمكن لصداقة حقيقية ودائمة أن تنمو».

من جهته علق الكاردينال توران على رسالة البابا إلى المسلمين وقال في تصريح إلى إذاعة الفاتيكان: «إن الحبر الأعظم شاء من خلال هذه المبادرة أن يعرب عن احترامه الكبير تجاه أتباع الدين الإسلامي» مضيفا أن البابا «وعندما كان رئيس أساقفة على بوينوس أيريس أرسل أحد كهنة الأبرشية ليتعلم اللغة العربية في القاهرة ليكون لديه شخص مطلع بعمق على الحوار مع الإسلام بنوع خاص.

ومع وصوله إلى السدة البطرسية أراد البابا في أول سنة من حبريته أن يسلط الضوء على أهمية الحوار الديني مع الإسلام، الذي يحتل مرتبة أولية بالنسبة له».

وأقر رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان «أن الجهود التي بُذلت على صعيد الحوار الديني خلال السنوات القليلة الماضية كانت حثيثة لكنها وللأسف لم تحقق النتائج المرجوة، إذ لم يُترجم ما تم الاتفاق حوله إلى قوانين أو إجراءات إدارية» معتبرا إنه «لا بد أن تُكثف الجهود ليتمكن المسيحيون والمسلمون من التعرف على بعضهم البعض بصورة أعمق، وليروا أنهم يبحثون عن الله».

وأشار الكاردينال توران إلى أن «الأوروبيين لا يميّزون غالبا بين الإسلام كدين والإسلام السياسي، مع أن الجميع يعي أن التطرف والأصولية هما عدو مشترك».

لذلك يعد البعض الحوار من المقومات الأساسية لكي نفهم ثقافة الاخر ونفهم أيضا أوجه الاختلاف معه. فبعض المفاهيم التي يحاول البعض إلصاقها بالاسلام ناتجة في الغالب عن سوء فهم لجوهر الدين وللقيم التي يدعو لها. إضافة إلى محاولات الإعلام الغربي تشويه صورة المسلم وإبرازها كمعادية للحضارة والقيم الغربية، ووسمها بالإرهاب والتطرف.

وبدأت الخلافات بين الفاتيكان والمسلمين بسبب تصريحات للبابا بنديكتوس السادس عشر في جامعة ألمانية في سبتمبر 2006 فسرت على إنها تربط بين الإسلام والعنف.

وأعلن الأزهر الشريف في الثامن من يونيو الماضي في بيان بعد ثلاثة أشهر من انتخاب البابا فرنسيس بابا جديدا للفاتيكان «أن عودة العلاقات بين الأزهر والفاتيكان مرهونة بما تقدمه مؤسسة الفاتيكان من خطوات إيجابية جادة تظهر بجلاء احترام الإسلام والمسلمين».

وجدد الأزهر مطالبته الفاتيكان «باحترام الإسلام والمسلمين بما يؤسس لإعادة العلاقات بين الجانبين على أسس» سليمة. واستانف الطرفان في عام 2009 الحوار بينهما لكن الأمور تأزمت مجددا مطلع يناير 2011 إثر إدانة البابا بنديكتوس السادس عشر لتفجير كنيسة في مدينة الاسكندرية (شمال مصر) داعيا إلى حماية المسيحيين في مصر.

وقرر الأزهر عقب هذا الموقف تجميد علاقاته مع الفاتيكان لأجل غير مسمى بسبب ما اعتبره آنذاك تعرضا متكررا من بابا الفاتيكان السابق للإسلام «بشكل سلبي». وختم البابا رسالته قائلا: «ختاما، أقدِّم لكم تمنيّاتي الطيبة وأسأل الله لكم حياة موفَّقة ومباركة تمجِّده تعالى وتجلب المسرَّة لجميع الناس من حولكم، كل عام وأنتم بخير».

رسالة البابا بما احتوت عليه من رسائل تفتح أفقا آخر للعلاقات بين المسلمين والمسيحيين وتنبذ الخلافات التي يحاول البعض إبرازها. ومن خلال التأكيد على الحوار وعلى الاحترام المتبادل فإن دعوة البابا ستمهد الطريق لخطوات مماثلة من شأنها أن تقرب وجهات النظر وتردم هوة الخلافات التي لا يمكن أن تخلق الحقد والعداء للآخر.

13