الباحث العربي: متى سأجد فرصتي

رغم التحديات وصعوبة التمويل، فاز 11 باحثا عربيا بجائزة مؤسسة عبدالحميد شومان للباحثين العرب للعام 2016 في دورتها الـ35 التي تميزت بتألق الباحثات العربيات، حيث فازت خمس باحثات بجوائز حول بحوثهن. وتحدثت “العرب” على هامش الاحتفال بتقديم الجوائز مع باحثات عربيات منهن فائزات بالجائزة ومنهن مسؤولات في مؤسسة شومان حول أفق البحث العلمي في المنطقة العربية، وإلى أيّ مدى تحوّل البحث العلمي إلى استثمار وصناعة وخطة إستراتيجية يساهم في تطويرها القطاعان الخاص والعام، كما رصدت تفاعلات المشاركين في الجلسة النقاشية “من العلوم إلى الابتكار في العالم العربي”، ويكاد يتفق الجميع على أن وضع البحث العلمي في العالم العربي يحتاج إلى قرار سياسي للخروج به من أزمته، مشيرين إلى أن الاكتفاء بتمجيد الماضي ونقد الحاضر لا يحل المشكل بل يزيد من تخلف المنطقة في وقت يطل فيه العالم على الثورة الصناعية الرابعة ويشهد طفرات تكنولوجية وعلمية كانت تعد من الخيال العلمي.
الجمعة 2017/11/10
الباحثون جزء من الأزمة باعتكافهم في المختبرات مكتفين بنشر الأبحاث في المجلات العلمية

لم تعد الدول المتقدمة تتباهى بما تمتلكه من سلاح بقدر ما تتباهى بما تحققه من تقدّم تكنولوجي وعلمي، حتى أن الفارق الزمني بين الدول قد يحسب في المستقبل بسنوات التخلّف التكنولوجي وتقدّمه؛ وإذا اعتمدنا هذا التقييم اليوم فإن سنوات كثيرة بل عقودا عديدة تفصل المجتمعات العربية عن الركب التكنولوجي.

السبب في ذلك تشرحه ربى الزعبي، مديرة البحث العلمي في مؤسسة عبدالحميد شومان، مشيرة في لقاء مع “العرب”، على هامش الاحتفال بمرور 35 عاما على تأسيس المؤسسة، وتوزيع جوائزها على الفائزين عن عام 2016، مشيرة إلى أن البحث العلمي في الكثير من دول العالم العربي لا يعدّ أولوية، حيث يقل الاستثمار في البحث والتطوير عن 2 بالمئة في بعض الدول.

وأضافت الزعبي أن الاستثمار في البحث العلمي الأساسي والتطبيقي في العالم العربي ضئيل جدا، وفي فترة ما يطلق عليه بالربيع العربي تراجع الأمر إلى الأسوأ. كما أن المختبرات والتجهيزات التي يحتاجها الباحث مازالت متواضعة أو غير مواكبة للتطورات السريعة في القطاعات التكنولوجية المختلفة.

ولمست الزعبي هذا الضعف من خلال الصعوبة التي تجدها مؤسسة عبدالحميد شومان كل عام في اختيار موضوعات للفوز بجوائزها المخصصة للابتكار العلمي. لكن، هذا الضعف لم يثن، كما تقول الزعبي، المؤسسة عن إطلاق جائزة جديدة تعنى بالابتكار العلمي والمجتمعي، للمساهمة في دعم المبدعين والمبتكرين والأخذ بأيديهم لخدمة مجتمعاتهم، وسدّ الفراغ في الإنفاق على المشاريع الابتكارية وتمويلها.

وتركز الجائزة على حقول التكنولوجيا الخضراء والاستدامة البيئيّة، والأمن الغذائي والتكنولوجيا الزراعيّة، والرعاية الصحيّة والتكنولوجيا الطبيّة، إضافة إلى سوق العمل وحلول الإنتاجية الاقتصادية والحلول التعليمية.

وأكدت ربى الزعبي أن المنطقة العربية تواجه العديد من المشاكل التي تهدد نوعية الحياة، ويمكن تحويل ذلك إلى فرص للباحثين. وقالت إن التنمية المستدامة تعتمد إلى حد كبير على القدرة على الابتكار، ولا بد أن يستعد العالم العربي للعب دور في الثورة الصناعية الرابعة. ودون الاستثمار في البحث العلمي التطبيقي لن نستطيع أن نجد الحلول للمشاكل الموجودة في المنطقة العربية سواء الصحية أو الهندسية أو الحضارية وغيرها، وبالتالي لا نربط الربط الصحيح بالسوق والصناعة.

