الباحثة سلوى الشرفي لـ"العرب": الإسلاميون يحولون الثورات إلى غنيمة سياسوية

الاثنين 2014/03/24
سلوى الشرفي: الحركات الاسلامية تسعى إلى تهذيب وجود الإرهاب

تونس – بعد أن أطاحت ثورة الـ30 من يونيو بحكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وإعلان الحكومة المصرية أنّ تنظيم الجماعة الإسلامية يُعدُّ “تنظيما إرهابيا”، أضحت خطة التنظيم الدولي للإخوان القاضية بـ “إبقاء رؤوس التنظيم فوق المياه” وضمان تنفس التنظيم، مُتّجهة إلى خارج القطر المصري، لعلّها ستتّجه في قادم الأيّام نحو تونس أو ليبيا أو ربّما تعود إلى إحدى الدول الأوروبيّة. هذا التحوّل، هو ما دفع “العرب” للقاء الجامعية التونسية والباحثة في حركات الإسلام السياسي الدكتورة “سلوى الشرفي”، لاستجلاء مدى الترابط الفكري والتنظيمي بين الجماعات الإخوانية في الوطن العربي، وتشابه الممارسات والسلوكات العنفية لهذه الجماعات.

انطلق الحوار مع الباحثة في الحركات الإسلامية سلوى الشرفي، بالسؤال عن التداخل المتعمد الذي خلقه الإسلاميون ـ خاصة في خطابهم الدعائي ـ بين الدين الإسلامي والإسلام السياسي، الأمر الذي دعا إلى تناول المفهومين كل على حدة. “الإسلام يعني الدين المنزل والموضوع بين دفتي الكتاب كما هو بحذافيره، أما الإسلام السياسي فهو تأويل سياسي لهذا النص المنزل.

وفي إطار الإسلام السياسي، نخرج من دائرة العقيدة والعبادة إلى دائرة الرأي، والرأي أساسا ينبني على الإختلاف وهو الذي يخلو من الحقائق المطلقة، فجذر الرأي هو “رأى”. إذن نستنتج أن هناك بونا شاسعا بين كلام الله في النص المقدس وكلام البشر في تأويل ذلك النص، وعند تناول موضوع التأويل فإن رأي المؤوّل ليس بالضرورة أحق من رأي مؤوّل آخر، وبالتالي لا يحق لأي قارئ أو مؤوّل أن يحتكر النص لنفسه أو أن يغالط الناس بأنه الوحيد القادر على الحكم بما جاء فيه، وإقصاء الرأي المخالف له وتكفيره على هذا الأساس”.


إنكار حق الاختلاف


لم تتوقف سلوى الشرفي عند التنبيه إلى خطورة احتكار المعرفة بالإسلام وأصوله لدى الجماعات الإسلامية، خاصة الإخوان، بل واصلت تفسيرها لمقولات الإسلاميين على أنها مقولات سياسية صرفة وليست لها علاقة بما ورد في النص الديني.

شؤون الناس هي من مشمولات المرشد العام حسب تأويله الخاص للشريعة الإسلامية. وهنا يكمن خطر الإسلاميين في الكذب باسم الله باطلا

وتعتبر الباحثة “أن النص القرآني قد جاء بمبادئ دستورية تمثل جوهر الإسلام، في قيمة المساواة مثلا (وقد خلقناكم من نفس واحدة)”. وهي الآية التي تدفع من خلالها الشرفي تهمة التمييز بين البشر على أساس ديني التي ألصقها الإسلاميون المتطرفون بالقرآن.

كما تتناول مسألة إلغاء العبودية وأهل الذمة بشكل يؤكد القراءة “الماضوية العتيقة” للنص الديني المخالفة لروح القرآن، “فهم يفصلون بين ماهو متحول في الدين مثل المعاملات اليومية التي يتقنون الحديث والإفتاء فيها، عمّا هو ثابت في الدين مثل القيم العليا الإنسانية التي تجعل من القرآن فعلا صالحا لكل زمان ومكان، والدليل على ذلك أنّهم يصرون على رجم الزاني، مخالفين بذلك النص القرآني (حكم الجلد). فهم بذلك يؤكدون أنهم جماعة متعطشة للدماء بشكل دائم”.

إن النظرة التي يفهم بها الإخوان (ومن جاورهم من الحركات الإسلامية المتطرفة الأخرى) النص الديني بكل أشكاله، ليست منحصرة في مستوى “الجماعة الأم” المصرية التي تكوّنت سنة 1928، “بل إنّ الفكر الإخواني موجود في النصوص التأسيسية للإخوان منذ بداية نشـاطهم في تونــس”. وهو ما أكدته الشرفي في مُعرض حديثها، عندما أوردت جملة كتبها زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، في كتاب له، قال من خلالها “التقيت عبدالفتاح مورو (الرجل الثاني في الحركة الإسلاميّة في تونس) في نهاية الستينـات، وجمع بيننا الإمام حسن البنا”.


