البابا في تركيا: تقدم نحو مصالحة مسيحية وتعطل لغة الكلام مع أردوغان

الثلاثاء 2014/12/02
نظرة دينية باحثة عن إمكانية الحوار ونظرة سياسية تركز على المسوغات

الاهتمام الإعلامي منقطع النظير الذي حظيت به زيارة البابا فرنسيس، رئيس الكنيسة الكاثوليكية، إلى تركيا، أنبأ بأنها كانت أكثر من مجرد زيارة يقوم بها “رئيس دولة الفاتيكان” إلى منطقة أو بلد ما. في الزيارة إثارة لقضايا متداخلة، من التاريخية إلى الدينية إلى السياسية، وفي ظرفية شديدة التعقيد، وفي منطقة تواطأت ضدها كل تعابير التوتر السياسي والديني والطائفي فتحولت إلى مشروع حريق كبير.

البابا فرنسيس الذي قصد تركيا ابتداء من الجمعة الماضية، كان قد أدى قبل ذلك ومنذ جلوسه على “الكرسي الرسولي” في مارس من العام الماضي، زيارات عديدة لعدد من بلدان العالم وأقطاره، (زار البرازيل والأراضي المحتلة والأردن وكوريا الجنوبية وألبانيا وفرنسا) لكن قلما حظيت زيارة بمثل هذا الفيض من التغطية والانتظارات.

استحضرت في زيارة البابا، لتركيا عديد المحاور التاريخية والدينية والسياسية، فالبابا بوصفه رئيس الكنيسة الكاثوليكية، كان يزور في تركيا الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، التي انفصلت عن الكنيسة الأم منذ عام 1054 (الانشقاق العظيم) وظهور الفرع المسيحي البيزنطي الأورثوذكسي، مقابل الفرع المسيحي اللاتيني الكاثوليكي، ورغم بعض محاولات توحيد “التصورات” المسيحية إلا أن الانفصال ظل قائما، بل زاد التباعد بتراكم العقائد والطقوس و”الهويات” المستقلة عن بعضها البعض.

اللحظة الراهنة لزيارة البابا الكاثوليكي إلى تركيا، هي أكثر حرجا من زيارة سلفه، إذ تجري في وضع مخصوص تعرفه منطقة الشرق الأوسط، حيث تعبّر عن سعي كنسي إلى تبديد الهوة السحيقة الكاثوليكية والأرثوذكسية أولا، وإلى الدفاع عن وضع المسيحية في الشرق الأوسط حيث تنتصب تركيا جسرا (بالمعنى الجغرافي للكلمة) بين الشرق والغرب، ويفترض أن تتيح لها الجغرافيا كما التاريخ لعب دور الواصل بين حضارتين (إسلامية ومسيحية) والوسيط بين مذهبين مسيحيين (الأرثوذكسية والكاثوليكية). يضاف إلى هذا البعد المكاني الثابت، بعد سياسي متغير، وهو أولا ما تعيشه الأقليات المسيحية في المنطقة من ضيم، زاد منسوبه وارتفع مداه بعربدة داعش وسواها (عربدة استهدفت كل الطوائف والمذاهب لكن شظاياها كانت أعنف تجاه المسيحيين وغيرهم من الأقليات كالأيزيدية مثلا)، هنا، تماما تصبح لدور تركيا أهمية مضاعفة.

في زيارة البابا وعي «مضمر» بدور تركي في التغاضي عن التشدد الذي يصول ويجول قرب الديار التركية، دون أن تحرك ساكنا

في محصول زيارة البابا لتركيا، سجلت بعض النجاحات الدينية والسياسية، على غرار لقاءات وزيارات البابا لبطريركية الروم الأرثوذكس، حيث التقى البطريرك بارثولوميوس، وحيث استعيدت نداءات توحيد الكنيسة المسيحية بإعلان البابا صراحة “نحن مستعدون للبحث معا، في ضوء تعليم الكتاب المقدس وتجربة الألفية الأولى، في الإجراءات التي تضمن الوحدة الضرورية للكنيسة في الظروف الحالية”. كما قام البابا بزيارة أخرى إلى الجامع الأزرق باسطنبول السبت الماضي، حيث أدى صلاة مشتركة مع مفتي اسطنبول، اعتبرت من قبل المتحدث باسم الفاتيكان “لحظة تضرع مشتركة صامتة للرب”.

