"البابوان" دراما سينمائية مدهشة عما يحدث داخل الفاتيكان

الفيلم يتناول شخصيتي البابا السابق "بنيديكت" والبابا الحالي "فرانشيسكو" ويقدم مباراة ذهنية وفكرية شيقة بين رجلين ينتميان إلى المؤسسة الدينية الراسخة.
الأحد 2019/10/20
اللقاء الأول بين العملاقين

لم تظهر أفلام سينمائية كثيرة عن بابا الفاتيكان. فقد كانت النظرة التقليدية إلى البابا أن هذه الشخصية التي يتطلع إليها أكثر من مليار وربع شخص في العالم، يجب أن تصور في سياق الفيلم الديني ذي الخلفية التاريخية، وهو ما يعتقد صناع السينما عموما أنه جانب لا يمتلك جاذبية كبيرة لدى الجمهور العام.

وقد تم تجاوز هذه النظرة في فيلم “اخترنا البابا” Habemus Papam) 2011) للمخرج الإيطالي ناني موريتي، الذي كان أول كوميديا مكتملة تدور داخل الفاتيكان، بطلها البابا الجديد المنتخب حديثا الذي يشعر بأنه يرفض دوره ويتمرد عليه، فهو يريد أن يصبح إنسانا عاديا غير مقيد بكل تلك القيود الكهنوتية، يريد أن يختلط بالناس؛ يجالسهم ويستمع إليهم في المقاهي والحدائق العامة، وأن يستمع إلى الموسيقى، ويتردد على المسرح ويتذكر ولعه القديم بالتمثيل.

كان هذا الفيلم هو المدخل الحقيقي الأول إلى شخصية البابا كإنسان، وليس ككائن مقدس، يعاني ويتمرد ويتشكك ويرفض ويريد أن ينتمي إلى العالم وليس إلى التقاليد الصارمة المفروضة منذ قرون داخل هذا المجمع المقدس (الفاتيكان). ولعل هذا الفيلم شجع المخرج باولو سورينتينو لإخراج مسلسله البديع “البابا الشاب” واستكمله في “البابا الجديد” الذي سيعرض أوائل العام القادم.

أما الفيلم الجديد “البابوان” The Two Popes، الذي عرضه مهرجان لندن السينمائي مؤخرا، فهو يتجاوز في جرأته وتفاصيله ما بلغه موريتي في “اخترنا البابا”. كما يتميز عن مسلسل سورينتينو بتناوله الواقعي للعلاقة بين الفاتيكان والبابا، وعلاقتهما بما يحدث في العالم. فالفيلم لا يكتفي بالكوميديا وهي جانب أساسي فيه، بل يصبح مباراة ذهنية وفكرية شيقة بين رجلين ينتميان إلى المؤسسة الدينية الراسخة، بل ويصبح رحلة في البحث الوجودي عن معنى الحياة، ومغزى الإيمان، والعلاقة بين الدين والدنيا، وبين الإيمان الغيبي والاختيار الإنساني، ومأزق رجل الدين الذي يُطلب منه منح الغفران للآخرين في حين أنه لا يخلو من الخطايا.

الفيلم يتغاضى عن ماضي البابا بنيديكت وعلاقته بالشبيبة الهتلرية أو قناعته بالنازية. أما الكاردينال بيرغوغليو، فيكشف عن شعوره بالذنب لصمته عن جرائم الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين

لا يتناول الفيلم شخصية مفترضة للبابا كما في العملين السابقين، بل شخصيتين حقيقيتين يعرفهما العالم هما؛ البابا السابق (بنيديكت) والبابا الحالي “فرانشيسكو”، من خلال أسلوب الدراما التسجيلية، التي توهمك بأنها تروي حقيقة ما دار بين الرجلين، في حين أنها تعتمد على الخيال الخصب المدهش الذي جادت به قريحة كاتب السيناريو النيوزيلندي الموهوب أنتوني ماكارتن (كاتب “نظرية كل شيء” و”أحلك الساعات)، وصنع منها فنان السينما البرازيلي فرناندو ميريليس عملا يرقى إلى مستوى التحف السينمائية، يجمع بين المتعة والفن والفكر والجمال البصري والصوتي.

