"الباحثون عن النصيحة" حملة لمكافحة التنمر في مدارس مصر

أصبح التنمر في جميع مدارس العالم من الظواهر الخطيرة التي باتت تدق ناقوس الخطر، نظرا إلى آثاره المدمرة على نفسية الضحايا من الأطفال الذين يسلط عليهم هذا الفعل العدواني من قبل زملائهم، وقد تجعلهم ينفرون من الدراسة وفي أحيان كثيرة يقدم البعض منهم على الانتحار تاركا حسرة في نفوس أسرته وأصدقائه.
الجمعة 2017/02/24
صورة المدرسة المثالية: هدوء وسكينة بدل عنف وتنمر

القاهرة - من خلال حملة بعنوان “الباحثون عن النصيحة” يقدم مصطفى ورشات عمل لمكافحة التنمر في مصر. وكان مصطفى أشرف وجاسمين، أقرب زميلاته في سن البراءة، ضحية لتنمر رفاقهما في المدرسة.

وكان كلاهما ضحية لهذا السلوك الذي ينطوي على مضايقات من زملاء أقوى منهما بنيانا أو أكثر منهما ميلا للعدوانية. وعندما انتحرت جاسمين قبل ثماني سنوات اتخذ مصطفى قرارا وعهدا بأن يسعى عندما يكبر لمكافحة تنمر التلاميذ على زملائهم في المدارس. يبلغ مصطفى من العمر الآن 19 عاما وكان عمره عندما انتحرت جاسمين 11 سنة. ومن خلال حملته يقيم مصطفى ورشات عمل لمكافحة التنمر.

ويقول مصطفى حول هذه الحملة “بدأت عندما انتحرت صديقتي منذ ثماني سنوات، وكنا نحن الاثنان نتعرض إلى التنمر كثيرا وبصفة مستمرة. فبدأت هذه الحملة ضد التنمر في 2014 بعدما اكملت تعليمي، وكان عندي وقت فراغ. فبدأنا بزيارة المدارس وإعلامها بحملتنا”.

ومنذ بدئها زارت الحملة ثماني مدارس، بعدد السنوات التي غيب الموت فيها جاسمين حتى الآن. وتضم المجموعة عشرة أعضاء جميعهم تعرضوا إلى تنمر زملائهم في المدارس في الصغر.

وتشتمل أنشطة الحملة على عروض وجلسات أسئلة وأجوبة. كما يتحدث الأعضاء عن تجاربهم الشخصية التي تعرضوا خلالها للتنمر ويقدمون للأطفال النصح والمساعدة.

وقال أشرف أحد المشاركين في الحملة “نحن اليوم نتكلم عن الحملة وكيف بدأنا نتكلم عن التنمر ونقوم بأنشطة كثيرة ونلعب مع الأطفال ونمزح معهم، لأنه لا أحد يريد أن يجلس في محاضرة يسمع فيها إلى أحد يتكلم عن شيء اسمه التنمر”. وتستهدف الحملة كذلك المعلمين وتدربهم على وسائل التعرف على الأطفال الذين يعانون من التنمر والتدخل في حالة تعرض أحد تلاميذهم لتنمر زملائه عليه.

وقالت معلمة تدعى جيرالدين “نحن بحاجة إلى معرفة المزيد عن التنمر (استعراض القوة واستخدامها) لأنني أعتقد أن هذه الظاهرة جديدة على المجتمع المصري.. وهناك الكثير منه في الخارج وهناك أشخاص يتولون مهمة الرعاية والاهتمام بهذا الأمر.. لكنه شيء جديد في مصر على ما أعتقد ونحن حقا في حاجة إلى معرفة المزيد عنه”.

وأضافت معلمة تدعى صاندي “يمكن القيام بأكثر من ذلك لأن الأطفال لا يفهمون الموضوع جيدا. أحس بأنهم لا يستوعبونه بشكل كاف. لا يدركون إلى أي مدى يمكن أن يسبب هذا الأمر من ألم، وما يمكن أن ينجم عنه من مشكلات فادحة في الكثير من الأحيان” .

وفي خطوة مماثلة لمجابهة هذه الظاهرة الخطيرة التي يعيشها الكثير من الأطفال بصفة يومية تستعين مديرية التربية والتعليم في محافظة السويس بخبير تنمية بشرية؛ لمحاربة التنمر في مدارس السويس، من خلال حملة تابعة لمركز التعليم، تستمر من 19 فبراير حتى 8 مارس، في 6 من مدارس السويس.

وقال الدكتور خالد منصور أستاذ التنمية البشرية، ومدير مركز التعلم “إن الحملة جديدة من نوعها بتعليم السويس، وتهدف من خلال سلسلة محاضرات، إلى وقاية الطلاب من التنمر في المدارس، والذي يقصد به القيام بأفعال سلبية متعمدة، من جانب تلميذ أو أكثر؛ لإلحاق الأذى بتلميذ آخر”.