نخلص إلى أن تحركات البابا تنبع من الوضع المتأزم الذي تعرفه منطقة الشرق الأوسط، حيث تتراجع قيمة الاعتراف بالآخر المختلف دينيا أو مذهبيا أو طائفيا، وهو وضع غير نابع من المنطقة ذاتها، بقدر ما طرأَ جرّاء صعود تيارات دينية متشددة لا ترى ضيرا في إقصاء الآخر وحتى قتله. وضع حتم على البابا والكنيسة وعلى كل المؤمنين بإمكان التعايش بين الاختلافات حشد كل الجهود الممكنة، وتُرجمَ عمليا في زيارة في غاية الأهمية، وهو ما يحيلنا إلى الملمح الثاني لوصول البابا فرنسيس إلى تركيا وهو ملمح الدور الرسمي التركي، أو ما ينتظر أن تقوم به تركيا.

في هذا الصدد، لا يمكن رصد محصول للنجاحات، أولا لأن تقييم مفاعيل الزيارة لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها، وثانيا لأن تباين النظرة التركية مع النظرة البابوية كان واضحا. في زيارة البابا لتركيا، وكما سبق أن أشرنا وعي “معلن” بأهمية تركيا الجغرافية والتاريخية والحضارية وقدرتها في لعب دور كبير على مستوى تخفيف التشنج الحاصل منذ عقود. تشنج بين المسلمين والمسيحيين، تجلت آثاره في “الإرهابا” أو “الإسلاموفوبيا”، أو في كليهما. وتبدت نتائجه مؤخرا في ارتفاع منسوب التشدد تجاه الأقليات المسيحية، وغير الإسلامية، وحتى داخل الطوائف الإسلامية. وفي كل هذه المظاهر وعي “مضمر” بدور تركي في تغذية أو (على الأقل) التغاضي عن التشدد الإسلامي الذي يصول ويجول على مرمى حجر من الديار التركية، دون أن تحرك تركيا ساكنا.

تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الوعي “المضمر” تتبناه أيضا عديد القوى والقراءات العربية الإسلامية، التي تكتسب وجاهتها من صمت تركيا الأردوغانية على الفعل الداعشي في سوريا والعراق، وتسويفها ومماطلتها في إقرار التدخل، وتجد وجاهتها في دعم تركي واضح بلا مواربة للجماعات الإخوانية في كل الأقطار العربية.

تحركات البابا تنبع من الوضع المتأزم الذي يعرفه الشرق الأوسط، حيث تتراجع قيمة الاعتراف بالآخر المختلف

تجلت كل هذه الأبعاد في لقاء البابا برجب طيب أردوغان، الذي كان لقاء نظرتين مختلفتين إلى الظاهرة نفسها. لقاء لخصه فديريكو لومباردي المتحدث باسم الفاتيكان بالقول “إن البابا تحدث من منظور رعوي فيما ألقى أردوغان خطابا سياسيا بامتياز”. لكن البون الذي فصل أردوغان بالحبر الأعظم كان أكثر تعقيدا من هذا التوصيف الدبلوماسي اللبق. البابا القادم إلى تركيا يروم حسم ملفات متداخلة؛ وضع المسيحيين في المنطقة، والبحث عن تذليل المسافات المسيحية القديمة، والبحث عن إمكانية إرساء حوار مسيحي إسلامي هادئ، وكل ذلك يتطلبُ “محاورا” أو طرفا سياسيا مؤمنا بهذه الرهانات بوصفها رهانات مشروعة ستخفف حتما من التوتر السائد، لكن يبدو أن أردوغان ليس بوسعه أن يؤمن هذا الدور.

لقاء البابا وأردوغان كان تأكيدا لهذه الحقيقة، وكان حوارا بلغتين؛ لغة مدافعة عن إمكان التعايش في منطقة مشتعلة، ولغة سياسية تسعى إلى البحث عن تبريرات للتطرف وتستحضر “مظلومية” المسلمين دون تعمق في الأسباب الحقيقية للتطرف ودون سعي للبحث عن حد أدنى مشترك يضمن التعايش. (محمد قرمز رئيس مجلس علماء تركيا انتقد الأعمال “غير المقبولة على الإطلاق في العراق وسوريا”، لكنه نسبها إلى “نفوس جريحة” للإشارة إلى مسؤولية الغرب في تنامي الأصولية الإسلامية).

لم يكن محصول لقاء البابا مع رئيس تركيا، متناسبا مع الهالة التي رافقت زيارته، ولا مع بعض النجاحات التي حققها بإعلان نوايا توحيد الكنيستين المسيحيتين، أو في دفاعه عن الأقليات المسيحية في المنطقة، لكن الثابت أن تحقيق التعايش بين الأديان لا يحصل، فقط، بالمبادرات أو الزيارات، بل يشترطُ وجود طرف مقابل مؤمن بذلك، ولا يبدو أن أردوغان مؤهل لذلك، وهذا لا يعني أنه يمثل مجمل الإرادات السياسية العربية الإسلامية، لكن البلد الذي يمثل الجسر بين الشرق والغرب محكوم (بالمعنيَيْن) بأن يظل عائقا أمام إمكانيات التعايش المتوفرة.

13