يعتمد الفيلم على الانتقال في المكان والزمان، من الحاضر إلى الماضي، والعودة إلى الماضي الأعمق في سرد متعرج يمزج بين التسجيلي والروائي، مع انتقال في الألوان؛ إلى الأبيض والأسود، أو إلى اللون الواحد ذي المسحة القاتمة (في زمن الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين)، وتغير منسوب الشاشة من القديم إلى الحديث (العريضة) طبقا لما يصوره، مع استخدام عشرات المقاطع الحقيقية من نشرات الأخبار وتقارير المراسلين التليفزيونية، والمشاهد التسجيلية (الانقلاب العسكري في الأرجنتين)، وإعادة خلق مشاهد تنصيب البابا وتصوير الحشد الضخم الذي ينتظر في ساحة القديس بطرس في روما أمام الفاتيكان، وإعادة تجسيد كنيسة سيستين الشهيرة بسقفها الأسطوري الذي تزينه رسوم مايكل أنجلو البديعة، في ديكور جديد بني خصيصا للفيلم في ستديوهات مدينة السينما بروما، مع استخدام أقصى ما يمكن أن توفره أيضا وسائل التقنية الحديثة الرقمية في المزج المقنع بين الأماكن الحقيقية والشخصيات السينمائية.

يبدأ الفيلم بإعلان وفاة البابا يوحنا بولص الثاني عام 2005، وما يعقبه من اجتماع الكرادلة ممثلي الكنائس الكاثوليكية المختلفة في العالم، وانتخاب البابا الألماني بنيديكت، المحافظ كثيرا في أفكاره، لكن المفاجأة أن فارق الأصوات كان ضئيلا بينه وبين الكاردينال الأرجنتيني “بيرغوغليو” المتحرر كثيرا في أفكاره. بعد ذلك يعود بيرغوغليو إلى بيونس أيريس، ليواصل مهمته هناك، لكنه لا يشعر بالارتياح فهو ينتقد موقف الكنيسة وتسترها على ما يكشف الستار عنه يوميا من تحرشات واعتداءات جنسية.

في عام 2012 تكون فضائح الاعتداءات الجنسية، داخل الكنيسة على الأطفال، قد بلغت ذروتها. ويشعر بيرغوغليو أنه لا يستطيع مواصلة عمله مع عجز الفاتيكان عن اتخاذ موقف واضح، فيكتب رسالة استقالة يبعث بها إلى البابا بنيديكت. لكن البابا يستدعيه إلى روما ويستقبله في منزله الريفي الفخم الذي يطل على جانب رائع الجمال من المدينة قرب ضفة النهر.

هناك تتضح، من خلال الحوارات المكتوبة ببراعة والتي تستند إلى الخلفية الشخصية لكل من الرجلين، الفروق فيما بينهما؛ في الفكر والرؤية والنظرة إلى العالم.

البابا لا يستقبل

التمثيل يبلغ القمة في الفيلم
التمثيل يبلغ القمة في الفيلم

بيرغوغليو مثلا يذكر البابا كيف أن أول بابا للفاتيكان كان متزوجا، وأن القساوسة الكاثوليك لم يُفرض عليهم عدم الزواج إلا في القرن الثاني عشر. ويقول إنه لم يعد يرى جدوى من منح الغفران، فالغفران يعفي الجاني وليس الضحية. بينما يرفض البابا بنيديكت منطقه ويصفه بأنه “يبحث عن الحلول الوسط “، لكن الكاردينال يصر أنه “يتغير”، وأنه لا مناص من التغيير حتى تستمر الكنيسة، ويمكنها أن تحتفظ بأتباعها الذين يهجرونها يوميا لا أود أن أصبح بائعا.

بائع؟ ماذا تقصد؟

أن أسوّق لسلعة لا يريدها أحد.. سلعة رديئة. لقد أصبحت الكنيسة موظفة لخدمة النرجسية.