الإنفاق على العلوم استثمار وصناعة وخطة استراتيجية

وهنا، تحمّل الزعبي المستثمرين والباحثين المسؤولية في تردي الوضع، فكما لا يثق أصحاب رؤوس الأموال في أهمية البحث العلمي كمجال للاستثمار المربح، مازال الباحثون يغلقون على أنفسهم أبواب المختبرات مكتفين بالأمور النظرية ونشر الأبحاث في المجلات العلمية العالمية لتتم ترقيتهم على أساسها.

تشاطر ربى الزعبي قراءتها المتشائمة لحال البحث العلمي في العالم العربي الأميرة رئيسة هيئة أمناء مؤسسة شومان ومركز الحسين للسرطان، التي شددت على أن الأزمة في التمويل والاهتمام بالعلماء وليست في الأفكار والعقول.

وقالت الأميرة غيداء طلال إنه “لسوء الحظ أن ظاهرة الإبداع العلمي في الشرق الأوسط، ليست على المستوى العالمي بل وتعتبر في أسوأ أحوالها. وناديت من منابر عربية وأجنبية إلى ضرورة إنشاء صندوق عربي للبحث العلمي مخصص لمنطقتنا العربية”.

تفاخر بانجازات الماضي

يكشف تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الدول العربية تفضّل شراء السلاح على تعليم أبنائها، والحكومات تنفق على شراء السلاح أكثر من الاسثمار في العلم، ما يجعل معدل الإنفاق العربي على البحث العلمي بين 1و2 في المئة سنويا من الدخل القومي. هذه الإحصاءات محبطة ومخيفة، ولكنها تعكس الواقع، وتشير بوضوح إلى شلل في فكر العرب الذين مازالوا يرون في التقنية والبحث العلمي رفاها وسلعة استهلاكية لا سلاحا هاما من أسلحة المستقبل، ويعيشون على اجترار نجاحات مرت عليها قرون.

وكما تشير الرئيسة التنفيذية لمؤسسة عبدالحميد شومان فالنتينا قسيسية مازال البحث العلمي ينظر إليه على أنه تعبير عن الاستقرار والرفاه ولا تقدر عليه غير الدول المتقدمة، مؤكدة بدورها على ما سبق وقالته الأميرة غيداء بشأن ضعف التمويل بقولها إن “المشكلة لدينا ليست في العقول، بل في توجيه الإنفاق للاستثمار في البحث العلمي، فحين يزيد الإنفاق على البحث العلمي والتطوير، تبدأ البنية التحتية بالتأسس، ويبدأ المجتمع العلمي والابتكاري بالتشكل، فاكتساب المعرفة العلمية لا بد أن ينعكس إيجابا على الحياة العملية بمختلف أوجهها”.

وتوضح قسيسية أن مشكلات البحث العلمي العربي تتنوع، وتتفرع إلى أساسية وإجرائية، كضعف البنية التحتية، وشيوع البحوث النظرية التي تكون غير قابلة للتحويل إلى تطبيقات عملية تخدم الصناعة والقطاعات التنموية المختلفة. أما البحوث والابتكارات التطبيقية فلا تجد العديد من الجهات لتتبناها. وأكدت قسيسية أن التمويل هو العقبة الأساس أمام الباحثين الجادين الذين يضطرون في الكثير من الأحيان إلى التخلي عن أحلامهم وطموحاتهم بسبب غياب الجهات الداعمة لأبحاثهم.

ولم تختلف أراء المشاركين في الجلسة النقاشية التي جاءت بعنوان “من العلوم إلى الابتكار في العالم العربي” التي نظمتها مؤسسة عبدالحميد شومان ضمن فعاليات الاحتفالية، عما عبرت عنه ربى الزعبي والأميرة غيداء طلال وفالنتينا قسيسية، حيث أكّد أغلب المتحدثين على أن الوضع البحث العلمي هو «المحرّك الغائب» للتعبير عن أهمية العلوم في دفع عجلة التنمية والاقتصاد ووضع حلول لكثير من الأزمات والمشاكل الصحية والبيئية والاجتماعية.

الحاجة إلى قرار سياسي

أكد المتحدثون أن البحث العلمي العربي التنظيري والتطبيقي يعيش أسوأ فتراته في ظل تردي تمويله وعدم وجود شراكات على المستوى الداخلي لكل دولة وعلى مستوى الدول، وكذلك تعقد الإجراءات المالية في الجامعات والمراكز البحثية وسيطرة إدارات بيروقراطية على العمل، وبحثوا عددا من الحلول التي يمكن أن تساهم في حل معضلة البحث العلمي محليا وعربيا.

