البابا يشيد بتقدم الحوار مع المسلمين رغم عقبات التطرف

الثلاثاء 2015/01/27
البابا يراهن على نجاعة تبادل وجهات النظر بين الأديان في التأسيس لعلاقات أقل تشنجا

الفاتيكان - عندما يشير البابا فرانسيس إلى وجود تقدم في الحوار بين الأديان مع الاعتراف بالعوائق التي تواجهه، فإن لهذه الإشارة أهمية بالغة خاصة في هذا الظرف الموسوم بشد عالي المنسوب بين الأديان، يترجمُ تطرفا وغلوا هنا، ومعاداة للإسلام والمسلمين هناك. إقرار بابوي مفيد في هذه اللحظة، ويمكن البناء عليه بالانطلاق مما تحقق على هذا الصعيد وترميم الشروخ الحاصلة في التجارب السابقة.

أعلن البابا فرنسيس السبت الماضي أن “خطوات إلى الأمام” قد تحققت في الحوار بين الأديان، ولاسيما مع المسلمين، مشيرا في الوقت نفسه إلى تسجيل “صعوبات وحالات عدم فهم” عمّت الفترة الأخيرة.

وقال البابا “لقد تحققت خطوات إلى الأمام في الحوار بين الأديان ومن ضمنها مع المؤمنين المسلمين خلال السنوات القليلة الماضية، رغم وجود بعض الصعوبات وحالات عدم الفهم”.

وجاء كلام البابا خلال استقباله لمشاركين في لقاء دعا إليه المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيسه، في نسخته الجديدة بعد انتقاله من تونس إلى روما.

وشدد البابا الأرجنتيني على “الأهمية الكبرى” لمسألة الإنصات للآخر، لأن ذلك يعتبر “شرطا أساسيا لعملية التفاهم المتبادل والتعايش السلمي”. وقال حسب ما نقل عنه موقع إذاعة الفاتيكان “إن الحوار يبدأ من خلال التلاقي والتعرف على الآخر وذلك بغية تخطي الأحكام المسبقة والمباشرة في فهم الآخر من وجهة نظر جديدة”.

وسبق أن عبر البابا مرارا خلال الأشهر القليلة الماضية عن مواقفه إزاء المشاكل المرتبطة بالإرهاب. ففي نهاية نوفمبر الماضي، وخلال زيارته إلى تركيا، طلب من جميع القادة الدينيين والسياسيين والمثقفين المسلمين إدانة إرهاب الإسلاميين “بشكل واضح”.

واعتبر بعد الاعتداء الذي استهدف أسبوعية شارلي إيبدو أنه إذا كانت حرية التعبير “حقا أساسيا، لا يجوز استفزاز أو إهانة عقيدة أخرى والتهكم عليها”. وتابع البابا أن الخمسين عاما على وجود هذا المعهد تدل على أن الكنيسة الكاثوليكية أدركت “ضرورة أن يكون لها معهد مخصص للأبحاث وتدريب العاملين في الحوار مع المسلمين”.

الحوار يبدأ من خلال التلاقي والتعرف على الآخر بغية تخطي الأحكام المسبقة والمباشرة في فهم الآخر

وقال البابا أيضا في كلمته أمام المشاركين في اللقاء “ربما لم نشعر يوما في الماضي بهذه الحاجة أكثر مما نشعر بها اليوم، لأن الدواء المضاد لكل نوع من العنف هو قبول الخلافات”.

ولفت البابا إلى أن تاريخ المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية يسير في هذا الاتجاه، حيث أكد أن نشأة هذه المؤسسة تعكس حرص الكنيسة الكاثوليكية، خصوصا في الفترة التالية للمجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، على توفير التهيئة اللازمة لأشخاص ملتزمين بالحوار مع المسلمين.

وأكد أيضا أن هذه المهمة ليست سهلة لكنها تبصر النور وتنمو انطلاقا من شعور قوي بالمسؤولية، مشددا على أن الحوار الإسلامي المسيحي هو حوار من نوع خاص يتطلب صبرا وتواضعا مرفقَين بدراسة معمقة. وهذا الأمر، يقول البابا، “يتطلب أيضا التزاما مستمرا كي نكون مستعدين لمواجهة الأوضاع والأطر المختلفة. والمسيرة التحضيرية هذه لا تقتصر على التحليل السوسيولوجي بل لابد أن تميزها مسيرة مشتركة بين أشخاص ينتمون إلى ديانات مرتبطة ولو بشكل مختلف بالأبوة الروحية لإبراهيم”.