الحوار يمتد ويصل إلى درجة أن بنيديكت المحافظ يسأل الكاردينال الأرجنتيني؛ أنت تريد التقاعد ولكن هل تريد أيضا التخلي تماما عن دورك كقس؟

البابا يرفض تماما فكرة استقالة بيرغوغليو، ليس فقط لأنه يرى أنها يمكن أن تفسر باعتبارها نقدا للفاتيكان وللبابا نفسه وسياساته، بل لأنه يدّخر لبيرغوغليو دورا أكبر، أن يصبح خليفته، أي البابا القادم، فبنيديكت يعتزم الاستقالة ويريد أن يخلفه رجل تقدمي في أفكاره يعيد للكنيسة جاذبيتها، ولا يجد أفضل من بيرغوغليو الذي سيصبح بالفعل في نهاية الفيلم، كما حدث في الواقع، البابا فرانشيسكو، بعد أن يستقيل البابا بنيديكت في 2013 ليصبح أول بابا في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية يستقيل من المنصب البابوي طوال 600 سنة.

استقالة البابا جاءت في ضوء اتساع فضائح الاعتداءات الجنسية، ولكن الفيلم يلمس هذا الجانب بحذر، ويجعل البابا يقول إنه لم يعد يشعر بالانسجام في دوره، ورغم تمسكه بأفكاره القديمة إلا أنه معجب بجرأة ما يطرحه زميله من أفكار جديدة. فبيرغوغليو، الذي يريد أن يجعل الكنيسة أقرب الى الناس، يغادر الفاتيكان وحده دون حراس أو مظاهر رسمية، يتوجه إلى فندق بسيط يقيم فيه ليلة، يقصد مقصفا شعبيا حيث يشتري قطعة من البيتزا وقدحا من القهوة، تعجبه البيتزا فيقنع البابا فيما بعد بأن يطلبا قطعة منها من نفس المكان، يتناولاها بأيديهما معا داخل الفاتيكان، بعد أن تكون العلاقة بينهما قد توطدت وزالت الفجوة التي كانت تفصل بينهما رغم بقاء الخلاف في الرؤية.

بيرغوغليو مولع بكرةالقدم وهو يتوجه وحده إلى ملعب كرة القدم لمشاهدة إحدى المباريات. ويقنع البابا العجوز بمشاهدة مباريات كأس العالم معه على شاشة التليفزيون، ويشعر بالابتهاج حينما يسجل منتخب الأرجنتين هدفا للمنتخب الألماني في نهائي الكأس (2012)، كما أنه من المعجبين بفرقة موسيقى “أبّا” ABBA، ولا يكف عن التحدث عنها وعما يعشقه من أغانيها.

البابا بنيديكت مثلا يعترف للكاردينال بعد أن تكون العلاقة بينهما قد اكتست بالثقة، في مشهد يتلاشى فيه صوته، بما يمكن تفسيره بندمه على تستره على الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة

الحوار مكتوب ببراعة لافتة للنظر. فهو ليس حوارا وظيفيا يجسد فقط الخلاف في الرأي بين الرجلين، بل ويضيء للمشاهد أيضا نقاطا مهمة في تاريخ الكنيسة. وتكمن براعته في انتقاله السلس بين المداعبة والتضاحك والمزاح ورواية النكات، والحديث عن أمور (أرضية تماما) مثل الموسيقى وكرة القدم، وبين حاجة الناس في العالم اليوم إلى مواقف حاسمة واضحة من القضايا الكثيرة المعلقة.

نحن أمام مزيج مدهش من الدراما الجادة والكوميديا في سياق مرح لطيف لا يغيب عن باله أنه يخاطب جمهورا يعيش أزمات العالم؛ التفرقة العنصرية، صعود اليمين، الانقسام، الحواجز التي تقسم بين الناس في العالم، خاصة الحاجز الذي يقيمه الرئيس ترامب بين بلاده والمكسيك (ويظهر في الفيلم جانب منه)، وتلوث البيئة والفقر والديكتاتورية العسكرية في العالم الثالث، ومشكلة اللاجئين.. إلخ وكلها مجسدة على نحو أو آخر في الفيلم ولو من خلال لقطات سريعة تأتي في سياق الفيلم، تقطع في الوقت المناسب الحوارات الطويلة التي تجري بين الرجلين في المشاهد الداخلية، وتساهم في تخليص الفيلم من الطابع المسرحي الجامد.

