البابا في العراق: لتصمت الأسلحة

بابا الفاتيكان يحثّ العراقيين على وقف العنف والتطرف والتحزب وعدم التسامح.
الجمعة 2021/03/05
دعوة لتعزيز السلام في المنطقة

بغداد - أطلق البابا فرنسيس نداء صارخا بعد وقت قصير من وصوله إلى العراق في زيارة تاريخية غير مسبوقة إلى بلد دمرته الحروب والنزاعات، قائلا "لتصمت الأسلحة!"، مشددا على "الإرث الغني" الذي يشكله وجود المسيحيين.

وفي ظل تدابير أمنية مشددة، تنقل موكب البابا وحده في طرق فارغة بسبب الحجر الإلزامي الذي فرضته السلطات خلال الأيام الثلاثة التي ستستغرقها زيارته للوقاية من كوفيد - 19.

ووضع البابا البالغ من العمر 84 عاما والذي تلقى اللقاح ضد فايروس كورونا في الفاتيكان قبل أسابيع، كمامة، مشددا على أهمية "أن نخرج من زمن المحنة هذا"، زمن الجائحة، "أفضل ممّا كنا عليه من قبل، أن نبني المستقبل على ما يوحّدنا وليس على ما يفرّق بيننا".

وجدّد البابا التأكيد أنه يأتي "بصفة تائب يطلب المغفرة من السماء ومن الأخوة للدمار الكثير وقسوة البشر"، و"حاجا يحمل السلام".

ويحمل البابا خلال زيارته رسالة تضامن إلى إحدى أكثر المجموعات المسيحية تجذرا في التاريخ في المنطقة، والتي عانت لعقود ظلما واضطهادا، ويسعى إلى تعزيز تواصله مع المسلمين.

وسيعبر الزعيم الروحي لـ1.3 مليار مسيحي خلال زيارته مسافة 1445 كيلومترا في بلد لا يزال فيه الاستقرار هشا. ومن أبرز المحطات النجف حيث سيلتقي المرجع الشيعي آية الله العظمى علي السيستاني (90 عاما) الذي لم يظهر علنا بتاتا.

صورة

وفور وصوله، تطرق إلى كل المواضيع الحساسة والقضايا التي يعاني منها العراق خلال لقائه الرئيس العراقي برهم صالح. وقال "لتصمت الأسلحة! ولنضع حدا لانتشارها هنا وفي كل مكان! ولتتوقف المصالح الخاصة، المصالح الخارجية التي لا تهتم بالسكان المحليين. ولنستمع لمن يبني ويصنع السلام".

وأضاف "كفى عنفا وتطرفا وتحزبات وعدم تسامح! ليعط المجال لكل المواطنين الذين يريدون أن يبنوا معا هذا البلد في الجوار وفي مواجهة صريحة وصادقة وبناءة".

ودعا إلى "التصدي لآفة الفساد وسوء استعمال السلطة، وكل ما هو غير شرعي"، بعد أكثر من سنة على خروج العراقيين بعشرات الآلاف إلى الشارع محتجين على الطبقة السياسية الفاسدة.

ويعاني العراق آفات عدة، أبرزها الفساد في الإدارات الحكومية والعنف وانتشار السلاح بين أيدي جماعات خارج سيطرة الدولة، فيما تعهدت الحكومة الحالية بقيادة مصطفى الكاظمي، أكثر من مرة، بالقضاء على الفساد ونزع السلاح غير الشرعي.

وقال البابا "ينبغي في الوقت نفسه تحقيق العدالة، وتنمية النزاهة والشفافية وتقوية المؤسسات المسؤولة عن ذلك" من أجل تحقيق الأمن والاستقرار.

وفي إشارة إلى المسيحيين الذين يشكلون واحدا في المئة من السكان، شدّد على ضرورة "ضمان مشاركة جميع الفئات السياسية والاجتماعية والدينية، وأن نؤمن الحقوق الأساسية لجميع المواطنين"، قائلا "يجب ألا يعتبر أحد مواطنا من الدرجة الثانية".