بعدها ثمّن البابا الدور الذي يضطلع به المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، لافتا إلى أنه من أهم المؤسسات الأكاديمية التابعة للكرسي الرسولي، ولابد أن تُعمم معرفته بشكل أفضل. وعبّر عن أمله بأن يصير هذا المعهد مرجعا لتنشئة المسيحيين الناشطين في حقل الحوار ما بين الأديان، تحت مظلة مجمع التربية الكاثوليكية وفي إطار التعاون الوطيد مع المجلس البابوي للحوار بين الأديان. وتمنى البابا أن يتمكن هذا المعهد من إقامة علاقات تعاون مثمرة مع باقي المعاهد والأكاديميات البابوية ومع مراكز الدراسات والبحوث، مسلمة كانت أم مسيحية، المنتشرة في أنحاء العالم كافة.

وذكًر الكردينال جروتشوليفسكي -كردينال بولندي ورئيس المعهد- الحاضرين بأن الاجتماع يعقد احتفالا بمرور 50 عاما على وجود المعهد في روما، حيث ينصب تركيزه الأساسي على دراسة وفهم الأديان المختلفة.

الكنيسة أدركت ضرورة أن يكون لها معهد مخصص للأبحاث وتدريب العاملين على التواصل مع المسلمين

وقال موجها خطابه للبابا؛ “قداسة الأب.. اليوم نختتم مؤتمرا هاما نظمه المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية حيث احتفلنا أيضا بالذكرى السنوية الخمسين لنقل المعهد من تونس إلى روما”.

جدير بالتذكير أن المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، تأسس عام 1926 في تونس على يد “الآباء البيض”، بهدف تنشئة قساوسة ورهبان مسيحيين على الخدمة في مختلف أنحاء العالم ذات الصلة بالمسلمين، وفي عام 1964 نقلَ المعهد إلى روما. وتتكون هيئة التدريس في المعهد من رهبان وكهنة أبرشيين وعلمانيين من مختلف البلدان. ومن بين هؤلاء أساتذة مسيحيون ومسلمون، لغتهم الأم العربية. وعدّ المعهد إحدى أقدم آليات الحوار بين الإسلام والمسيحية.

يذكرُ أيضا أن وفدا من أئمّة فرنسيين ملتزمين بالحوار الإسلامي المسيحي قام بزيارة إلى الفاتيكان والمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية من 6 وحتى 8 يناير 2015. حيث قام الوفد المكون من أربعة أئمة فرنسيين ملتزمين بالحوار الإسلامي المسيحي بزيارة إلى روما صحبة المطران ميشال دوبوست، أسقف إيفري كورباي إسون ورئيس مجلس العلاقات بين الأديان التابع لمجلس أساقفة فرنسا، والأب كريستوف روكو، مدير المكتب الوطني للعلاقات مع الإسلام.

وضمّ الوفد عزالدين غاشي، جامعي وإمام مسجد عثمان في فيلّوربان (ليون)، وطارق أوبرو، جامعي وإمام مسجد بوردو، ومحمد موسوي، جامعي ورئيس اتحاد مساجد فرنسا، وجلّول صدّيقي، مدير معهد الغزالي التابع للمسجد الكبير في باريس.

وقال المطران دوبوست، معلقا على هذه الزيارة “إنه صالح وملحّ أن نُظهر هذا التوافق العميق والقلبي الذي نشأ وينمو في فرنسا بين غالبية المسلمين وغالبية المسيحيين. وليست زيارة هؤلاء الرؤساء الدينيين المسلمين لروما إلاّ دليل على ذلك”.

أمّا جلّول صديقي فقد لخص انتظاراته من هذا اللقاء بالقول؛ “أولا الإصغاء إليكم، وتبادل خبراتنا ومشاركتكم هذه اللحظة الاحتفالية بالصلاة لله كي يقبل تعدّديتنا وتنوّعنا، ويقرّب خلائقه بعضها من بعض بالمحبة والاحترام والاعتبار والمودّة”.

13