الاعتراف بالآثام

يعترف كل من الرجلين للآخر بما ارتكبه من آثام. البابا بنيديكت مثلا يعترف للكاردينال بعد أن تكون العلاقة بينهما قد اكتست بالثقة، في مشهد يتلاشى فيه صوته، بما يمكن تفسيره بندمه على تستره على الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة، ولكنه ينال الغفران من الكاردينال. إلا أن الفيلم يتغاضى عن ماضي البابا بنيديكت وعلاقته القديمة بالشبيبة الهتلرية أو قناعته بالنازية. أما الكاردينال بيرغوغليو، فيكشف من خلال التداعيات المصورة عن شعوره بالذنب بسبب صمته أمام جرائم الطغمة الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين في السبعينات وجرائمها التي شملت زملاءه من القساوسة الجيزويت الذين كان يفترض أنهم تحت حمايته وقد تخلى عنهم.

بعد أن تذوب الثلوج بين الرجلين، وفي مشهد بديع يلعب فيه المونتاج الدور الأساسي، يجلس بنيديكت يعزف على البيانو مقطوعة موسيقية يقول إن مغنية ألمانية يذكر اسمها كانت تغني على نغماتها قبل الحرب، وإنه كان معجبا بها. وعندما يودّعه بيرغوغليو في النهاية قبيل العودة إلى بلاده، يجذبه من ذراعه ويصر على أن يرقص معه رقصة التانغو التي اشتهرت بها الأرجنتين، على مرأى من المرافقين والحراس في فناء الفاتيكان.

لا حاجة بنا إلى التطرق إلى دقة التصوير وبراعة تصميم الملابس والديكورات، والتصميم المبهر الذي تراعى فيه جميع التفاصيل لمشاهد اجتماعات الكرادلة، وتصوير مشاهد إطلالة البابا من شرفة الفاتيكان على الحشود التي تجمّعت في ساحة القديس بطرس، والمشهد المصور من الطائرة المروحية التي يستقلها الرجلان ويحلقان بها فوق روما في طريقهما إلى المنزل الريفي للبابا، وكلها مشاهد تضفي على الفيلم نبض الواقع، كما تستخدم جيدا في سياق الدراما الذهنية المثيرة… إلخ

ولم يكن الفيلم يأتي على كل هذا الرونق والسحر والجمال إلا بأداء اثنين من عمالقة التمثيل في العالم. فكما أنه احتفال بالفن الرفيع، هو أيضا احتفال بفن التمثيل. هنا يبلغ أداء أنتوني هوبكنز الذروة في دور البابا بنيديكت. فهو يعبر بطريقته في الحركة وبظهره المقوس المنحني، وإيماءات رأسه بشعره الأبيض، ونظرات عينيه التي تضيق وتتسع في رد فعل فوري على ما يسمعه من رفيقه ويدهشه، بل وحتى في طريقة إمساكه بالمظلة التي يلتقطها من الحديقة في أول لقاء له مع بيرغوغليو، واستخدامها في تأكيد كلامه وسلطته، ثم تدرجه من الخشونة والتزمت وضيق الصدر إلى الرقة والفهم والود والتسامي، لتصبح العلاقة بينهما أقرب إلى الصداقة والفهم. ويؤدي هوبكنز مشهد العزف على البيانو بشكل مقنع كثيرا، كما ينتقل بين اللغات المختلفة (الإنجليزية والإسبانية والإيطالية واللاتينية) مع زميله الممثل العملاق جوناثان برايس (في دور بيرغوغليو)، الذي يجيد الحديث باللهجة الأرجنتينية. وعندما يسأله بنيديكت في النهاية؛ هل اشتقت للعودة إلى الوطن؟ يكون جوابه؛ أشعر بأنني سجين في اللغة الإنكليزية!

لن تشعر وأن تشاهد هذا الفيلم بلحظة واحدة من الملل بل متعة لا تعادلها متعة وأنت تشاهد تلك المباراة الهائلة في الأداء من جانب هوبكنز وبرايس، وهما يعبران عن خلاصة تجربة طويلة وشاقة في التمثيل أمام الكاميرا. يجب أن تبتهج وتحتفي بجمال الفن وعظمة الأداء.

15