الباب السوري المفتوح لمقاطعة مونديال روسيا 2018

السبت 2017/04/22

قبل أكثر من سنة من موعد كأس العالم الحادية والعشرين لكرة القدم والمقررة إقامتها في روسيا في شهري يونيو ويوليو 2018، نستذكر المقاطعة الواسعة لأولمبياد موسكو 1980 التي بلغت 65 دولة في العالم تلك الأيام، قبل تفكك الاتحاد السوفييتي إلى دول الكومنولث واستقلال الكثير من الدول الصغيرة في العالم.

لكن خلفية التورط الروسي المباشر في مفاعيل الحرب على سوريا، منذ نهاية سبتمبر 2015، على الأرض وفي مجلس الأمن الدولي منذ نهاية 2011، برفع الفيتو ثماني مرات دعما لاستمرار قمع النظام الأسدي لثورة الشعب عليه، لا تشير حتى الآن إلى إمكانية إفساد المونديال الروسي بتدخل السياسة في الرياضة، إلا إذا كان التضامن الأميركي الأوروبي كبيرا في هذا الاتجاه، فعدد الدول الأوروبية المتأهلة إلى النهائيات قد يبلغ 14 دولة (13+1)، ومن غير المحتمل أن تحل دول أوروبية أخرى من غير المتأهلة محل دولة أوروبية مقاطعة، خاصة من دول الاتحاد الأوروبي الـ28 (المملكة المتحدة لم تنجز بعدُ إجراءات انسحابها من الاتحاد بعد البريسكت).

كل ذلك من دون وجود أي إشارة رسمية من الدول المؤثرة إلى إمكانية تكرار المقاطعة، حيث اقتصر الحديث على مقالات صحافية مضمونها تكهنات فقط.

وعادة، لا تسمح اللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بتدخل السياسي في الرياضي، فهما منظمتان مستقلتان تشكلان أكبر تجمعين دوليين في العالم لدرجة وصفهما بـ”الفيدراليتين الدوليتين”، مع 206 في الأولى و211 في الثانية، أي أن أعضاء كل منهما أكثر حتى من عدد أعضاء الأمم المتحدة (193 دولة مستقلة إضافة إلى الفاتيكان وفلسطين كعضوين مراقبين).

مقاطعة أولمبياد موسكو 1980 جاءت بقيادة الولايات المتحدة على خلفية الغزو السوفييتي لأفغانستان في العام 1979، حيث أنذر الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر، موسكو في 20 يناير 1980 بمقاطعة الأولمبياد إذا لم ينسحب الجيش السوفييتي من أفغانستان خلال شهر.

انضمت اليابان و”ألمانيا الغربية” إلى مجتمع مقاطعي أولمبياد موسكو، قبل الصين والفلبين والأرجنتين وكندا. واستعاض حلف المقاطعين عن الأولمبياد بتنظيم مسابقات للرياضيين المقاطعين في ولاية فيلادلفيا الأميركية.

بينما شاركت في أولمبياد موسكو بعض الدول ببعثات أصغر من المعتاد، تعبيرا عن مقاطعة جزئية وبعضها سمح لرياضييه بالمشاركة تحت الراية الأولمبية وليست الرايات الوطنية.

مع ذلك، شاركت في الأولمبياد 80 دولة وتم تحطيم عدد من الأرقام القياسية العالمية، حتى أكثر من الأولمبياد السابق في مونتريال عام 1976.

ردت موسكو على ذلك بمقاطعة أولمبياد 1984 في ولاية لوس أنجلوس الأميركية. ففي 8 مايو من العام نفسه، قرر الاتحاد السوفييتي المقاطعة بسبب “المشاعر المعادية للاتحاد السوفييتي المتفشية في الولايات المتحدة”. وانضمت إلى موسكو 13 دولة حليفة فقط. وكانت كل من إيران وألبانيا الدولتان الوحيدتان اللتان قاطعتا الأولمبيادين في موسكو ولوس أنجلوس.

لكن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي لم تقاطعا الأولمبياد الشتوي في منتجع سوتشي على البحر الأسود في فبراير 2014 والألعاب البارالمبية الشتوية التالية لها، على الرغم من التدخل الروسي في الأزمة الأوكرانية، وذهاب روسيا إلى خيارات حدية ومتحدّية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حتى وصلت إلى ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، عبر استفتاء، وسلخها عن أوكرانيا في 16 من مارس 2014.

وحتى اليوم، لا يبدو أن مقاطعة مماثلة لأولمبياد موسكو ستحدث إذا ما استمرت خيارات فلاديمير بوتين في سوريا في تحديها للمعسكر الغربي الذي لا يزال يرقص على إيقاعات الحرب الباردة بين القطبين العالميين. لكن الصحافة الغربية بدأت بالتلميح إلى إمكانية حدوث ذلك.