وسمى الإيزيديين، "الضحايا الأبرياء للهجمة المتهورة وعديمة الإنسانية، فقد تعرضوا للاضطهاد والقتل بسبب انتمائهم الديني وتعرضت هويتهم وبقاؤهم نفسه للخطر".

وتعرض الإيزيديون للقتل والخطف والسبي والعبودية والاضطهاد خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق بين 2014 و2017.

وفي بلد يشهد توترات حادة وتبادل رسائل وتصفية حسابات بين قوى خارجية عدة على رأسها الولايات المتحدة وإيران، قال البابا "أتمنى ألا تسحب الدول يد الصداقة والالتزام البناء الممدودة إلى الشعب العراقي، بل تواصل العمل بروح المسؤولية المشتركة مع السلطات الحلية دون أن تفرض مصالح سياسية أو أيديولوجية".

وقال الرئيس العراقي برهم صالح في كلمته إن "العراقيين يفتخرون بأنهم حراس الكنائس والمدافعون عنها"، لافتا إلى أن "المسيحيين (في العراق) مروا بسنوات عصيبة دفعتهم إلى الهجرة".

ودعا صالح إلى "تأسيس منتدى للحوار (بين الأديان) يضم الأزهر والفاتيكان ومرجعية النجف جنوبي العراق"، مشددا على ضرورة "مواصلة العمل على مكافحة التطرف والإرهاب".

وتابع أن "مسيحيي الشرق الأوسط والعراق هم أهل هذه الأرض، ووقفوا إلى جنب إخوانهم لمواجهة شتى التحديات".

وحذر من أن "هجرة المسيحيين إلى جانب مكونات دينية وقومية من بلدان المنطقة ستكون عواقبها وخيمة على قيم التعددية والتسامح".

وكان العراق يحتضن نحو مليوني مسيحي أغلبهم في العاصمة بغداد قبل الاحتلال الأميركي عام 2003.

ويتوجه البابا عصر الجمعة إلى كاتدرائية سيدة النجاة الكاثوليكية التي شهدت في عيد جميع القديسين في نوفمبر 2010، عملية احتجاز رهائن انتهت بسقوط أكبر عدد من الضحايا في المجازر التي استهدفت مسيحيي العراق، إذ قتل خلالها 44 شخصا كانوا في الكنيسة وكاهنان وسبعة عناصر أمن.

صورة

وسيزور السبت والأحد النجف وأور وإربيل والموصل وقرقوش.

وسيكتفي جزء كبير من العراقيين بمشاهدة البابا من خلال شاشة التلفزيون، وسيستخدم البابا على الأرجح سيارة مصفحة في تنقلاته على طرق أعيد تأهيلها خصيصا استعدادا للزيارة، بالإضافة إلى مروحية وطائرة خاصة للتنقلات البعيدة سيعبر خلالها فوق مناطق لا تزال تنتشر فيها خلايا لتنظيم الدولة الإسلامية الذي أعلنت القوات العراقية الانتصار عليها وتحرير العراق منها منذ 2017.

وستغيب بسبب التدابير الوقائية من وباء كوفيد - 19، الحشود التي اعتادت ملاقاة البابا في كل زياراته، مع استثناء خلال القداس الذي سيحييه الأحد في الهواء الطلق في أربيل في كردستان بحضور نحو أربعة آلاف شخص حجزوا أماكنهم مسبقا للمشاركة فيه، علما أن المكان يتسع لعشرين ألفا.

وأكدت السلطات العراقية أنها اتخذت كل التدابير الأمنية "برا وجوا".

ويلتقي البابا السيستاني السبت في منزله المتواضع المكون من طابق واحد. وسيشارك في لقاء يجمع ممثلين عن الأديان والمذاهب المختلفة بمن فيهم الإيزيديون والصابئة.