التلاميذ الذين يتعرضون للتنمر على مدار فترة طويلة من الوقت في المدارس يصبح لديهم أكبر معدل خطر لأن يكونوا ضعفاء

وأوضح منصور أن التنمر يشمل التهديد والتوبيخ والشتائم، كما يمكن أن يكون بالاحتكاك الجسدي؛ كالضرب والدفع والركل، أو حتى من دون استخدام الكلمات، أو التعرض الجسدي، مثل التكشير بالوجه، أو الإشارات غير اللائقة.

كما قال إن من أهم أهداف المبادرة هو تعرف الطلاب على سمات من يتوقع منهم التنمر، ثم العلاج، من خلال الدور المشترك والإيجابي من الطلاب والمعلمين، كما تتضمن المبادرة إكساب الطلاب بعض المهارات الخاصة بحل مشكلة التنمر، من خلال بعض الأفلام والعروض التعليمية. ويؤثر التنمر على حياة التلاميذ العاطفية والاجتماعية في الوقت الذي يؤثر فيه بشكل مباشر على أدائهم في الدراسة والمشاركة في الفصول، حسبما تقول دراسة أميركية في الآونة الأخيرة نشرت في جورنال “إديوكيشنال سيكولوجي” عن علم النفس التعليمي.

وقال باحثون في جامعة ولاية أريزونا إن التلاميذ الذين يتعرضون للتنمر على مدار فترة طويلة من الوقت في المدارس يصبح لديهم أكبر معدل خطر لأن يكونوا ضعفاء في الإنجاز وفي المشاركة في الدراسة.

أما الأطفال الذين تعرضوا للتنمر خلال سنوات الدراسة الأولى فحسب فقد أحرزوا تقدما في ما يتعلق بتقييم الذات والأداء الدراسي وحب الدراسة بعد توقف التنمر ضدهم.

وفي بعض الحالات.. وبالنسبة إلى بعض الأطفال فإن التنمر يمكن أن تترتب عليه عواقب كارثية مثلما حدث مع جاسمين. وقالت الدراسة إن الطلبة الذين تعرضوا للتنمر في الكثير من أوقاتهم داخل المدارس كانوا أكثر عرضة لخطر انخفاض درجاتهم الدراسية وتواصلهم داخل الفصول.

وقال غاري قائد فريق البحث في جامعة ولاية أريزونا “إنّ التنمر والتعرض له داخل المدارس في سنوات الدراسة الأولى صار موضوعا أكثر أهمية خلال الأعوام الماضية لأنّنا صرنا أكثر دراية بالضرر الذي يسبّبه”.

ونبه إلى أن المعملين وأولياء الأمور ومديري المدارس وكل من له صلة بالطفل في عمر دخول المدرسة.. عليهم جميعا أن يفهموا تلك الأضرار.

شملت الدراسة 383 طفلا نصفهم من الفتيات والنصف الآخر من الفتيان بدءا من مرحلة رياض الأطفال ووصولا إلى السنة النهائية في مرحلة الثانوية. وتم تصنيفهم إلى فئات طلبة نادرا ما تعرضوا للتنمر أو لم يتعرضوا له أصلا أو تعرضوا له في السنوات الدراسية الأولى فقط وآخرين تعرضوا له في سنوات دراستهم الأخيرة وغيرها من الفئات. وبينت دراسة سعودية حول مدى انتشار العنف وسوء معاملة الأطفال في المدارس، أنجزها برنامج الأمان الأسري الوطني، أن 47 بالمئة‏ من الأطفال يتعرضون للتنمر، ما يعني أن طفلا أو اثنين من كل أربعة أطفال يتعرضون للتنمر أو العنف من أقرانهم.

وأكد باحثون أن الآلاف من التلاميذ يهربون من المدارس بسبب التنمر واستئساد زملائهم، منبهين إلى أن أسباب الظاهرة تتمثل في اتباع الآباء أساليب تربية خاطئة وغياب التوجيهات السلوكية الواضحة وعدم الإحساس بالأمان والاستقرار العاطفي في الأسرة والمشكلات الأسرية المستمرة بين الأبوين.

وأضافوا أن الافتقار إلى سياسات تأديبية وإجراءات واضحة تجاه سلوكيات التنمر وعدم وجود برامج لحل النزاعات تتبناها المدرسة ويدرب عليها أعضاء هيئة التدريس وضعف الإرشاد الطلابي وعدم فعالية دور الاختصاص الاجتماعي في مواجهة الظاهرة من العوامل الرئيسية المؤدية إلى التنمر في المدارس.

21