إنكار الدولة


أما عن نقطة التقاء الإخوان، في كافة الأقطار التي يوجدون فيها، في نقطة إنكار الدولة ومعاداتها، فتقول سلوى الشرفي “إنّ كتاب راشد الغنوشي ‘حقوق المواطنة’، الصادر في بداية التسعينات، يقدم تصور صاحبه للسلطة التشريعية، وهو تصور لا علاقة له بسلطة حديثة وكاملة الصلاحيّات.

وإنّما هو تصوّر يرى أن التشريع يكون بالضرورة محدودا بالتشريع الإسلامي، والخطورة هنا تكمن في أن ما يسميه تشريعا هو رؤية خاصة لحركة النهضة للإسلام، يمكن أن يكون صائبا كما يمكن أن يكون معتلا (لا يعلم تأويله إلا الله).

فهم بذلك يسعون إلى حرمان الشعب من حقوقه وحرياته. فإذا وضعنا حدودا للسلطة التشريعية كما قال الغنوشي، فإننا خرجنا من النظام البرلماني الديمقراطي لنجد أنفسنا أمام “المرشد الأعلى” ممثل الله في الأرض.. وهي التيوقراطية بعينها.”

وفي الفترة نفسها تقريبا من صدور هذا الكتاب، تحدث عبدالفتاح مورو في لندن عن “عدم إطلاق يد المشرّع، فهي تقف عند الحلال والحرام. بل إن عمله يتمثل في إقامة بلديات هنا وهناك”.

وتعلق الدكتورة سلوى الشرفي على ذلك بالقول أنه “في نظر الحركة الإسلامية، فإن البرلمان هو مجرد مكان لنقاش المسائل اليومية العامة للبلاد كرفع الفضلات، أما شؤون الناس والقوانين والحريات فهي من مشمولات المرشد العام، حسب تأويله الخاص للدين والشريعة الإسلامية. وهنا يكمن خطر الإسلاميين في إيهام الناس والكذب عليهم باسم الله باطلا”.

لا يحق لأي قارئ أو مؤول أن يحتكر النص لنفسه، أو أن يغالط الناس بأنه الوحيد القادر على الحكم بما جاء فيه، وإقصاء الرأي المخالف وتكفيره


السلوك الإرهابي المشترك


سعت سلوى الشرفي من خلال حوارها مع “العرب”، إلى تبيان “شكلية الاختـلاف وسطحيته بين التيارات الإسلامية السياسية بشكل عام، بل وتماثلها جميعا في الأصول الأولى وهي العنف لتحقيق الدولة الدينية، حتى وإن ظهرت بين الحين والآخر اختلافات حول طرق العمل والمراحل (للتمكين) والزعامات”.

لكن الثوابت الرئيسية التي تجمع كل هذه الحركات، فهي “مشتركة بينها، فكل هذه الحركات لا تؤمن بالحقوق والحريات وتعتبرها كفرا: فقد تساءل عصمت سيف الدولة القريب من الإسلاميين عن كيفية بقاء القائل بحقوق الإنسان الكونية على دين الإسلام؟ وهذا ليس متعلقا فقط بالإخوان المسلمين، بل بالتنظيمات الجهادية الإرهابية والسلفيين والتحريريّين …”.

ومن ناحية أخرى، تفسر سلوى الشرفي مسألة تبييض الإرهاب والدفاع عنه من قبل الحركات الإسلاميّة بكل أنواعها، “إذ نلاحظ أن الحركة الإسلاميّة في تونس، مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، تسعى إلى تهذيب وجود الإرهاب وخلق بؤر أخرى، لصرف نظر الرأي العام عن قضية الإرهاب عبر اختلاق مشاكل من قبيل الانقلاب وإجهاض الديمقراطية”.

وتؤكد سلوى الشرفي الباحثة في الجماعات الإسلامية، أن الجدل العام الذي انطلق منذ صعود الإسلاميين إلى السلطة، قد أخذ من الشعوب العربية التي “ثارت”، وقتا طويلا في علاج قضايا الديمقراطية والحقوق والحريات التي اُكتسبت منذ مسكت حركات التحرير الوطنية السلطة بعد الاستقلال عن المستعمر، على حساب النقاش حول سُبل التطور والازدهار الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والحضاري الذي طالبت به الجماهير في شعاراتها “الثورية”. وهي خسارة تسبّبت فيها جماعات الإسلام السياسي التي لم تتوان عن دفع العرب نحو الخلف.

13