ضرورة رعاية الشباب المخترعين وتشجيعهم على التميز

ووضع أمين محمود، أستاذ التاريخ الحديث والعلاقات الدولية بجامعة جورج تاون الأميركية، الإصبع على الداء بقوله إن “العقلية العربية للأسف حينما تواجه مشكلة تغرق في التشخيص. مثلا في ظل وجود أزمة اقتصادية أو سياسية، نحلل ونحلل، لكن نبقى في تلك الدائرة دون الانتقال سريعا إلى مرحلة طرح حلول قابلة للتحقيق وتقديم رؤية مستقبلية للخروج من الأزمة».

وأوضح محمود أن «بداية الحل هي الاعتراف بأن هناك أزمة. هناك أزمة في التعليم وأخرى في البحث العلمي، تتأكد حين ندرك أن عدد الباحثين في الدول المتقدمة 12 ضعف العدد الموجود في العالم العربي. وإذا قارنا عدد البحوث الابتكارية في الدول المتقدمة نجد مثلا أن أميركا لديها ما يتجاوز 80 ألف بحث في العام، اليابان 35 ألف بحث في العام، الصين، ألمانيا 10 آلاف بحث ابتكاري، في حين العالم العربي تتراوح الأبحاث الابتكارية فيه ما بين 100 و150 بحثا، ناهيك عن نوعية هذه البحوث. لا بد أن نعترف بأن هناك أزمة وتخبطا وعدم وضوح في الرؤية وعدم تحديد للأهداف، نحن لا ننكر أن لدينا علماء وباحثين لكن ليس لدينا مجتمعات علمية، نفتقر إلى المجتمعات البحثية”.

وتوافقه الرأي رنا الدجاني، أستاذة البيولوجيا الجزيئية بكلية العلوم في الجامعة الهاشمية، التي قالت “نتحدّث كثيرا كباحثين ومتخصصين مهتمين ثم نعود إلى بيوتنا سعداء لأننا أفرغنا أزمتنا في الحديث”. وأضافت “لا تنقصنا العقول ولا ينقصنا توفير المال إننا بحاجة إلى تحديد المشكلة».

وأضافت «المشكلة الرئيسية تكمن بنظري في إدارة البحث العلمي، حيث تركت هذه الإدارة لإداريين بيروقراطيين في الجامعات والأكاديميات والمراكز، والحل أن يكون هناك تدريب إداري على مستوى عال لهؤلاء، وتشكيل إدارة خاصة بالبحث العلمي”. وأكد على مشكلة البيروقراطية سعيد إسماعيل، أستاذ البيولوجيا الجزيئية والتكنولوجيا الحيوية وعلم الوراثة، مشيرا إلى أن هناك إجراءات يومية تعوق البحث العلمي.

وقال “إننا نواجه بيروقراطية قاتلة، لقد قبلنا بنقص الدعم وأمورا أخرى لكن الإجراءات تخنقنا في دائرتها الجهنمية التي تصل إلى عدم قبول وصل استلام الفاتورة ورده حتى نضع عليه الطوابع. إن القوانين التي تحكم الأمور عمرها 30 و40 سنة لم يلتفت إليها أي مسؤول لتغييرها. إن ميزانية البحث العلمي جيدة إلى حد كبير لكن البيروقراطية تحول دون أن تكون لهذا الدعم أي إيجابية”.

العرب يعيشون على اجترار نجاحات علمية مرت عليها قرون

ورأى ضياء خليل، أستاذ هندسة الاتصالات ورئيس قسم الإلكترونيات والاتصالات في كلية الهندسة بجامعة عين شمس، أن “الإبداع ليس فقط أن نقدم أفكارا جديدة ولكن أن نحول هذه الأفكار إلى فائدة حقيقية وقيمة مضافة لخدمة مجتمعاتنا، نحن ننتج أفكارا لا يستشعرها المجتمع لكن ما إن نوظفها لخدمته حتى يبدأ في دعمها”.

بدروه، شدد الخبير الدولي في نظم وسياسات التعليم فكتور بلة على ضرورة رعاية الشباب المخترعين وتشجيعهم على التميز والإبداع وذلك عن طريق التدريب والتوعية وتبادل الأفكار وتحويلها إلى واقع.

واعترفت موضي الحمود، وزيرة التربية والتعليم العالي الكويتية سابقا، أن “التمويل معضلة كبيرة بلا شك لأننا نعتمد على الحكومات، نسبة 80 بالمئة من الصرف على البحث العلمي والبحوث الجامعية بالدرجة الأولى تنفقها الحكومات”، لكنها تؤكد أن هناك معوقات أخرى، من ذلك حالة الانفصال بين التعليم وتنمية العقول البحثية، حيث تقول الحمود “للأسف نجد التعليم في واد وتنمية الفكر والعقل البحثي في واد آخر، لذلك نجد وضع العالم العربي من دولة إلى أخرى في ما يتعلق بالبحث العلمي لا يسر”.

12