وإذا تصاعد مثل هذا الاحتمال فإنها ستكون سابقة كبيرة، بما لا يُقاس إلى مقاطعة أولمبياد موسكو. ففي كأس العالم تشارك 32 دولة فقط، بعد خوض تصفيات على مستوى القارات، حسب أنظمة محددة من الفيفا، وانسحاب فريق واحد سيشكل خللا في توزيع المجموعات، وتزداد الأمور تعقيدا كلما ازداد عدد الدول المقاطعة، حيث المشاركة هنا إما أن تكون كاملة وإما لا تكون، على عكس الألعاب الأولمبية التي تتألف من العشرات من المسابقات مع إمكانية مشاركة أي رياضي تحت راية العلم الأولمبي بموافقة الاتحاد الوطني لدولته أو دونها.

صحيح أن الفيفا ستعوض الدولة المقاطعة بالدولة التي حلت خلفها في نهاية التصفيات، كما حدث مرارا في بطولات قارية نتيجة معاقبة الفيفا لدولة متأهلة في التصفيات (الدنمارك مثلا، فازت ببطولة أوروبا بعد أن حلت محل يوغسلافيا السابقة نتيجة استبعادها على خلفية تفكك الاتحاد اليوغسلافي)، لكن مجتمع الـ32 دولة المتأهلة وعدم استعداد الدولة/الدول البديلة للنهائيات سيؤثران، كثيرا أو قليلا، على المستوى الفني للمباريات.

ولأن الحاضر من التوتر الروسي الأميركي مرشح للارتفاع قبل 14 شهرا من موعد المونديال، خاصة مع النشاط الدبلوماسي الروسي تجاه دول الخليج، نحو السعودية، في خصوص النزاع على سوريا، وعلى خلفية التفاهمات على السياسة النفطية بين قطب أوبك الأساسي، وأكبر المنتجين العالميين من خارج أوبك، فإن السعي الروسي حثيث للإحاطة بالتعقيدات المتوقعة لتدخلها في سوريا، بما في ذلك الحؤول دون تشكيل جبهة رياضية عالمية تهدد بإفشال المونديال.

على مستوى أقل من ذلك، ظهر القلق الدبلوماسي الروسي واضحا بُعيد الضربة الصاروخية الأميركية لمطار الشعيرات، الأمر الذي جعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصمت لأيام.

كما أوقعت الأزمة وزير خارجيته سيرجي لافروف في أخطاء في تصريحاته، على الرغم من محاولتهما التماسك إدراكا لكون واشنطن غير مستعدة حتى للدخول في حرب باردة جديدة، ناهيك عن عدم استعدادها لأي حرب مع الوارث الأكبر للترسانة النووية السوفييتية (8500 رأس نووي، بالمقارنة هناك 7700 رأس نووي في الولايات المتحدة).

صحيح أن مقاطعة أولمبياد موسكو والمقاطعة المضادة لأولمبياد لوس أنجلوس، لم تمنعا استمرار احتلال الجيش الأربعين السوفييتي لأفغانستان، إلى أن انسحب منها فعليا في 15 فبراير 1989، لكن الأثر البعيد لذلك ظهر مع بريسترويكا ميخائيل غورياتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفييتي، فكانت نقطة ماء، ربما، أراقت كأس العالم الشيوعي.

وإذا حدثت أزمة من نوع مشابه، على قلة الدلائل الرسمية على إمكانية حدوثها، فإن درجة تأثير مقاطعة المونديال ستكون أكبر، كون كرة القدم الأكثر شعبية في العالم، ولأن المونديال محفل للعبة وحيدة. وبالتالي ستكون المقاطعة هزة كبيرة لروسيا، خاصة مع إمكانية تحشد الفيفا خلف الدول المقاطعة أو بضغط منها. وإن حدثت المواجهة سيكون أمام روسيا إما الرضوخ للضغط وإما سحب مهمة تنظيم النهائيات من روسيا لتُسند إلى دولة أخرى. هنا، كيف ستتصرف روسيا بعد هدر 14.7 مليار يورو أنفقت معظمها على تجهيزات البنية التحتية لاستضافة المونديال؟

يبقى سؤال أخير حول موقف الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي لا يسمح بتدخل السياسة في الرياضة. فالفيفا لا تسمح حتى للبرلمان الوطني أو مجلس الوزراء بالتدخل في قرارات الاتحادات الوطنية لكرة القدم، وعاقب الاتحاد دولا عدة لهذا السبب بالحرمان من المشاركة في المسابقات الرسمية.

واللجنة الأولمبية الدولية تمتلك الصلاحيات ذاتها في خصوص تدخل السياسة في الرياضة.

لكن اللجنة الأولمبية الدولية لم تعاقب اتحادات من حجم الولايات المتحدة أو روسيا في ثمانينات القرن الماضي، بينما أخذت بتوصية الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات بحرمان الرياضيين الروس من المشاركة في أولمبياد ريو دي جانيرو في الصيف الماضي، على خلفية جائحة تناولهم لمنشطات محظورة بشكل جماعي.

كاتب وصحافي سوري

9